• رحلة ماركس إلى الجزائر

  • مطلع القصيدة

  • الجلّابية

  • أهم كتب 2014 بين السياسة والعنف والحب

  • على سبيل الغضب

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5

رحلة ماركس إلى الجزائر

575463_509196995812048_1031039304_n

فوبيا 638

نظرة فيلسوف البروليتاريا العالمية إلى العرب والمسلمين تعّرض كارل ماركس إلى صدمة نفسية عميقة أواخر عام 1881 إثر الوفاة المفاجئة لزوجته ورفيقة حياته جيني فون فستفالن، مما جعل صحته المتدهورة أصلاً تزداد سوءاً. فقد كان ماركس مصاباً بالتهاب حاد في المجاري التنفسية وتورم في ألياف القفص الصدري، أدّى بدوره إلى تقلّص الرئتين وضيق التنفس وإلى نوبات سعال شديدة )كان ماركس مدخناً شرهاً ومصاباً بأمراض جلدية مزمنة تمنعه دائماً تقريباً من الاغتسال(. وبات يخشى من زحف الالتهاب الصدري إلى دماغه، فقرر بناءً على نصائح الأطباء وصديقه فريدريش إنجلز وأفراد أسرته أن يمضي فصل الشتاء في مدينة الجزائر، ليواصل علاجه هناك، مستفيداً من اعتدال المناخ. فغادر ماركس مكان إقامته لندن في التاسع من شباط 1881 متوجهاً إلى باريس، ليودّع ابنته الكبرى المسماة جيني أيضاً، ويتابع رحلته إلى مرسيليا ومن ثمّ إلى الجزائر المدينة التي وصلها بحراً في العشرين من شباط؛ حيث أمضى فيها إثنين وسبعين يوماً، نزيلاً في أحد الفنادق وتحت رعاية القاضي الفرنسي فرميه الذي كان يرتبط بعلاقة صداقة مع زوج ابنه ماركس جيني. وكان ماركس قد التقى شخصياً بفرميه عام 1866 أثناء انعقاد مؤتمر الأممية الأولى في جنيف، وقد أبعد فرميه إلى الجزائر بسبب نشاطه المعادي للحكومة الفرنسية آنذاك. بداية الاهتمام بالعالم العربي كان فريدريش إنجلز أوّل من لفت انتباه كارل ماركس، الملّقب بالمغربي، Der Mohr نظراً لهيئته الشرقية وقصر ساقيه بالمقارنة مع جذعه، إلى قضية الجزائر وذلك في مقال مطوّل نشره إنجلز عام 1857 في المجلة الأمريكية New American Cyclopedia، إلا أنّ هيئة تحرير المجلة حذفت المقاطع التي كانت تتحدث عن الكفاح التحرري للجزائريين بقيادة الأمير عبد القادر الجزائري، وقد أشار إنجلز إلى هذا الأمر في رسالة إلى ماركس مؤرخة في 22 أيلول 1857. وبعدما وصف إنجلز الموقع الجغرافي للجزائر ومناخها، استعرض تاريخها السياسي، بدءاً من المستوطنات القرطاجية على السواحل الجزائرية إلى فترة الاحتلال النورماندي إثر هزيمة قرطاجة في الحرب البونية عام 201 قبل الميلاد؛ ثمّ تطرّق إنجلز إلى التاريخ العربي الإسلامي فالاحتلال العثماني فالفرنسي ليخلص إلى القول بأنّ “البلد التعيس بات مسرحاً للمجازر الدموية وترويع الآمنين وأعمال القمع الوحشية منذ الاحتلال الفرنسي الأوّل )1830( حتّى يومنا هذا. فتمّ احتلال المدن، الصغيرة والكبيرة منها، بيتاً بيتاً، بعد مقاومة عنيفة وتضحيات جسيمة من قبل السكّان الجزائريين. وقد ذاق العرب والقبائليون الذين يعتبرون قضية التحرر ومحاربة الغزاة الأجانب أثمن من حياتهم نفسها، ذاقوا أصناف القهر والهوان إبّان الحملات التنكيلية التي هدمت ديارهم وأحرقت أملاكهم ومحاصيلهم، وقتلت من بقي حيّاً من السكّان بأشد الوسائل عنفاً ووحشية. ومارس الفرنسيون أثناء قيامهم بهذه الحرب البربرية جميع الأساليب المنافية للقيم الإنسانية والحضارة والتعاليم المسيحية”. وكان ماركس قد اطلع أيضاً على كتاب صديقه المؤرّخ الروسي كوفاليفسكي Kowalewski عن نظام الملكية المشتركة وأسباب نشوئها وتطورها والنتائج الاجتماعية والسياسية المترتبة عن انهيارها، الصادر في موسكو عام 1879، والذي يحتوي على فصل كامل عن ملكية الأرض ونظام الزراعة في الجزائر. واقتبس ماركس فقرات وافية من هذا الكتاب، ليوظّفها في دراسه كان يزمع وضعها عن “تاريخ الملكية المشتركة” بعد عودته من الجزائر. وهذه الملكية المشتركة للأرض هي نمط اقتصادي اجتماعي كان سائداً في الجزائر منذ مئات الأعوام، ويتناقض إلى حدّ ما مع نظرية كارل ماركس عن المراحل الخمس التي مرّت، أو التي ستمّر بها البشرية بصورة حتمية، وهي المشاعية البدائية، أو الشيوعية الأوّلى، ثم العبودية فالإقطاع فالرأسمالية وأخيراً الاشتراكية. وقد عرفت الجزائر، حتى في حقبة ما قبل الإسلام، شكلاً من أشكال النظام العائلي، الأبوي بصورة أدقّ، والذي كان معروفاً في بلدان أخرى مثل الهند على سبيل المثال، حيث تنتقل ملكية الأرض ضمن أفراد العائلة الكبيرة أو القبيلة بالتتابع. فكانت الأرض في الجزائر لا تباع ولا تؤجّر إلا تحت شروط الانتماء القبلي، وكانت حرية التصرّف الفردي بالأرض معدومة تماماً. ويعود هذا النظام في جزء منه إلا المفهوم الإسلامي للملكية، المعروف بالوقف أو الإقطاع. وشبّه كوفاليفسكي الشكل التضامني لملكية الأرض بنظام Allmende الألماني الجماعي أو “مير” Mir الروسي التعاوني. وقد تحايل الاحتلال الفرنسي على هذا النظام التقليدي بحجة أن الأراضي المصادرة كانت تابعة أصلاً للحكومة الجزائرية، أي أنها أراض أميرية منزوعة الملكية بسبب انهيار الدولة ودخول ملكيتها في خزينة الدولة الفرنسية مباشرة. فصادر الفرنسيون بأمرة الجنرال برمون 12 سفينة حربية جزائرية و 1500 مدفع وما يقرب من 10 ملايين دولار من العملة المعدنية. وقد عرضت أسهم بيع الأراضي، وبالأخص الزراعية منها، في الجرائد والمطبوعات الناطقة بالفرنسية، ومنح حقّ المضاربة للمستثمرين الفرنسيين، وقد علّق كارل ماركس على هذا الإجراء بأنه “عملية سطو سافرة”. وعبّر أحد قادة الحكم الفرنسي في الجزائر، كافنيو Cavaignacs، والذي ساهم فيما بعد في قمع كومونة باريس، أبلغ تعبير رسميّ عن سياسة الاحتلال الفرنسي حينما قال إنّ “طريقة خوض الحرب التي نشنها على العرب قد أصابتهم في الصميم. فالعربي مرتبط بالأرض أكثر بكثير مما كنّا نتصوّر. والملكية الريفية للأرض تشكّل الجزء الأعظم من القاعدة الجماعية والتضامنية في الجزائر. وما علينا الآن إلا أن نحطّم هذه القاعدة”. وقبل وصول كارل ماركس بزمن طويل كان الجزائريون قد تمرسّوا على المقاومة التحررية بعد مواجهات يومية دامية مع قوات الاحتلال الفرنسي. وتمكن الأمير عبد القادر الجزائري من إقامة حكومة وطنية خالية من نفوذ المستوطنين والأمراء الجزائرين الكبار. وشرّع قوانين اجتماعية اتسمت بالعدل والمساواة، وأعاد توزيع الأراضي على الدوائر والمقطاعات الخاضعة لإدارة السكّان المحليين. واتبع نظاماً لا مركزياً في قيادة الدولة، مما جعل دور الدولة يقتصر على الدفاع والأمور التشريعية ورسم السياسة الخارجية. فدفع هذا التطوّر بالحكومة الفرنسية إلى تعبئة مئة وثمانية آلاف جندي بغية الإطاحة بحكومة عبد القادر الجزائري وتخريب دولته بالكامل. فعقدت لهذه الغاية معاهدة مع المغرب، اشترط فيها عدم تقديم أيّ مساعدة إلى الحكومة الجزائرية المستقلة. وبعد اعتقال الأمير عبد القادر الجزائري إثر نشاط خياني مبيّت انهارت دولته، وأجهز الفرنسيون على ما بقي منها. بيد أن جذوة المقاومة لم تنطفئ تماماً، فجاء قادة آخرون، وتلاحقت انتفاضات القبائل العربية والبربرية. ماركس في الجزائر كان ماركس ينشد بالطبع الاستجمام والابتعاد قدر المستطاع عن النشاط السياسي، مثلما نصحه أصدقاؤه، بيد أن الأحداث كانت تلاحقه إينما حلّ، فقد ضمّت فرنسا تونس إلى جمهوريتها وأحكمت بريطانيا سيطرتها على مصر في هذه الفترة بالذات، فضلاً عن وصول الأسطولين الفرنسي والروسي إلى ميناء الجزائر في مهمات استطلاعية. وكان ماركس مبهوراً فعلاً بالتقنيات الحربية لهكذا أساطيل، وقام بزيارة إحدى البارجات الفرنسية وتحدّث إلى بحّارتها. بيد أن حالته الصحيّة لم تسمح بعد بمراجعة الطبعة الثالثة من كتابه رأس المال والتي وعد ناشره بإعدادها إثناء إقامته في الجزائر. لم يطرأ في الواقع تحسّن واضح على صحّة كارل ماركس، فكان يمضي معظم وقته في القراءة أو في التجوال عبر حدائق المدينة وأسواقها، بحثاً عن الهدايا التي سيقدمها إلى أفراد أسرته وصديقه إنجلز الذي اشترى له خنجراً عربياً. ولكن ما يهمنا في هذا السياق هو الحدث المأساوي الذي وقع أثناء وجود ماركس في الجزائر والذي تابعه عن كثب عبر الصحف المحلية مثل صحيفة “أكبر” الممولة من قبل السلطة الفرنسية و”مونيتور” و”بيتي كولون” وغيرها وكذلك عن طريق صديقه فرميه، وذكر ماركس هذا الحدث عدة مرّات في رسائلة الستة عشرة التي بعث بها من الجزائر. ففي مطلع عام 1880 وضعت السلطة الفرنسية خطّة لإخضاع المناطق الصحراوية الجنوبية. فتصدى لها الجزائرون بقوّة، بل اندلعت ثورة جديدة بقيادة سيدي بوعمامة الذي أظهر شجاعة نادرة وموهبة فذّة في خوض حرب العصابات، حتىّ أن الثوار أطلقوا عليه لقب “عبد القادر الثاني”. وكتبت إحدى الصحف الفرنسية، Debats ، تقول آنذاك: “إنّ أحداً لم يجرؤ قبل بوعمامة على أسر ثلاثمئة محارب فرنسي في ضربة واحدة والاستيلاء على ألفّ عربة محملّة بالقمح، وذلك كلّه أمام أنظار السلطات الحاكمة”. إلا أنّ القوّات الفرنسية تمكنت من تدبير مكيدة، فأوقعت بهذا الثائر واعتقلته في التاسع من نيسان عام 1882 بعد أن تعهدت له بالأمان، لكنها نكثت العهد، وقررت إعدامه. وحين طالب بوعمامة بأن ينفّذ قرار الحكم رمياً بالرصاص بدلاً من المقصلة، لأن قطع رأس المسلم البريء محرّم في الإسلام، رفضت السلطات الفرنسية طلبه، وأصرّت على إعدامه بالمقصلة مثلما يقضي قانون العقوبات الفرنسي آنذاك. وأشار كارل ماركس إلى هذه الواقعة بشكل غير مباشر وذلك في رسالة إلى ابنته لاورا في 13 نيسان 1882، وهي رسالة طويلة ومعقدة كتبها ماركس بثلاث لغات في آن واحد، وهي الألمانية والفرنسية والإنجليزية، إضافة إلى بعض المفردات اللاتينية. فكتب ماركس يصف الجزائريين: “كان هناك ثلّة من المغاربة يجلسون حول طاولة متهالكة ويحتسون القهوة، وكان كلّ واحد منهم يحمل أبريقاً من القهوة، وكانوا يلعبون الورق )وهذا هو الانتصار الوحيد الذي سجلته الحضارة ضدهم(. فبدا المشهد مثيراً للغاية، إذ أنّ البعض من هؤلاء المغاربة كان حسن الهندام، بل فاخر الملبس، والبعض الآخر كان يرتدي بلوزة إذا ما عنّ لي هنا إطلاق تسمية كهذه، بلوزة لها مظهر الصوف الأبيض، فباتت الآن مهلهلة ممزقة – لكن من وجهة نظر المسلم الحقيقي فإن حالات السعادة والتعاسة لا تفرّق بين أبناء محمّد. وهذه أمور لن تؤثّر على تعاملهم مع بعضهم البعض، بأسلوب قائم على المساواة المطلقة، بل على العكس من ذلك. غير أنهم في حالة تعرّضهم إلى الإهانة سرعان ما يشعرون بالكراهية ضد المسيحيين، وكذلك بالأمل في النصر على الكفّار. وهكذا ينظر ساستهم وبحقّ إلى هذا الشعور وإلى تطبيق المساواة المطلقة)ليس في الثراء أو الدرجة الاجتماعية، بل بالمساواة الشخصية، باعتبارها ضمانة للحفاظ على هذا الشعور من ناحية وعدم التخليّ عن الشعور بالمساواة من ناحية أخرى(. ومع ذلك فليذهبوا إلى الشيطان طالما لم تكن لهم حركة ثورية”. ونجد، في موضع آخر، وصفاً تفصيلياً لحادثة إعدام بوعمامة في رسالة بعث بها ماركس إلى إنجلز مؤرخّة في 18 نيسان 1882 جاء فيها: “يجب أن أذكر لك هنا مقلباً دبرته السلطة الفرنسية ضد لصّ مسكين وقاتل محترف من العرب. ففي اللحظة الأخيرة التي يسميها اللندنيون الخبثاء لحظة الانطلاق نحو الأبدية، اكتشف بأنه سوف لا يعدم رمياً بالرصاص، وإنما سيقطع رأسه بالمقصلة! نقضاً للتعهّد! فقطوا رأسه رغم التعهّد المسبق. ولم ينته الأمر عند هذا الحدّ: فقد كان أهله ينتظرون من الفرنسيين إعادة رأس القتيل، مثلما كان مألوفاً بعد الصلب، لكي يخيط الأهل الرأس على الجذع ثانية، فيتسنى لهم دفنه بجسد كامل. لكن الفرنسيين لم يحققوا رغبتهم، فصار الأهل يبكون ويقذفون بالشتائم، ثم ثارت ثائرتهم تماماً. غير أنّ السلطة الفرنسية قطعت الرأس عن الجسّد بالتمام والكمال. والآن إذا ما ذهب الجذع إلى الجنّة، فإنّ محمّداً سيسأله: أين أضعت رأسك؟ أو من ذا الذي فصل رأسك عن جذعك؟ إنّك غير آهل لدخول الجنّة، فتلذهب طعماً سائغاً لكلاب المسيحيين، وهكذا كان الأهل يولولون وينتحبون”. النظرة المركزية الأوروبية تفصح هذه الملاحظة، وغيرها العديد المبثوث في ثنايا الكتاب المفصّل الذي وضعته الباحثة الألمانية مارلينا فسبر عن رحلة كارل ماركس إلى الجزائر*، تفصح عن النظرة الأخلاقية والسياسية لماركس، وهي في التحليل النهائي نظرة أوروبية مركزية، استعلائية وارستقراطية في جوهرها، وبالذات نظرة أوروبا الوسطى والشمالية الذي تحدث عنها إدوار سعيد في كتابه عن الاستشراق. لكننا وقبل مناقشة النظرة “الماركسية” للشرق العربي الإسلامي نود أن نشير إلى بعض الآراء التي طرحها إدوارد سعيد عن تعامل ماركس مع الشرق. يعزو إدوارد سعيد هذه النظرة إلى فهم ماركس للنظام الاقتصادي الآسيوي الذي تحدث عنه عام 1853 أثناء تحليلة لطبيعة السيطرة البريطانية على الهند. فبعد أن استعرض ماركس سياسة القمع والطمع والتدخل الاستعماري الفظّ في شؤون الهند، عاد وبقناعة تامة إلى أفكارة الأصلية التي ترى في تحطيم الهند فرصةً للثورة الاجتماعية الحقيقية. ويعلّق سعيد بأن هدف الاستعمار البريطاني لم يكن قطّ اتاحة الفرصة أمام الهنود للقيام بثورة اجتماعية، بل الطمع والمصالح الاستعمارية وحدها. فماركس يرى وفقاً لتحليل سعيد بأن بريطانيا تقوم بمهمتين مزدوجتين في الهند، إحداهما هدّامة والأخرى بناءة تهدف إلى تدمير النظام الاجتماعي الآسيوي القديم ووضع الأسس المادية لنظام اجتماعي غربي في آسيا. فماركس يصف هؤلاء بالشرقيين الذين لا يعرفون المعاناة، ولذلك يجب معاملتهم بأسلوب يختلف عما هو مألوف لدى الأوروبيين. وهو يفعل ذلك بطريقة آلية لتبرير فرضياته حول الثورة الاجتماعية الاقتصادية اعتماداً على عدد من كتابات المستشرقين التي حددت نظرته إلى الشرق. لكن ماركس لم يتحدث فقط عن الهند بل تحدث مباشرة عن الديانات السامية بالتفصيل، بالأخص الديانة اليهودية التي أفرد لها مقالة تفصيلية، والمسيحية أيضاً، لكنّه سجّل العديد من الملاحظات عن الإسلام وعن العلاقة القائمة بين الديانات السامية. فهو يعتقد بأن اليهودية ما هي إلا قبيلة بدوية صغيرة تقيم منظومة علاقات محلية الطابع وتعتاش على النظام الزراعي البدائي، على العكس من القبائل الأخرى، والعربية منها بصورة خاصة التي تقوم بالغزوات والفتوحات. ويقول ماركس بأن العرب قبل الإسلام كانوا متحضرين شأنهم شأن قدماء المصريين والآشوريين، ولذا فإنّ “الثورة الدينية التي قام بها محمّد لا تختلف عن أي حركة اجتماعية، فهي حركة رجعية على نحو شكليّ، تزعم العودة إلى ماهو قديم وبسيط”. ويتعرض ماركس في بحث حول “تاريخ القضية الشرقية” إلى بساطة التفكير الإسلامي فيقول إنّ “القرآن والتشريع المستمد منه يقلصّان الجغرافية والتنوّع العرقي لمختلف الشعوب في ثنائية سهلة ومريحة وهي: المؤمنين والكفّار”. ويعتقد ماركس بأنّ القرآن يعتبر كلّ أجنبي كافراً، بحيث أن أحداً لم يجرؤ على دخول بلد إسلامي دون أن يتخذ إجراءات الحيطة والحذر”. كارل ماركس نفسه طبّق هذه التصوّرات حرفياً أثناء زيارته إلى الجزائر، فهو لم يلتق بعربيّ أو بربريّ واحد، لأنهم أفظاظ ولا يؤتمن لهم جانب على حد تعبير ماركس؛ ثم ّإنهم اتباع دين رجعيّ صحروايّ لا علاقة له بالعلم والمعرفة اللذين يشكلان “جوهر” الفلسفة الماركسية. وفي رسالة الشكر التي بعثها إنجلز إلى ماركس بعد استلام الخنجز الهدية كتب إنجلز: “إنّه خنجر شرقيّ حقيقيّ، وحيثما يطعن لا ينتب في موضع طعنته عشب أبداً”. ماركس نفسه رجع إلى قصّة الخنجر مجدداً: “بالمناسبة! إنّ الخنجر، ومثلما لمست بنفسك فظاعة العرب، هو صناعة قبائلية”. لكن حتى جرائم الفرنسيين في الجزائر بدت في نظر ماركس وإنجلز مجرد دروس أوليّة في “مدرسة جلادّي البرولتياريا الفرنسية” مثلّا عبّر إنجلز في مقالة له بعنوان “الخامس والعشرون من حزيران”. الأخلاق الماركسية ونحن هنا لسنا بصدد الدفاع عن العرب والمسلمين، بقدر ما نلقي قليلاً من الضوء على نظرة ماركس الأخلاقية إزاء الشعوب غير الأوروبية التي كانت تعاني من وطأة الاحتلال الأوروبيّ وحروبه المستمرة. وهي في الواقع نظرة أحادية الجانب وتبسيطيه أكثر من نظرة ماركس نفسه للتقسيم الإسلامي للشعوب. فنظريته لم يقرأها ويطبقها إلا المثقفون البرجوازيون، بل حتى أبناء البرجوازية الكبرى، فأنا شخصاً لم أر في حياتي عاملاً بروليتارياً ماركسياً، حتى في ألمانيا بلد كارل ماركس نفسه، حيث أقيم منذ ثلاثين عاماً. ولعلّي كنت من العمّال العراقيين القلائل الذين آمنوا بنظرية ماركس عن الثورة البروليتارية في العراق! حيث لم نكن نعرف بعد أيّ جرائم إبادة قام بها ويقوم بها حتّى هذه اللحظة حملة لواء ماركس ضد شعوبهم والشعوب الآخرى، والتي ذهب ضحيتها عشرات الملايين من البشر باسم “الديانة” الماركسية الإطلاقية التي تختزل الإنسان إلى عامل اقتصادي بحت، فتمسخ فوراً شخصيته وأخلاقه وتطلعاته الفردية وعلاقاته الاجتماعية الطبيعية. ويحضرني هنا أننا كنّا ونتيجة فهمنا الماركسي لصراع الطبقات نعادي جميع الطبقات غير العمّالية، وكنّا ننظر حتى لمعلميّ المدارس الابتدائية في العراق باعتبارهم ممثليّ البرجوازية الصغرى، أي أنهم ينتمون إلى طبقة قلقة إيديولوجياً، ولا يعتمد عليها في عملية الصراع الطبقي الدموية، مثلما يعتمد على الفلاحين، الحلفاء الطبيعيين للعمّال. وكنت اطلعت قبل فترة وجيزة، وبمحض الصدفة، على بحث للسويسري آرنولد كونتسلس Künzlisبعنوان “كارس ماركس، سيرة نفسية” تحدث فيه كونتسلس عن معاملة كارل ماركس لابنه غير الشرعي فريدريك، المحرّف اسمه قليلاً عن اسم فريدريش صديق ماركس الذي تنبّى فريدريك هذا الذي أنجبه ماركس من خادمته هيلينه ديموت Demuth التي كان يستغلها جنسياً لأنها خادمة، لكنه تخلّى عن التزامه الأبوي إزاء ابنها هذا الذي ربته امرأة غريبة. ولم يسمح له ماركس برؤية أمّه الحقيقية إلا في مطبخ بيته. وتعلّم فريدريك القراءة والكتابة بصعوبة ثم اشتغل عاملاً بلا أي مؤهلات قبل أن تختفي آثاره نهائياً. وتكشف هذه النظرة الأخلاقية-الاجتماعية لماركس والتي هي في نهاية المطاف جزء من نظرية أوروبية، بريطانية-فرنسية-ألمانية بالتحديد، تعود إلى القرون الوسطى ومازلنا نرى ذيولها حتى يومنا هذا، تكشف عن برودة قاسية وطبيعة لاإنسانية، كما أنّها تفتقر إلى أدنى قدر من الإحساس والتعاطف الاجتماعيين. فماركس يحاول هنا تسفيه ثقافات الآخرين وإزاحة كلّ ما من شأنه وضع نظريته حول المراحل التاريخية للبشرية موضع الشكّ. وهو لايريد الاعتراف بأنّ هناك أنظمةً اجتماعيةً مستقلة لا علاقة لها بالتصنيف الماركسي الجامد لمراحل التاريخ. فالعرب لم يعرفوا قطّ نظام المشاعية الأولى ولا العبودية ولا الاقطاع بشكله الأوروبيّ ولا الرسمالية، وربّما لن يصلوا يوماً إلى الاشتراكية التي ستقودها الطبقة العاملة. وعلى الرغم من أنّ ماركس أظهر قدراً من التعاطف مع العمّال الجزائرين، مثلما شدد في رسالة إلى لافروج، زوج ابنته، إلا أنّه وضع ذلك ضمن إطار نظريته الشمولية، مقارناً إيّاهم بعمّال أمريكا اللاتينية. ولاشكّ أنّ ماركس كان متأثراً بآراء أستاذه هيغل عن الإسلام، والتي جاءت مقتضبة وفي غاية الإيجاز خلال محاضراته الكثيرة عن الديانات، والتي اعتبر فيها العرب مجرد إداة توصيل لربط الحضارات، ونقلةِ أفكار فلاسفة الإغريق، وليسوا مبدعين على غرار الأوروبيين. وبهذا تجاهل ماركس آراء غوته وهيردر وفون هامر وروكرت، وحتى آراء “صديقه” هاينرش هاينه الذي لا تخلو كتابات ماركس من الإحالة إليه والاستشهاد به. لقد أمضى كارل ماركس إثنين وسبعين يوماً في مدينة الجزائر، حيث قرأ الكثير عن أوضاع البلد وتحدث إلى طائفة كبيرة من الأوروبيين وتجوّل في القصبات والحدائق العامة، دائماً برفقة دليل عارف بأمور الجزائر، حتّى أنّه زار ذات مرّة الأسطول الروسي القيصري الذي كان راسياً في مرفأ الجزائر. إلا أنّه لم يحاول يوماً الاقتراب من سكّان البلد الأصليين، ولم يظهر أدنى تعاطف معهم أو مع قضيتهم، لأنهم عرب ومسلمون، ولم يتعرّض إلى ثقافتهم وتاريخهم مثلما تؤكد لنا كتاباته ومراسلاته التي كان يوقعّها أحياناً بلقب “المغربي” أو “المغربي العجوز”. — * Marlene Vesper: Marx in Algier, Bonn 1995.

الجلّابية

10644779_748852951846450_5801335739093504810_o2

فوبيا 309

1 حلمت أنّني كنت ملفوفاً ذات ظهيرة بغطاء أزرق قديم، فأفتح عينيّ وأغمضهما دون أن أرى شيئاً واضحاً. وتراءى لي النهار صامتاً صمتاً رهيباً وساخناً على نحو غير مألوف. وكان المكان واسعاً خالياً إِلاّ من غرفة مكعبة مرتفعة مبنية بالطين ومعالجة بالجصّ، وبدت لي لشدّة ارتفاعها وكأنّها معلقة بالسماء. كنت في البدء أتنفّس بهدوء، على الرغم من أنّ أنفاسي نفسها كانت زافرةً ومسموعة. كنت فاقداً أدنى إحساس بجسدي الذي فارقته قواه جميعها وبات طريّاً سائباً. وكنّا في الغرفة أربعة أشخاص نياماً. ففتحت عيني بحذر وتلصصت إلى ابن خالتي القوي العنيف الذي كان يشبه فحل الجاموس. ورأيته يخطو سريعاً في الغرفة، يخطو مستقيماً ثابتاً جيئة وذهاباً. وعلى حين غرّة اتّجه إلى ابن عمتي الذي كان غاطاً في النوم، وهوى عليه بسكين طويلة خافتة البريق، فطعنه أربع طعنات عميقة، سبقت كلّ واحدة منها همهمة مكتومة «همْ، همْ، همْ، همْ»، فنزع أحشاءه بالثلاثة الأولى ثمّ قطع أضلاعه بالطعنة الرابعة، إِذ أنّني سمعت السكين وهي تحدث رنيناً عظيماً جعل عينيّ تتسعان هلعاً. وظننت أنّ القاتل قد لمح في عينيّ علامة رضى على ما فعله، وهو، ابن خالتي، القاتل الذي لم تفته نظراتي المرعوبة الفارغة، رمقني بنظرة قصيرة نافذة، ومسح الدماء عن السكين بغطاء القتيل، ثمّ خطا نحو ابن خالي الآخر الذي رقد في فراش يشبه حوض الاستحمام، لكن القاتل لاحظ أنّ ابن خالي الذي تظاهر بالنوم لا بدّ أن أكتشف نيته، فانبطح على الأرض وأخذ يزحف باتجاه الضحية الأخرى واضعاً السكين بين أسنانه. حقاً، لم يكن ابن خالي نائماً، إِذ سرعان ما انتفض كما لو أنّه أخذ للتو حمّاماً ساخناً وأراد الآن أن يجفّف جسده، فلم يفزع ولم يتراجع، بل ثبت في مكانه بقامته المديدة وعوده الضامر، بينما كان المهاجم ممتلئاً صلباً وعنيفاً كالثور الهائج، فعاجل ابن خالي بطعنة جانبية مباغتة شقت بطنه من الأسفل فتساقطت أمعاؤه في الحوض مصدرةً وشوشةً مروعة. لكن قبل أن يسقط القتيل رمقني بنظرة عتاب وشكّ غريبة كما لو أنّه كان يتهمني بالخيانة. وأخيراً، بعدما انهار الجسد المجوف في تابوت الاستحمام، حاولت أن أقوم بأي فعل من شأنه أن يوقظ فيّ القدرة على المقاومة، حاولت أن أنهض، إِلاّ أنّ جسدي بدا مثل كومة من خيوط مهترئة سائبة، بل بدت أطرافي كلّها خائرة تماماً عاجزة عن الحراك. هنا انتابني شعور مرعب هو أنّني سأصبح الضحية الثالثة، إِذ لا بدّ أن يكون القاتل قد وضعني في حسابه، وربّما كنت ميتاً مذبوحاً لكنّني لم أكن أعلم بذلك، وأنّ ما رأيته كان صوراً من العالم الآخر، من غمامة العالم الآخر وبرزخه. غير أنّني استيقظت بعد حين دون أن أرى شيئاً، فأخذت أفتش عن جثتيّ القتيلين، لكنّني لم أجد أحداً أثراً لهما، ولم أر أيضاً سريريهما ولا غطاءيهما. لقد تحوّلت الأسرّة على حين غرّة إلى نقّالات من خشب ضخمة. فتذكّرت أنّ هناك في الأسفل، في فناء الدار بئراً قديمةً متروكة، وربّما حمل القاتل ضحيتيه ليلقي بهما هناك. وأنا، أنا الشاهد الذي كانت روحه الغائبة تترنّح بين سكرات الموت والموت نفسه، جلست أنتظر عودة القاتل لكي ينقل جثتي أيضاً إلى البئر. وبعد صعوبة بالغة، استطعت أن أفتح عينيّ حقيقة، وأضحى صوت الفحيح الذي خرج من فمي لاهباً ومتسارعاً مثل أنفاس مصدور، فشعرت بالفزع وبدأت عظامي تختضّ. فهل كان حلماً هذا الذي رأيته أم أنّه الحقيقة نفسها مجسّدةً على نحو لا غبار عليه؟ وأحسست بيدي مخدرة وكتفي متصلباً وبلزوجة العرق البارد وهي تسيح على جلدي. وحاولت أن أنهض، لكن جسمي كان ضعيفاً خائراً، فتزحزحت قليلاً وكشفت عن صدري المعروق لعلّني أتنفس شيئاً من الهواء. كانت الساعة ما تزال تتك عند الرابعة فجراً، والبعوض يطنّ حول رأسي كأنّه طائرات مغيرة خارقة للصوت. فعصبت رأسي بالبيجامة وذهبت إلى المطبخ بقلب سريع الضربات ويدين مرتعشتين خاليتين من الحسّ. فسرت في الممر يسبقني ظلّي المتأرجح وكأنّه يستطلع الطريق أمامي مثل مجسّات صرصار. ففتحت الثلاجة وانحنيت لكي ألقي نظرة على محتوياتها، لكنني لم أر فيها ماءً للشرب، فتحول فحيحي إلى لهاث لاعج. فاضطررت أن أشرب حفنة ماء من الحنفية. وتطلّعت إلى يدي فرأيتها متوترة وترتجف. ويبدو أنّ رعباً أسود بدأ يتسلل إلى قلبي، لكنّني استطعت أن أقاومه بما بقيت في روحي وجسدي من عزيمة وقوّة. كلا! لن أنهزم ولن ألقي بسلاحي أبداً، أبداً! لا شك أنّ هذا الارتجاف نوع من الخدر الموضعي الذي يصيب رمانة الكتف، وربّما يمتص الهواء من أطراف الأصابع بفعل الكوابيس. لطمت يدي على الطاولة، إِلاّ أنّها ارتدت متصلبة مثل يد خشبية. واختبرت يدي الأخرى فوجدتها طبيعية إلى حد ما. إِنّه إِذاً الوهم من جديد، أو الهلوسة والذهان ولا شيء آخر غيرهما! فعليّ أن أخرج إلى الناس حالاً، وأختلط بهم وأشمّ رائحتهم، رائحة خوفهم، وأصغي إلى أصواتهم وأنفاسهم، لعلّي أستطيع أن أختبر قوّتي بهم. فأسلمت نفسي لهذه الخاطرة العاجلة وارتديت ثياباً صفراء وبنيّة ذكّرتني دفعة واحدة بلباس الحزب القومي الألماني، فخلعتها وارتديت جلابية صعيدية، جلبتها معي من ألمانيا، وكانت قد أهدتها لي عطيّات ذات يوم، إِلاّ أنّني لم استعملها خوفاً من أن تذكرني بها. وكنت متوجساً تماماً من التعرّض إلى حالة نكوص، أو قنوط وأنا لم أزل في ساعاتي الأولى، فبدأت أطمئن نفسي بالقول (تحلّى بالصبر يا حمدان، فكن شجاعاً، وعليك بالتجلد!)، لكنّني نفسي كنت عاجزاً عن الإِصغاء إلى نفسي. فهبطت السلّم بهدوء، محترساً من أن يلمحني البواب الذي لا تعرف عينه النوم، غير أنّني أبصرته متربّعاً عن حصيرته يتطلع في الجريدة بتركيز ونظرات ثاقبة، لدرجة خيّل إليّ معها وكأنّ أخبار الجريدة أصبحت قلقة من تفرّسه وقوّة نظراته، ومع ذلك فقد كان منتبهاً لوقع خطاي، يا لهذا الرجل الذي خلقه الله غفيراً! فأيّ عبقري هذا الذي اختار عبدو بواباً! والتفت إليّ وقال بصوت ضاحك: «مبروك، أستاذ حمدان، إ شاء الله تقطّعها بألف عافية!». 2 تدحرجت كالكرة الصعيدية تحت النور الساخن، ودخلت في الحمّام الشمسي الحقيقي، وجذبت نفساً دافئاً عميقاً، ثمّ هويت بقبضتي السليمة على صدري المشعر الذي أبرزته الجلابية عارياً عريضاً. ومررت بأصحاب جلابيات كثار، من باعة تمر وفاكهة وسماكين وباعة دجاج وليف ومكانس، إِلاّ أنّ أياً منهم لم ينتبه إلى لباسي. لقد صيرتني الجلابية واحداً منهم، فيا ليتني كنت واحداً منهم! أنا الوحيد اللا أحد الذي تَحَنْبَطَ بجلالبيته المقلّمة الضيقة الخصر المهفهفة الردنين. واستقليت مترو الأنفاق، فأصابتني الدهشة وفرحت في الوقت ذاته، لأنّ لا أحد كان يدقّق في مظهر الآخرين. ولو عنّ لراكب ما أن يتطلع إلى عينيّ لأصابتني رجفة دون شك ولأفصحت مرآة نفسي عمّا اعتمر في داخلها. كانت العربة شديدة الزحام، صاخبة، وفي الباب انتصبت ثلّة من فتيان خطّت شواربهم للتو، يحكون نكات بأصوات حيوية قوية ويردّدون القافية بين الحين والآخر «عبد الغفور كان سكران الظهر، أشمعني؟ حسب الزبون ! أكثم اللي نجى من الزلزال بقي مليونير دي الوقت بفضل الخليج العربي، أشمعنى؟ عشان كان يشرب من البتاع! ها ها ها…» كانوا يرفعون أصواتهم ويصفقون راحات بعضهم كلّما رفع الطفل الرضيع الذي كان يجلس في حضن أمّه من صراخه، فتخيلتهم مثل عصافير الجنّة التي لا تشدو، لكنّها لا تريد أيضاً أن يعلو صوت آخر على صوتها، نعم هذه هي عصافير جنّة النيل الصاخبة بعينها. فابتعدت عن الباب قليلاً، ووقفت إلى جانب امرأة في جسمها امتلاء، وتنظر إلى فتحة ثدييها المعلقين أمامها كالشمامتين الشاميتين، فتذكّرت نهديّ جارتيّ التركية، تلك المرأة الجميلة ذات العجيزة الصغيرة الملمومة، الجارة التي كانت تقف كلّ صباح وراء نافذتها المقفلة تدخن ساهمةً، المرأة السمراء البالغة الهشاشة وذات الثدي الثري، والتي كانت تمضي ظهيرتها في النوم أو الاستماع إلى الأغاني التركية الرومانسية. وأحياناً كنت أسمعها تغني بصوتها الأخن الحاد النبرة، والذي حسبته ذات مرّة زمّارة أطفال. كنت أراها تغادر الدار مصطحبة ابنها الذي أنجبته من تركي آخر، لتجوب به الشوارع المقفرة التي تتحول إلى مقابر سيّارات، تفتش عن هاتف معطّل أو ماكينة سجائر خربة. وحين يعود زوجها في المساء المتأخر يختفي صوتها، فلا أسمع سوى عطاس الزوج وكركراته الطويلة المنفطرة من القلب. لكن عندما يحل الليل، ذاك الليل الألماني الأزرق العميق الصمت، الذي تصمت فيه حتّى الكلاب، يتصاعد من بيت جارتي صراخ عنيف موجع ولا يحتمل، صراخ تركي يشبه عواء الضبع الجريح، ينتشلني من نومي، فأهبّ مذعوراً كما لو أنّ حريقاً قد نشب في أسفل الدار، لكنّني أسمع الزوج العجوز وهو يسعل ويهدئ من روع امرأته بصوته المشبّع بالبلغم إلى أن يخفت الصراخ. وحدث ذات ليلة أن دوّى الصراخ عارياً رهيباً، فنهضت مذعوراً وقلت في نفسي لقد احترقنا هذه المرّة لا محالة! وعندما أصغيت إلى أزيز النار سمعت الزوج يقول بنبرة حانية عطوفة: «سر در صرم خش يوق أفندم؟» فتهفت به المرأة، أو هكذا تخيلتها تهتف بصوت متهتك من فرط اللذة والألم «خش دحس يوق درلر بخش صوغان أفندم، نسرسم، نسرسم، قچبرة يوق، بانا زرار، دحس يوق، يواش… يواش، قچ أوف، أوف اوف أوف، أو… ف… آآآآ…» ثمّ ينقطع دوّي الصوت المعذب على حين غرة. وحدث ذلك في ليلة طويلة، مفرطة الطول، وثلجية قاسية البرد، كانت تهبّ فيها العواصف من أعماق سيبريا والسماء الثقيلة الرصاصيّة تنثّ ثلجاً ماطراً وعاصفاً تكاد تتخلخل له أركان الدار، فقضيت ليلتي أتقلّب في الفراش مستعراً ومنتصباً، ولا أعرف أين صار رأسي، وصرت أترصد الصياح التركي الذي يهبّ بين الفينة والأخرى ملتهباً عنيفاً كالسكاكين التي تمزّق أحجبة الظلمة والسكون. وفي ذلك الفجر، ضربت قاطاً ثقيلاً من “الجلق”، غير أنّ اضطرابي لم يهدأ. فاضطررت إلى مغادرة فراشي البارد المنقوع بالعرق. ولاحظت أنّ الصراخ لم يزل يرنّ في أذني، فأخذت أفتش في فناء الدار عن تفسير له. وعندما تطلعت حولي أبصرت حزمة أخشاب جديدة مطلية بالدهان وناعمة، شديدة النعومة، حتّى أنّني خلتها هراوات شرطة، بيد أنّها كانت أكثر قصراً، ورأيتها مصفوفة بعناية إلى جانب حائط عار ويرشح منه الماء ويندلق بهدوء تحت كومة الخشب. فأدركت بعد تأمّل أنّ هذه العصيّ الجميلة هي عُدّة الليل في الزمهرير الألماني الذي لا خلاص منه ولا مفر. وحين رفعت رأسي لمحتها تقف هناك في شبّاكها الأبيض الوحيد وتمسح بأطراف أصابعها الدخان عن الزجاج الرطيب… وعدت الآن أتطلع إلى نهديّ المرأة الممتلئة التي وقفت أمامي مباشرةً. وشعرت بتيّار صغير رجراج يمرق خاطفاً كالبرق في جسدي. وتخيلت نفسي عريساً وأنّ عروستي هي ابنة الأسد نفسه، بل تخيّلت الأسد يقف بلحمه ودمه إلى جانب كريمته الحمراء ويلتفت بسرعة وبراعة فيها الكثير من الشكّ نحو الجهات كلّها. وشيئاً فشيئاً بدأت أعود من أرض الحلم إلى هشاشة الواقع الغامض والمفتوح في آن. وفكّرت في أن أضع خطة مناسبة للتجوال، إذ أنّ هناك أشياء كثيرةً وممتعةً تستأهل الزيارة، إِلاّ أنّها كانت متفرقة ومتناثرة في الأصقاع والفيافي، ولا يمكن أن تلمها خريطة أو خطة واحدة. لكن ما شأني أنا والخطة؟ يا للعجب! أعربي وخطة؟ فركبت عربة حنطور باتجاه السقّارة، ومن هناك ربّما أكتري حماراً ليقلني إلى موضع القبور القديمة. وأوصلني الحوذي بسلام إلى ساقية جافة زرقاء تجمّعت عندها بضعة بغال وحمير وحناطير. كان المكاري جاهزاً في الموضع، فركبت حماراً وركب صاحب الحمير حماراً آخر وسرنا إلى جانب الغيطان المنبسطة والجنائن الغارقة في ضياء النهار. فسرنا بمحاذاة القناة المطمورة يظللنا النخيل وأشجار الوحواح الفاتحة الخضرة التي تنبعث منها روائح صحراوية وأصوات ريح بلا انقطاع. كان الطريق طويلاً وخالياً إِلاّ من الشجر والنخيل، فرأى المكاري أن يحدّثني عن قدماء المصريين. وفي الوقت ذاته كان ينخس الحمار ذي الغرة البيضاء الرمادية بسيخ من المعدن كلّما أحرن. (الآثار الموجودة في السقّارة هي أهم بكثير حتّى من آثار الأقصر)، قال وكأنّه يتحدّث إلى نفسه، (وأنا شخصياً اكتشفت فيها مقبرة، لكنّني لم أبلغ أحداً الاكتشاف، فإِذا رغبت في رؤية أقدم مومياء عرفها التاريخ، فإنّي مستعد أن أحقّق لك هذه الرغبة)، فسألته لكي أوقفه عن سرد وقائع التاريخ، كم سيأخذ منّي إزاء خدماته، فأجاب بلهجة شديدة السرعة وعالية النبرات «مش حنختلف يا سعادة الباشا!» ولم يكن بوسعه أن يقول شيئاً آخر، وليس لي أيضاً أن أتوقع منه إِجابة غير هذه. فقلت محتداً «كيف عرفت أنّه أنا باشا؟» فأجاب ضاحكاً «مهو أنت أكتر من باشا كمان، دنت باشا بجلابية مهلبية من غير زراير ومن غير صديري ومن غير طاقية!» لكزت حماري بقدمي كمن يظهر زعله وقلت للرجل: «مهو أنا كمان مكاري زي حضرتك، وفي نفس الوقت بحّاثة. طيّب، في المعنى ده، أنت حيبقى لقبك إِيه؟» قال بلهجة ساخرة: «إن كان ولا بد من (النقب) يا سعادة الباشا. فمباحث ومكاري كمان! وإلاّ ما يصحّش الإتنين مع بعض؟» وصلنا آثار السقاّرة عند الظهر، وكانت الشمس قد انتصبت تماماً في قلب السماء، فتراءت الأطلال الحجرية المتناثرة بين الحقول والنخيل والبيوت التي شيّدت من الطين أكواماً صفراء من الرمل وقد سقطَ عليها شعاع من الشمس برّاقاً وقويّاً. أمّا الزقورة الفرعونية نفسها والتي أتيت من أجلها فقد كانت دائرية الشكل إلى حد ما، متداعية الأضلاع وخفيضة، وتحيط بها كثبان الرمل من كلّ جانب، ولا شيء مهماً آخر يمكن رؤيته وراء الزقورة، وفي اليمين ثمّة منازل فلاحين متباعدة وبساتين نخيل وساقية جافة وصحراء، الصحراء العربية الكبرى. فشعرت بحرارة الشمس تلسع ظهري، وقمت أفتش عن ظل أو ثقب أثري أدخل فيه. ولأنّني كنت خائفاً من التعرّض إلى ضربة شمس فقد دخلت في جحر صغير ضيق، حيث طويت جسدي وانزويت في الحفرة وبقيت ساكناً هاجعاً لحظات طويلة. وفكّرت أيضاً في أن تكون هذه الحفرة مقلباً فعله صاحبي المكاري، فضحكت في الجحر، ويبدو أنّني أطلقت صوتاً عالياً. فأطل المكاري يحدق فيّ ويسألني عن سبب الضحك. قلت إنّني أريد رؤية الثيران المقدسة للإِله بتاح. وفي الحال أشار بيده إلى مكان ما ثمّ انحنى ليجذب يدي ويخرجني من الحفرة. قال إنّ النقوش الفطرية لقبر بتاح فيها شياطين وجنّ وقد تجلب الوساوس. فجعلتني مقولة المكاري اضطرب قليلاً. ونزلت في القبو حذراً متوجساً. كان عليّ أن أحني قامت لكي أستطيع التوغل عميقاً في الحفرة، واصطدمت بجدار رسمت عليه نقوش هيروغليفية. وبدأت أتأمّلها كما لو أنّني كنت أعرف معناها. كانت منقوشة بدقة وبراعة متناهيتين، وأحسست بها وكأنّها تريد التحرّر من الحجر، وكانت مضيئة بالرغم من عتمة القبو، وألوانها غير مألوفة هادئة وناصلة بعض الشيء. وفجأةً شعرت بخفقة ريح باردة، فظننت أنّ سائحاً مرّ من ورائي، وحين التفتّ وجدت نفسي بمفردي، إِذاً إنّه الحفيف الكهنوتي السحري. وخلت نفسي أرى أخيلة وأسمع صفيراً وأصوات جنّ، بل إنّني أصبحت أسمع الصفير فعلاً، الصفير الذي لا يختلف عن غناء السيرينات الإغريقيات. وربّما كان غناء السيرينات حقّاً، أمّ أنّه كان صمتها، وهو الأخطر؟ لكن بدلاً من الخوف اعترتني نوبة من خشوع ديني ورهبة أمام النهاية المتجسدة الشاخصة. جثوت على ركبتي ووضعت رأسي على يديّ كما لو أنّني أردت الركوع، وبعد حين بدأت أشعر بتصلّب في ركبتي وارتخاء في المفاصل. فحاولت أن أنهض، فكبوت على وجهي. وابتسمت ابتسامة باهتة لا معنى لها ونفخت الهواء من فمي، ثم دخلت في الدهليز، حيث كان الضوء ينبعث من ثقوب مربعة صغيرة في نهايته، كاشفاً عن رسوم لمخلوقات خرافية ولوائح وأحكام نُحتت في الحجر بهيروغليفيا بارعة. فتذكّرت أنّ جنوداً عيلاميين وآشوريين قد قتلوا هنا، في هذه الأرض المقدسة، قتلوا غرباءَ غزاةً، ووضعوا في السراديب المظلمة دون شواهد، بينما كان الموتى الآخرون، بما فيهم حرّاس السراديب، يحملون في قبورهم رقعاً وأشعاراً وشواهدَ ضربت في الحجر إلى أبد الدهر. فها هي شاهدة السيدة فاتت شت ترقد إلى جانب مومياء زوجها رئيس الوزراء ميروركا الذي لم تزل روحه الطلقة تطوف ليلاً في الدهاليز الباردة المعتمة، فتوقظ الموتى من رقادهم وتتحدّث لهم عن انتصارات الأيام الغابرة وهزائمها، عندما كان التاريخ حاضراً آنذاك، أمّا اليوم فإِنّ التاريخ لم يعد سوى ذكرى خاوية تطنّ في الرأس دون أن تترك أثراً. فشعرت بالخواء يتسلل إلى نفسي، وأدركت حالاً لا أهميتي ولا معناي، فشخصت أمامي لحظة اندثاري، فاجتاحتني نوبة قنوط وحزن، وفكّرت في الاستراحة لحظةً على أريكة الأميرة الفاتنة أودت، لكنّني شعرت بغتة بالاختناق، فتوجست من أن تحل بي لعنة فرعونية، أو أن تمسّني يدٌ محنطة. فلا بد من الخروج إلى السطح حالاً، فأحنيت ظهري من جديد، في الاتجاه المعاكس هذه المرّة، وأخذت أتنفّس بصوت متسارع وزافر كالصفير. وحالما رأيت الأرض ومن فوقها السماء تخيلت نفسي وكأنّني نهضت من موتي توّاً. ورأيت رهطاً من السائحين يقف عند فوهة القبر، تتقدّمهم امرأة صفراء الشعر مصبوغته، فاكترت المرأة حماراً من صاحبي، ثمّ قفزت على ظهره بمهارة ولكزته بقدميها معاً، فأخذ يرفس وينهق، فنخسه المكاري في مؤخرته، فانطلق يخبّ في الرمل الساخن المتوهج. ودارت المرأة بضع دورات ثمّ ترجّلت فرحةً وهي تهتف بالرجل صاحب الحمار How much, how much فصرخ المكاري ذي السحنة النوبية الناعمة «تونتي دولارز مدام، أونلي تونتي دولارز» ثمّ أمسك بالحمار من ذيله ليوقفه. واستلت المرأة محفظتها وقالت بوجه مرح سعيد «كي الگريّا، كي خونوروسو، أو مادرا ميّا! سي، سي، توتني دولارز!». لاحظت أنّني كنت مرهقاً مفكّك المفاصل، فألقيت بنفسي تحت ظلال معبد أثري متآكل، وبدت عيناي غائمتين، وعليهما عصابة من الوسواس، إِلاّ أنّني، مع ذلك كنت قادراً على الرؤية، فلمحت بضعة جمال مربوطة إلى بعضها وقد أطلّت من وراء الهرم المتهدم الأدراج، فطافت حوله مرّة واحدة ثمّ توقفت. وكان هناك رجلان يرافقان الإِبل، أحدهما قصير محدودب والآخر طويل فارع الطول يكاد عنقه يوازي عنق الناقة التي كان يشدّ عنانها لكي تنيخ. فسمعت القصير يطلق الشتائم والطويل يصغي إليه بصبر، غير مكترث بشتائمه المقذعة. ويبدو أنّ الطويل أغاظ القصير بلا مبالاته وبرودة أعصابه، فملأ القصير كفيّه رملاً ساخناً ورشقه في وجه الطويل الذي ما زال يمسك بالعنان. هنا نفد صبر الطويل فألقى بلجام ناقته وأمسك بتلابيب القصير وأخذ يهزّه وكأنّه يهزّ سعفة يابسة، غير أنّ القصير لم يستسلم، بل ازداد جرأة وجسارة، فشتم الطويل وبصق في وجهه. وفي هذه اللحظة رأيت رجلاً آخر يهرع من خلف الزقورة ويتناول حجراً ليطعن به الطويل الذي تراخت يداه شيئاً فشيئاً. فأمسك الطويل بالرجلين القصيرين ورفعهما معاً، ثمّ صرخ بهما «يارمم، هي فين الطبنجة اللي عايزين تفضوها في دماغي؟» ورماهما على الأرض، فاقعيا خائرين وأخذا ينتحبان. إذاً هذه هي العلامة الحاسمة، لقد بطل الآن مفعول السحر، وشارفت رحلتي على الانتهاء دون أن أمسك حقّاً بحطام هذا الزمن الفرعوني الخرافي المنقرض. فتفحصتُ وجه المكاري الذي كان يحدق بي كما لو أنّني كنت مومياء هربت للتو من التابوت وألقت بنفسها تحت سعير الهاجرة. ورأيت أنّ الوقت بات مناسباً لكي أقوم بزيارتي الأولى إلى صديقي الذي كان يسكن في الطرف الآخر من المدينة، قبل المواجهة المصيرية مع محققي دائرة الأمن في الميدان القرغيزي.   لمراسلة الكاتب: halmozany@gmail.com

بغداد الخوف الذي لا إسم له

go1

فوبيا 301

سعداوي يُعيد بناء الحياة الجحيمية للعراقيين… سرداً. ماذا يتوقع القارئ من رواية بعنوان فرانكشتاين في بغداد؟ أعترف إني للوهلة الاولى ذعرتُ من العنوان الذي يحمل دلالتين للعنف والقتل (الشخص والمكان)، هل هذا ما حفزني على قراءة الرواية إلكرتونياً بعد أن حلمتّها من موقع الأدب العراقي المعاصر(قبل فوزها بجائزة البوكر)؟ أم الضجة الجميلة والإحتفاء بوصولها الى القائمة القصيرة للجائزة بنسختها العربية ومن ثم فوزها بهذه الجائزة؟ أم إسم المؤلف وهو من الشباب المجتهدين الذي إختار البقاء في العراق وشهد التراجيديا العراقية بمختلف مراحلها؟ ام إني أذعنتُ للمؤلف وهو يستدرج غريزة الخوف وفضوله فيّ من خلال العنوان اللافت؟ هذه رواية تنصب لقارئها الأفخاخ والكمائن وتضج بالمفاجآت وهي رواية شريرة الى حد ما فهي لا تدع القارئ يستمتع بلذة تحقق توقعاته أثناء القراءة أو إستباق الأحداث كما يحدث مع بقية الروايات. ورغم ذلك هناك حالة تماه بين الأحداث وبين القارئ. أجزاء الجثث المنسية بعد الإنفجارات التي تعثّر بها هادي العتاك مثلا يمكن أن يتعثّر بها أي عراقي، كقراء كنا مستعدين للقبول أن الشسمه (ما إلتقطه هادي العتاك من بقايا الجثث وروح حسيب جعفر ونداء ايليشوا وإسم دانيال وملابسه) سيثأر من القتلة ويضمحل ويتلاشئ، لكن سعداوي تصرف بالشسمه ( وربما يكون العكس هو الصحيح) بطريقة يصعب على القارئ أن يخمنها، ولذلك لم تراودني فكرة القفز على الصفحات رغم إني كثيراً ما أفعلها مع روايات اخرى. هذه رواية تحتوي على فضاءات بيض كثر لكنها مع ذلك تقول كل شئ وبسرعة عجيبة، إنها تسحب القارئ الى الركض وتجعلنا نلهث داخل صفحاتها كي نسرع في الخروج منها ومع ذلك تظل مسترخية في حبكتها وهي تتدفق بين يدي القارئ لأن أماكنها وأحداثها ومعظم شخوصها تكاد تكون معرّفة سلفا من قبل القارئ العراقي تحديداً( لكنها أيضا ستتدفق للقارئ العربي والاجنبي) لذلك فالقارئ سينفتح على الرواية من خلال ترسيخ التفكير والرؤية الذاتية للأحداث والشخوص. رواية فرانكشتاين في بغداد الصادرة عن دار الجمل لعام 2013 تبدأ بجملة غريبة وغير إنسانية “إني أطلب منك الا تصفح عني” هذه الجملة مقتبسة من رواية فرانكنشتاين لميري شيلي، تشكل هذه الجملة برأيي مدخل الرواية وثيمتها، فالمجرم لا يطلب الصفح لأنه يعرف إن الإجرام سمة أساسية فيه كما في باقي البشر، إنه فقط يطلب أن يكون مسموعاً من الآخر وبعد ذلك فليفعل هذا الآخر ما يشاء أو ليحكم عليه بما يشاء. الإقتباس الثاني إختاره المؤلف بعناية فائقة ليعبر عن رجوع الضحية، كأن الألم يأبى الموت ويطلب الراحة بالثأر وهو إقتباس عن قصة شهيد مسيحي. والإقتباس الثالث جاء على لسان الشسمه وهو الخوف الذي يُطلقْ عليه الرصاص ولا يموت، هو الجلاد والضحية معا. “الشسمه” الذي يتحدث الينا بكثير من الحنان فهو يريد القارئ أن يكون الى جنبه، يريد من يُنصتْ اليه، من يفهمه ومن يرشده، يريد إجابات على أسئلته، يبحث عن يقين ما، فحوى وجوده ومغزى شهوته للقتل (شهوة الجميع للقتل)، فرانكشتاين سعداوي تمحو الفوراق بين الذاكرة الفردية لأي عراقي والتي تمكنه من سرد الماضي القريب الذي عايشه والذاكرة الجمعية لأبناء البلد الواحد. وحسب تصوري ستغدو هذه الرواية ضمن الخزين السردي لأبناء الرافدين كما النخلة والجيران لغائب طعمة فرمان والرجع البعيد لفؤاد التكرلي. الخوف الذي لا إسم له التخيّل في الرواية هو إبتداع شخصية الشسمه وأفعاله القائمة على مجموعة من الإستباقات والإستذكارات (وهو شخصية فنتازية لا تمت للواقع بصلة) وهذا (التخيل/ السرد الإصطناعي) خدم هيكلية الرواية وشخوصها الواقعيين وسرديتها الطبيعية التي تروي سلسة من الأحداث يريدنا سعداوي أن نصدق حقيقتها وأغلبها قد وقع فعلا، فالمؤلف إستثمر الكثير من التفجيرات التي وقعت في بغداد في الفترة بين 2005 الى 2006 في أحداث الرواية كي يزيد من جرعة مصداقيتها، كما في تفجير سوق الصدرية وتفجير ساحة الطيران وواقعة جسر الأئمة. تُعيد قيامة “الشسمه” لملمة الواقع (زمن السرد) وتربطه بالماضي والمستقبل، وسوف تؤول السردية الطبيعية في رواية أحمد سعداوي ذات يوم الى إعتبار إن الأحداث التي جرت في زقاق 7 في حي البتاويين بأنها حقيقية. وسوف يحصل الشسمه على حق المواطنة بإعتباره شخصية تجاوزت الخيال للواقع وتحررت من مؤلفها الذي إبتكرها. إدارة الشخصيات سيطر المؤلف على العلاقات بين الشخوص حتى إنه كان أشبه بمدير الأفراد الناجح، لم تطغ شخصية على اخرى الكل متساوون في الظهور والإختفاء حتى الشخصيات التي بالغ المؤلف في إبتكارها من امثال المنجم الكبير والصغير، خدمت هدف الروي بطريقة ما. قبل بداية الفصل الأول يفاجئنا التقرير النهائي وهو التقرير الذي أعدتُ قرأته بعد إنتهائي من الرواية، هذا التقرير يشير إن الاحداث تجري في زمن الاحتلال وما خَلَفَه من مؤسسات (الادارة المدنية لقوات الإئتلاف الدولي للعراق) ونعرف إن هناك عملا تقوم به هذه الدائرة (المتابعة والتعقيب) وهو توقع الإنفجارات قبل وقوعها والقبض على المجرمين، لكن عملها الحقيقي هو الإجابة على سؤال (متى وكيف أموت) ص259، وهو السؤال الحقيقي والوحيد لسياسي العراق الجديد والذي يجعلهم يقصدون مكتب العميد سرور لأجله، وإن هذه الدائرة تجاوزت صلاحيات عملها لذلك تم توقيفها عن العمل. منذ الصفحات الاولى تمسك هذه الرواية بتلاليب القارئ، فما علاقة هذه الدائرة بالمنجمين وتسريحهم منها؟ وما علاقة هذه الدائرة بالأدب والروائيين ومؤلف رواية ما مجهول الهوية يعيش في فندق في شارع أبي نؤاس ورد ذكره في توصيات لجنة تقصي الحقائق؟ الرواية تتكون من تسعة عشر فصلاً، إختار الروائي لكل فصل إسم يغلب عليها الصفات، مثل المجنونة والكذاب والمجرم والصحفي والمؤلف. سعداوي لم يجمّل الواقع ولم يحاول تطمين القارئ، بل تقصّد إسلوب الصدمة حيث إفتتح الفصل الاول بإنفجارٍ ينهي حياة أناس أبرياء ويحدث تدمير كبير. إذن أين ذروة رواية تبدأ بإنفجار؟ نعم فهذه رواية عراقية تنتمي للعراق ما بعد 2003 والزمن في هذه الرواية جزءاً كبيراً من ثيمتها، حيث الإنفجارات تفاصيل يومية مألوفة، الراوي يتحدث عن العجوز ايلشيوا المسيحية نصف المجنونة بسبب حنينها الى إبنها الذي فقدته في حرب الثمان سنوات مع إيران، هذا الحنين الذي يتحول الى هاجسها الوحيد للاستمرار في الحياة: ص13(الميتون الى الطب العدلي والجرحى الى مستشفى الكندي. بعض الزجاج المهشم هنا أو هناك. عمود متسخ بالدخان، حفرة صغيرة أو كبيرة في إسفلت الشارع، وأشياء اخرى لا تتمكن، بسبب بصرها الغائم، من رؤيتها أو الانتباه اليها). الدمار والموت والخراب والبصر الغائم هو الإنطباع الاول للمكان الذي تدور به أحداث الرواية. يستخدم المؤلف إسلوب الراوي العليم ( الشخص الثالث) الذي يرى الشخوص ويصفهم وتتداخل أزمان الروي بين الحاضر (الحوادث التي يتعرف القارئ أثناء القراءة ) والمستقبل( ما سيتعرف عليه القارئ لاحقاً باستمرار القراءة)، في ص24 (شاهدت “دنيّه” كما كانت تسميه دائما في طفولته وشبابه. تحققت أخيرا نبوءة قديسها الشفيع. نادت عليه فأتاها: تعال يا ولدي … يا دنيّه ). تجري الحوارات بين الشخوص بلغة أقرب الى اللهجة العراقية وهذا ما يمنحها مصداقية وواقعية: ص37 (أعطني صبرا يا رجل). ولن تكون جملة فرج الدلال بذات الدلالة لو إنها كُتِبتْ بالفصحى: ص 112(ما تموتين وتخلصيني عمر تفكه رب الحلو). حاول سعداوي أيضا “وقد أفلح” أن يجعل حي البتاويين البغدادي الذي تجري فيه أغلب أحداث الرواية يمثل التشكيلة الحقيقية للكثير من أحياء بغداد القديمة، فالمرأة المسيحية أيليشوا تسكن في بيت بناه اليهود وجارتها المسلمة ام سليم تتبارك بوجودها في الحي، بينما يستعمل جارها الجشع (فرج) جارتها الأرمنية لإقناع إيليشوا ببيع بيتها، الجنوبي أبو انمار صاحب فندق العروبة يجد نفسه وحيداً بعد غياب سلطة الدولة بسبب الاحتلال الأمريكي، هادي العتاك المتشرد الكذاب يستحوذ على بيت مهدم بسبب غياب سلطة الدولة أيضا. يبرع المؤلف في إلتقاط يوميات نساء البتاويين أو النساء العراقيات عامة (قد يراها بعض القراء مبالغة) وكيف تتداخل طقوسهن الدينية بحيث تضيع الحدود بين الديانات المختلفة، فالراوي يتحدث عن العجوز الاثورية: ص105(وضعت قبضة الحناء الداكنة على حائط الكنيس اليهودي المهجور، وكذلك على باب الاورفلي المطل على مدخل شارع السعدون وهو الجامع الوحيد في حي البتاويين). هذا المربع المدهش (ايليشوا، هادي العتاك، فرج الدلال، ابو انمار) هو بطل الرواية الحقيقي. موت يطال الجميع في الفصل الثالث المعنون “روح تائهة” يتلاشى جسد حسيب حارس الفندق بفعل تفجير تصدى له، لكن أحلام أحبته هي من يجمع أشلاء هذا الجسد المتناثر، ياله من إلتقاط مؤثر من قبل المؤلف حيث يستلهم (الموروث الشعبي/ الديني) للأحلام وعلاقتها بالأموات. وعندما يستعيد حسيب وعيه بعد الإنفجار تختلط الفنتازيا بالواقع، فالجسد تلاشى لكن الوعي باق والبصر قادر على الرؤية. لا يبالغ سعداوي في الوصف المثقل بالتفاصيل بل يلجأ الى الجمل القصيرة المؤثرة كأنها ضربات سريعة، أو صور متلاحقة لإعلانات سردية متتالية. الأموات في هذا الفصل يعوّون موتهم ويعرفون إنهم محض جثث ومن بقيت جثته سليمة هو المحظوظ بينهم. حسيب جعفر يعرف إنه ميت ويعود الى مكان الإنفجار باحثاً عن جثته، وواضح جدا إن المؤلف “ولو بعقله الباطن” قد إستعار بعض مشاهد فلم (شبح1990) الشهير في هذا الفصل، في الصفحة 46 من نفس الفصل هناك روح الشاب الذي يرتدي تيشرت أحمر ويضع سورايين في معصمه وهي إشارة الى الموت الذي يطال الجميع بمختلف الحجج، فهذا المراهق يبدو إنه من مقلدي الموضة الغريبة الذين يتعرضون للقتل على يد الجماعات المتششدة. فنتازيا القتل تحول كل شئ الى كوابيس الى الحد الذي تختفي فيه الحدود الفاصلة بين الحياة والموت، الجثث تتكلم والقديس في الصورة يهدد المسخ (الموت الذي يطال الجميع) إنه سيغرز رمحه في صدره، لكنه لن يفلح أبدا بل سيتحول القديس الى مسخ بعد أن تقتطع أم دانيال من اللوحة وجهه فقط. هذه رواية لا تخدع القارئ بل تفتح عينيه لتجعله يواجه موته ومصيره بكامل وعيه. في الفصل الرابع (الصحفي) يضعنا المؤلف في مواجهة نماذج للصحفيين طفت على السطح بعد الأنفتاح الاعلامي عام 2003. محمود السوادي رجلٌ غائمٌ يبدأ هذا الفصل بترقيته وفصل زميلين من زملائه، علي باهر السعيدي مدير التحرير الأنيق الذي له صلات واسعة بالسياسيين، لديه القدرة على تمييع الأزمات بل القفز عليها. علاقة الظل بالجسم اللامع الواهي أصلاً، محمود السوادي وعلي باهر السعيدي ( بينما محمود ينظر الى نفسه في الزجاج والمرايا المنتشرة في كل مكان ولا يرى شيئا. لا يرى سوى السعيدي ودائرة علاقاته المتشابكة). حتى المرأة التي أحبها محمود السوادي هي عشيقة السعيدي، إنه لا يحب المرأة هنا بل يحب ما قد أحب السعيدي في محاولة للتطابق معه، في الفصل الأخير يكتشف محمود السوادي من خلال مراجعة مواقف السعيدي إنه رجل بلا وجه محدد وهو أشبه بقناة مجوفة تمر عبرها سيول من الأفكار البراقة والمواقف الغريبة، شخصية السعيدي هي مثال على منظري الديمقراطية الذين جاؤوا مع الاحتلال، وتلتقي مصالحهم مع ما تبقى من متلونين من إرث النظام السابق، كما في السخرية المبطنة في لقاء العميد سرور بالسعيدي وضحكهما رغم كل ما يجري من حولهما من قتل وتدمير: ص 90 ( كانا يتحدثان عن الحرب وكأنها فلم ينتظران مشاهدته في السينما. كانا يضحكان). لا حانات في بغداد في هذه الفترة، فالحانة التي يجلسون فيها سرية يتم الدخول اليها من باب مطعم صغير، وتنقذ ثرثرة عادية بين الأصدقاء الجالسين في هذه الحانة أحدهم من موت محقق، توازن من نوع ما بين مفارقات الحياة الموت. للمؤلف تقنية تقترب من تقنية المشاهد السينمائية بالاضافة الى الجمل القصيرة المركزة والوصف الموجز هناك إنتقالات جميلة في السرد في أزمان متعددة (شرب فرج الدلال من شايه بهدوء ناظرا بإزدراء الى الشحاذ العجوز، وفي ذات الوقت كان هناك من يشرب شايه بهدوء أيضا، انه العميد سرور محمد مجيد المدير العام لدائرة المتابعة والتعقيب). في الفصل الثامن ترد إشارة ذكية الى حادثة جسر الائمة وما يسبقها من أشباح تحوم فوق الجسر، هذه رواية لا تغفل سير الأرواح يسميها الراوي بحذق توابع الخوف. السرد الحيوي المسترسل لأحداث يومية بسيطة يحولها الى دعامات قوية في بنية الرواية: ص84 (إستغرقا في الزحام الذي خلفته دورية من الهمرات الامريكية تسير ببطء ويشهر الجنود من فوقها الأسلحة بوجه السيارات التي تسير خلفهم فتتأخر هذ السيارات مسافة عشرين مترا عن الهمرات). الانتقالات في الزمان والمكان في الفصل الثاني عشر مذهلة ومبتكرة، الستراتيجية النصية تحتوي على إحالات زمنية دقيقة بما يغني الحبكة لا بما يكسر من بهائها، إحالات تتشعب على المستقبل، الراوي العالم بالحدث مسبقا يتلاعب بالزمن كأنه لفافة ورق يفرده ويطويه امام القارئ، بينما مشهد الشسمه وهو يتفرج من فوق سطح بيت أم دانيال على أبيه هادي العتاك يُضرب من قبل ضباط دائرة المتابعة هذا المشهد يُحلينا الى مشاهد في أفلام الرجل الوطواط. يشير تغيير الأسم من فندق العروبة الى فندق الرسول الاعظم على الواقع الذي تغير من زمن القومية الى زمن الهوية الدينية. لا أبرياء أنقياء ولا مجرمون كاملون سعداوي أطال زمن التشنج او الذروة الذي بدأ من الفصل الاول ولم ينته بالحل الدرامي كما يحدث عادة في الروايات. بل إن المشهد الأخير في الرواية التي تنتهي بتفجير كبير يهدم المنازل ويُحْرقْ ويشوه هادي العتاك بينما القط نابو يتمسح برجل الشسمه وهو يتفرج على سيارات الإطفاء والإسعاف من أحد نوافذ فندق العروبة المهجور، هذا المشهد برأيي هو ذروة الرواية التي أضحت مهمة الثأر والإنتقام فيها أبدية: ص255(ليس هناك أبرياء أنقياء بشكل كامل ولا مجرمين كاملين). تتفوق حبكة هذه الرواية على حكايتها الى الحد الذي نستطيع القول فيه إن فرانكشتاين في بغداد تمتلك حبكة أكبر بكثير من حكايتها بسبب إصرار المؤلف على ملاحقة كل شئ وتضمينه داخل هذا الميكانزم السردي الضخم لذلك وقع في مطبات هيّنة من وجهة نظري كما في الإشارة أكثر من مرة الى اللون الوردي الذي يرتديه ضباط دائرة المتابعة والتعقيب والمغلفات الوردية التي يستعملونها. وعدم وجود شخصية إيجابية مؤثرة بين شخوص الرواية. هل سخرت هذه الرواية من موت العراقيين في الشوارع والساحات العامة وفوق الجسور وقدمت هذا الموت بإعتباره سرداً وتخيلاً؟ او على الأقل وظفتْ هذه الحوادث المأساوية لإثراء عالم الرواية السردي إعتماداً على معطيات الواقع العراقي؟ فرانكشتاين في بغداد تجعلنا نواجه خوفنا وقلقنا ونحن نحاول قول شئ حقيقي عن عالمنا الواقعي: ص137 (كل يوم نموت خوفا من الموت نفسه)، القارئ لا يقرأ فحسب، بل يكتشف قلقه وخوفه ويستدل من خلالهما على ذاته في هذا البناء السردي الذي يعج بالاوهام والحقائق، وبالتالي يحدد موقع هذه الذات داخل عالم الرواية كجزء من إستهلاك النص وإستيعاب دلالاته وقد يتحول القارئ بعد إكمال هذه الرواية الى سارد آخر للإحداث التي عايشها شخصيا في حقبة الاقتتال الطائفي تلك.    

متاهة أو ليس لك إلاّ الجحيم

264577_672588439471062_2078070401_n

فوبيا 257

    المفتاح تحت أصيص الزرع إن لم تدخل من الباب أدخل من النافذة في كلّ الحالات ستجدني هناك هناك في الداخل كنت قد سبقتك دخلت من الباب وكنت أعرف أنني إن لم أستطع فسأدخل من النافذة في كلّ الحالات لن تُفاجأ بي فهاأنذا قد قلتُ لك وستجدني في انتظارك المهم أن لا تخطئ الطريق وتذهب إلى الجحيم بدل أن تأتي إليّ ولا تنسَ ما قلتُهُ لك: المفتاح تحت أصّ الزرع أعرف أنني قلت أصيص وربّما كنت قد أخطأت المهمّ أن تجد المفتاح هناك تحته وإن لم تجده فاعرف أنني أدخلته معي إلى الداخل وأغلقت الباب ورائي وعليك حينئذٍ أن تدخل من النافذة المطلة على الشارع من الخلف كيف؟ تدبّر أمرك لا تنسَ الشقة في الطابق الأخير الشقة ليست شقتي حاذر أن يراك أحد وإن رآك تدبّر أمرك أنا لن أر شيئاً لأنني سأكون في الشقة من الداخل أمّا أنتَ ففي الخارج ولن آتي لنجدتك هل تعرف كيف تتدبّر أمرك؟ أنا أعرف أعرف كيف أتدبّر أمري بدونك المهم عليك أن تعرف أنه ليس لك إلاّ الجحيم نعم الجحيم فلا تخطئ طريقك كاتب من فلسطين مقيم في تونس https://www.facebook.com/talal.hammad/photos

مجنونة سانت اكزوبري

lina

فوبيا 601

( سوف ترى أين يبدأ أثري في الرمل) سانت اكزوبري – الأمير الصغير أُحبه سانت اكزوبري أميره الصغير والبراكين الخامدة والزهرة الوحيدة. . منه, تعلمتُ, التعلق بذيول المذنّبات: في ظهيرة النهايات أفلتُ من جزيرة الأحلام والكنز المفقود من سفينة مات كل بحارتها أفلت من الساحرة الشريرة أكرُّ أفرُّ أنزع إكليل الغرور وأتركه على عتبة الباب واحمليني يا رياح على كتف العباب ثمة مذنّب من نار يلهو في فناء الدار سيأخذني إلى كون بلا قرارْ تماما كما تنبت لنا أجنحة تنبت المخالب. . وكلما مرّ مذنّب عابر حطمتُ خوفي وفي أخريات الليل همتُ وراء المذنّبات, وإلى أبعد من كل النجوم النائيات طرت, حلقت, وكجوع رهيب غلغلت, . . أولول بين الكواكب . . حتى تُطرق الجراح خجلى. أفتح قلبي أرمي كل ما يوغر صدري وشتى الظنون. كما الخمرة, أسري في جسد المذنََّب, أترك الفراغ ورائي يترنح مثل الشك في الشوق المرير.   أو كما ارتحل الغجر أغادر دون عنوان دون فاكس أو موبايل دون مخطط للقادم أذهب. كدخان النار أنتشر في بدن الهواء و أتوه كالحيرة في سحب الأفكار. و مثل وريقة الخريف الأخيرة أتوارى أو أولّي كعصر البطولات في تاريخ النسيان. شاعرة وروائية سورية – خاص فوبيا linahawyane@yahoo.com                

خمس ملاعق صغيرة.. للغيب

Mhmd-Radwan

فوبيا 150

قلبه يخفق متسارعا فلقاءاتهمعها دائما ما تكون محفوفة بالمخاطر. في مقهى “القرش” المواجه لشاطئ البحر،كان لقاؤهما الثالث أو الرابع على التوالي، جراء إلحاحها الدائم بشتى المبررات. وجلستهماالمتوارية بجوار الحائط الأسمنتي الموسوم برسم سمك القرش مفغور الفم، الذي اعتاد أنيداريهما عن المارة. اليوم هاتفته والهة بضرورة لقائه لأمر هام. دائما ما يبرق في صوتها شئمريبٌ. بعد أن طلب لها الشاي الذي تهواه كثيراً، انتظر مترقبا، نظر في عينيها الضيقتينالمحير سوادهما، متوقعا منها أن تخبره بما هو هام في هذا اللقاء. بعد أن رشفت رشفتها الأولىمن الشاي بشفاه أسود نصفهما.. نظرت إليه بعينين عميقتي المكر، وفتحت حقيبتها متمهلة..أخرجت منها لفة في حجم كف يدها الممتلئة.. فردتها في المساحة التي بينها وبينه، فإذابداخلها مجموعة من ملاعق الشاي الصقيلة اللامعة تدلى حول كل ملعقة شريط بسمك الإصبعمن قماش رخيص. وضعت الملاعق وعدّتْها فكانت خمس متراصة بشرائطها المدلاة، وضعت يدهاعلى صف الملاعق، ثم نظرت باسمة مستطلعة باحثة في عينيه عن سبب دهشة عدم الفهم لما يجرى.. “هو طويل البال متأملٌ.هي أمامه كالتلميذة البليدة لأنه دائما ما يشرح لها كلماته وماذا ترمى إليه من معان”. بين سآمة ابتسامتها، أخذتتشرح له أمر هذه الملاعق والشرائط، وهو ينصت إليها ويكتم قلقا مما ترمى إليه. بعد أنفهم جزئيا المقصود من وراء هذه الملاعق الخمس. والأمر الذي لم يستوعبه كليا؛ ماذا تريدمنه ؟ قالت له: سوف أقرأ بعض القرآن على الملاعق، ثم أفك الشرائط من حولها فإذا ماصارت إحداها حرة لايلتف حولها الشريط، كانت هذه إشارة إلى أن علاقتنا معا سوف تكونناجحة ومفتوحة لأجمل الأشياء في هذه الدنيا ……. ( من الغيب انفتحت عليه تلكالمرأة الغريبة التي دُق عُنقها في جسدها، ولولا ذلك الإيشارب الستانى المملوء بالزهورالبلدية حول رأسها لبدت مثل كرافعي الأثقال، أكتاف ثقيلة وحركة جسم ليست مرنة. أخذتتطرق عليه كل الأبواب، فهي تقبع في الهاتف وفى اللقاءات العامة وفى المواصلات؛ وإنصافحته ضغطت على أصابعه كمصارع، كأنما تود أن تلفته إليها، وإن تحدثت إليه فحْت فحيحالا نهاية له إلا فى مراقد الليل. أما عيناها الضيقتان السوداوان اللتان لايخرج منهماالضوء ما إن تراه حتى تظل مصوبة عليه كفوهة بندقية تروم أصابته ..)”. تظاهر بأنه مهتم بمتابعة الملاعقوهى تشد الشرائط واحدة وراء الأخرى في محاولتها الأولى.. بدأ التوتر الخفي في ثناياابتسامته ينبهه إلى نفاد صبره ليتها تعجل بنهاية هذا الأمر.. قالت له : ـ لنا ثلاث محاولات ! هذههي الأولى. وفى المحاولة الثانية خرجت أيضا الملاعق الخمس ملفوفةفي شرائطها.. أبدى لها أمنيته في أن تسفر المحاولة الثالثة عن ملعقة حرة وخارج الشريط، وفى المرة الأخيرة، سقطت الملعقة الثانية حرة من شريطها بين أصابعها وكذا الملعقة الثالثة؛ فأوقفت عمليةفك الباقي، وأعلنت بشكل مسرحي أن علاقتهما معا سوف تكون سعيدة وناجحة، ومدت يداً تلملمملاعقها والشرائط، ومدت اليد الأخرى تقبض على يده النائمة الرخوة، وهى تنظر في عينيهمبتسمة ضامة سواد شفتيها إلى بعضها البعض، بينما عادت أصابعها تقبض على كوب الشاي الذيتغواه كثيرا؛ ترفعه إلى فمها. شرد هو ناظرا نحو البحر متجاوزا فك سمكة القرش لصيقةالحائط……..!!!! خاص فوبيا

وحيد كديكتاتور

imagesCA3H1MKY

فوبيا 129

“خائفٌ من الرمل” صدحَ الوحيدُ في جسدٍ فريدٍ بالوهن البيتُ سريرُ التين والسؤال وهذا الورقُ مرض حلّي أمري انثري ما تبقى مني وافرحي *** رددي: “كم أنتَ كثير وقصبكَ سكّر … وعندما نغرقُ… المسني فأنا ماؤك … يا خليلي… قلبي على من نسوا قلوبهم بين يدي”. في التعب رمتْ مناديلَها على روحي والدمعتان ربٌّ لا يقوم. “قلبي على من …” فيتبللُ في البابِ عطرها والصبرُ أعمى *** قال الراعي: الغنمُ يموت. الغنمُ قال: العشبُ يموت. تكلم الله: هذه مشيئتي و… قبري صحراء *** مساءٌ لا ليل له والدربُ … عنزة شرقية يغزوني ضميري، فأقتفي العابثين بكآبتي وفي العتمةِ نور وفي النورِ عتمةٌ ترى ما لا يولد مني هي حدُّ الترابِ في حضرةِ الماء وهي جلدٌ بعد ملح والعربةُ القليلةُ تفيضُ بحقائب الحي حبيبتي بلادٌ تبعدُ كحبلِ الحنين *** بات السعيدُ هدية وصوتي كسرةُ حجاب في دمي غرور، وشاهدي فتى فينيقي أفنّدُ القرار في تعويذةٍ، وارميه كملعون يبهرني الدفّ، فأرقصُ كبنات “وادي التيم” *** تحت الحياةِ عسل فوق الموتِ خاتم ونحلةٌ لا تمتصني يستردُّ الميتُ غلالَه ترابُه بردٌ ومخدّتُه سورة الرحمن أتريثُ في الكفر فأسكبُ لأولادِ المدينة مقام السيدة *** المدى قبضةُ صلاة أبٌ أتلفه الضجر سرج العمر … وفي آخر الممر يجيء فضيّا كلبنان *** لا تخترْ خطواتي سيرتي نملٌ وخلف اللغةِ جثةُ عاشق وغياب *** الساقطون كثر ما لنا لا نهزّهم ليقعوا *** كي لا ينام البجع أنسجُ زوايا الظلِ بالفراغ والمزمارُ صلصال أهمهم  ببؤسي… دنّفني عشقكِ *** أدخلُ في الخيط: لمَ تركتني…؟ أنا… وحيدٌ… كديكتاتور. *شاعر وصحافي لبناني kamelsaleh@hotmail.com *له في الشعر: كنّاس الكلام. في الرواية: جنون الحكاية، وحب خارج البرد. ودراسة: الشعر والدين.

مطلع القصيدة

10939497_908033365915545_283648723_o3

فوبيا 494

1) أنا الزائر الأخير لحزنِ عينيك فلا تهتم كثيرًا لفتح الأبواب افتحْ شريان الليل نايًا للمجيء شرّعْ صدركَ لِقُبْلة الريح وافتح يديك قصيدةً لمطلعي ***   2) اليوم خنّتُ المرايا حذفتُ الصفر عن سطري ولبستُ عين الصقرٍ لأُتمّم غربةً من توت الشفاه نحو حبر النوايا اليوم درّتُ حولي كقوسٍ القلب مُوتّرًا وليّتُ للماء سرًأ أنّى أتيتني كنتُ لكَ بوردي اليوم أكملَ الخيل عدّي ** 3) يمّم إبتسامتك شطر أضلعي أريدُ أن ألمح كيف تتحرك بي الكائنات وكيف تنعطف الذاكرة على سوسنة أحبّ أن أرى كيف الضوء بي يرتعش ***  شاعرة وطبيبة من لبنان d.jam.rida@hotmail.com  

أهم كتب 2014 بين السياسة والعنف والحب

51PAS9fzv+L._SY344_BO1204203200_

فوبيا 267

حققت بعض الكتب التي نُشرت في عام 2014 أرقاما عالية في معدل المبيع، ما يعكس إقبال المتلقي لها للتعرف على ما جاء فى صفحاتها، منها روايات وكتب سيرة ذاتية وأعمال تميط اللثام عن أسرار. وقد احتل سياسيون أمريكيون سابقون مكانة خاصة في عالم الكتاب، بعد نشر كتب تتناول جانبا خفيا عن العامة من حياتهم، سواء الشخصية أو المهنية. من هذه الكتب كتاب “41” للرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الإبن، يتحدث فيه عن الرئيس الـ 41 للولايات المتحدة، والده جورج بوش الأب، ومن هنا جاءت تسمية الكتاب الذي يتناول فيه وللمرة الأولى رئيس قصة حياة رئيس آخر بالتفصيل. يسلط كتاب بوش الإبن الضوءعلى حياة بوش الأب أثناء خدمته في الحرب العالمية الثانية وخدمته في حقل النفط في ولاية تكساس، ومن ثم تقدمه في السلم الوظيفي حيث شغل موقعا سياسيا كعضو في الكونغرس الأمريكي وتم تعيينه مبعوثا للولايات المتحدة في الصين والأمم المتحدة، ثم كمدير لوكالة المخابرات الأمريكية، ونائبا للرئيس الأمريكي، ثم سيدا للبيت الابيض. ربما هذه معلومات يعرفها كثيرون لكنها جاءت في “41” مع شيء من تسليط الضوء على هذا الجانب، بيد أن هذا الكتاب يسمح للراغبين بالتعرف على شخصية بوش الأب بالتقرب منه “كشخص حنون” كما يصفه المؤلف، وكذلك علاقته بأسرته ومدى تأثيره على ابنه(مؤلف الكتاب) الذي حدد لنفسه دخول المعترك السياسي، ليصبح الرئيس الـ 43 للولايات المتحدة الأمريكية. ومن عائلة بوش إلى عائلة كلينتون، التي تطمح كي لا يكون تأثيرها في التاريخ السياسي الأمريكي المعاصر أقل شأنا، إذ نشرت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، المرشحة المنسحبة في الانتخابات الرئاسية أمام الفائز الرئيس الحالي باراك أوباما، سيدة أمريكا السابقة هيلاري كلينتون، التي نشرت كتابها “خيارات صعبة”. تتحدث هيلاري كلينتون في كتابها هذا عن الفترة التي شغلت فيها منصب وزيرة الخارجية في أمريكا والتي استمرت 4 سنوات تحت إدارة الرئيس باراك أوباما في فترته الرئاسية الأولى، وتسهب في كتابها بشأن علاقات واشنطن مع باكستان وأفغانستان، بالإضافة إلى أوروبا وروسيا، وكذلك أمريكا اللاتينية وإفريقيا. لكن الجانب المهم بالنسبة للقارئ العربي هو القسم الخاص بعلاقة أمريكا بالشرق الأوسط والصراع العربي الإسرائيلي، وأحداث الربيع العربي ابتداء من تونس ومرورا بالأحداث التي شهدتها مصر وليبيا واليمن وسوريا. وقد رافقت الكتاب ضجة إعلامية حينما أخذ الصحفي المصري محمد الغيطي المسؤولية على عاتقه بقوله على الشاشة، إن هيلاري كلينتون ذكرت في كتابها أن طائرات تابعة لسلاح الطيران المصري حلقت فوق الأسطول الأمريكي السادس المرابط في البحر الأبيض المتوسط، وأجبرت قطعا عسكرية أمريكية على التقهقر وهي في طريقها نحو السواحل المصرية، حتى أن الغيطي ذكر نقلا عن كلينتون أيضا أن الضفادع البشرية المصرية أسرت قائد الاسطول. ومن بين الروايات التي حققن انتشارا واسعا في عام 2014 رواية “مستر مرسيدس” للكاتب الأمريكي ستيفن كينغ الشهير بأعماله الأدبية المثيرة التي تغوص في أعماق النفس البشرية، والتي تحول الكثير منها إلى أعمال سينمائية شهيرة. تدور قصة “مستر مرسيدس” حول قاتل مهووس يعاني اضطرابا نفسيا، يجعله يستمتع بدهس ضحاياه تحت عجلات سيارته المرسيدس الفاخرة، وهو ما يقوم به حينما يقتحم بسيارته معرضا ليصيب زوار المعرض، ما يؤدي إلى مقتل 8 أشخاص وإصابة 15 بجروح، قبل أن يفر من موقع الجريمة. وبحسب الرواية يبدأ محقق في تعقب أثر الجاني، لتصله رسالة إلكترونية من شخص يخبره فيها أنه يستعد للقيام بعمل إرهابي سيسفر عن عدد كبير من الضحايا، ليتبين أن الشخص الذي بعث هذه الرسالة و”مستر مرسيدس” هو الشخص ذاته. أما كتاب “الأخوات رومانوف” فقد فاز بلقب أفضل كتاب “سيرة تاريخي” في عام 2014 بحسب موقع “غود ريدز”، وهو للمؤرخة البريطانية هيلين رابابورت، وتتناول من خلال كتابها هذا أناستاسيا، الأخت الأكثر إثارة للجدل بين بنات الامبراطور الروسي نيقولاي الثاني الذي أعدم مع عائلته كلها في عام 1918، وذلك بعد أحداث الثورة البلشفية التي أطاحت بروسيا القيصرية. وبذلك يُضاف كتاب “الأخوات رومانوف” إلى العديد من الأعمال الأدبية والسينمائية التي تتطرق إلى القيصر الأخير في روسيا وأسرته، علما أن كتاب هيلين رابابورت يتضمن رسائل ومذكرات خطتها الأميرات الشقيقات الأربع بنات القيصر الروسي بأنفسهن قبل اعدامهن. ومن الروايات العربية تبرز في عام 2014 رواية الأديب والشاعر العراقي أحمد سعداوي “فرانكشتاين في بغداد”، والتي نال عنها الجائزة العالمية للرواية العربية لذلك العام. تتحدث الرواية حول الشخصية الأسطورية فرانكشتاين ولكن بملامح تعكس الحالة المأساوية التي يعيشها العراق والعراقيون منذ سنوات. القصة تحكي عن شخص يجمع بقايا أجساد قُتل أصحابها في تفجيرات متنوعة عصفت بالعراق، ليتكون كائن عبارة عن خليط من مجموعة من الضحايا، الذي يبدأ بالانتقام من المجرمين الذين أودوا بحياة الأشخاص الذين يتكون هذا الكائن من أشلاء أجسادهم، وتدور أحداث هذه القصة في بغداد. وكالات

الجرح يبرى يا صبرة

gg

فوبيا 312

  وافقت صبرة على الزواج من عبد الستار صاحب محل أثاث في الزهروني ،شاب ملتح من أنصار الدعوة و التبليغ شهير في منطقتهم برجولته و قوته . يحكى أنه : كان يبيع الخمور في صغره ثم اهتدي إلى الإسلام و لبس القميص و خرج في سبيل الله إلى الهند لمدة أربعة أشهر و تلقى دروس على يد شيخه في منزله بحي حواص بالزهروني”. كان من أكثر الحافظين للأحاديث النبوية لدرجة أن كتاب رياض الصالحين لم يكن يفارق يمينه، عود الأراك لا يفارق يده الشمال و يضع عطر البخور في جيب قميصه عملا بالسنة النبوية . ذات يوم ، بعد صلاة الجمعة دعا الحاج إبراهيم عبد الستار لبيته ، ما إن دخل عبد الستار حتى مرت أمامه كالبرق فتاة لم تتجاوز بعد السابعة عشر من عمرها تلبس جلبابا أسود يغطي جسدها من الكتف إلى أخمص قدميها . بعد شرب الشاي و النقاش حول السوق و حول وضع الإسلام في البلاد و لا سيما بعد أحداث سليمان التي حدثت الشهر الفارط، استدرج عبد الستار الحاج إبراهيم ليسأله عن أطفاله فقال له الحاج أن لديه ثلاثة شباب : الأول في ايطاليا و الثاني في الجيش التونسي و الثالث يدرس تكوين مهني في صفاقس” . و ابنتان الصغرى منى تدرس في المرحلة الابتدائية في مدسة الزهروني و الثانية صبرة تدرس في المرحلة الثانوية و لكنها تواجه مشاكل مع مديرة المعهد التي لا يروقها حجابها .. ما إن سمع عبد الستار القصة حتى قال: أستغفر الله العظيم ، أي و عدات الامتحانات ؟ أجاب الأب بالنفي ، لان صبرة تم طردها لمدة ثلاثة أيام لأنها لم تنزع الحجاب عند باب المعهد و عليه لم تستطع اجتياز امتحانات الثلاثي الثاني ، هذا ما قد يجرها للرسوب . ظل موضوع صبرة عالقا بذهن عبد الستار فقرر الذهاب للمعهد الثانوي بالزهروني ليسأل عنها و عن وضعها الدراسي. هناك جلس أمام محل ساندويتشات قبالة المعهد الثانوي فلاحظ أن الجميع يضحكون و يلعبون و يستمتعون بأوقاتهم إلا ابنة الحاج إبراهيم التي تميزت بهدوئها و رصانتها و انزوائها في ركن لوحدها عازفة عن الحديث مع قريناتها . طباع الهدوء و الخجل شدت انتباه عبد الستار الذي قال في نفسه :” هذه ضالتي” ، عبد الستارشاب في السابعة الثلاثين من عمره ، عرف العديد من النساء ، السمراء و الشقراء و الصهباء و كان يهوى مضاجعة “السوداوات” لدرجة ان أصدقائه كان يسمونه “عبد الستار كحلوشة” لفرط ملا حقته للنساء السود ، يبرر عبد الستار ذلك بأنهن: ” نار تشتعل و لا يمكن إخمادها بسهولة” . بعد تلك التجارب التي يسميها عبد الستار بأيام الضلالة ، قرر الشاب إكمال نصف دينه و الزواج بصبرة فتاة صغيرة لم يمسسها بشر و لم تكن بغيا . طرح عبد الستار الموضوع على أمه التي رحبت بالفكرة قائلة:” باهي برشا صغيرة تربيها على يديك و تطاوعك” تقدم عبد الستار لخطبة الفتاة بعد أن تحدث مع الحاج إبراهيم الذي أبدى موافقته منتظرا رأي الأم و صاحبة الشأن. زارت أم عبد الستار بيت الحاج إبراهيم و التقت بالخالة فاطمة إمراة بسيطة تقضي يومها بين آلة الخياطة و المطبخ ، كان يوم سبت و كانت صبرة محبطة جدا لانها لم تتمكن من دخول حصة الفرنسية التي تعشقها ، فهي تحب الادب الفرنسي و تتقن اللغة الفرنسية و كان أستاذها يسمح لها بالحديث كثيرا داخل القاعة و كان يبجلها و كانت تجله و تجلس الكرسي الأول في حصته و تشارك و لا تصمت ، إنها لغة موليير و فوللتير التي تبهر الصبية .     لقد رمقتها مديرة المعهد و هي تمشي في الساحة بحجابها فأطردتها من المعهد ، مسألة الطرد أرهقت نفسية صبرة التي تدرس ثالثة آداب و تحس أنها مجرمة و مذنبة و هي لم تقم بأي شيء . أحست الفتاة بالإحباط و بالضيم و قررت أن لا تعود إلى المعهد الذي تهان فيه من أجل لباسها ، على الساعة الخامسة قدمت أم عبد الستار لخطبتها من خاله مبروكة ، صمتت صبرة و باركت امها الخطبة بفرح بدا جليا على ملامح وجهها .. و قالت لابنتها : “ربي عوضك خير .. توة هاك باش تعرس و ترتاح من هم القراية “. أتفقت النسوة على موعد الخطبة و أخبروا الرجال بذلك ، و كان الامر بعد أسبوع حينما قدم عبد الستار و أهله حاملا معه مرطبات كبيرة الحجم كتب عليها خطوبة سعيدة عبد الستار و صبرة . كان حفل الخطوبة هادئا رفعت فيه بعض الزغاريد فقط و تم قراءة القرآن و ذكر الله و ووضع أخوها الصغير “سيدي” لسامي يوسف ، في تلك الأجواء كانت الخالة منيرة مستاءة لان الخالة فاطمة منعتها من الغناء لان عبد الستار متدين و يكره الغناء و كل أشكال الميوعة .. و طلبت منها أختها ان تضع الشال بطريقة صحيحة حتى لاتسخر منهم عائلة العروس المتدينة . أمام تلك الأجواء كانت الجدة بركانة بوشمها الأخضر ترمق عبد الستار من فوق الى تحت الجدة بركانة التي جلست بحرامها الأحمر و خلالها الفضي و واضعة وشاحا زهريا بطريقة يظهر جزء من شعرها الأحمر المخضب بالحناء . بعد برهنة غنت الجدة بصوت حزين : “هام رحلوا بيك ما قدرت انهني يا أم الغثيث المحني نطلب عالربي غزال لي شرد يولي ثم نفرح و نحني هام رحلو بيك يا عيون الدودة يا خد ياقوتة الخد الياقوتة الحلقة الفضة و معاهم محرمة …. نطلب عالربي الغزال الي يشرد يولي ثمة نفرح و نغني” .. أغرورقت عيون الحاج إبراهيم و قال : يعيشك يا أمي ربي يفضلك ليا … ” قال العروس: ماشاء الله و ربي يكبرنا في طاعتو” .. لم ترد الخالة بركانة على تعليقه و اكتفت بالنظر إلى حفيدتها الصغرى التي تقام خطبتها بدون موسيقى و بدون حرام و بدون رقص . قال أخ عبد الستار سيأتي الشيخ “علي ” بعد قليل ليقدم درس بمناسبة الخطوبة ، تظاهرت النسوة بالاهتمام ، و قدم الشيخ الذي جلس في غرفة الصالون الثانية ، وقدم درسا في “منافع الزواج و النكاح” و مزايا الزوجة الصالحة و في حديثه قال : سأل أحدهم أبو هريرة عن الوشم فقال سمعت قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “لا تشمن ولا تستوشمن”, وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “لعنت الواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة والواشمة والمستوشمة من غير داء”, وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: “لعن الله الواشمات والمتوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله” حينها ردت الجدة بركانة :” وشم امالية مهوش حرام منين جبتوا هلكلام ؟ و شمي أمارة عرشي ؟ صوتها العالي ضايق الشيخ .. فتدخل الحاج ابراهيم لتهدئة الأجواء قائلا :” أمي مرا كبيرة و راهي لتوه روحها معلقة بالكاف و الدهماني والله تي انا جبتها للخطبة بالسيف هههههههههههههه” صمت الجميع و قالت أم عبد الستار استأذنكم للرحيل و سنعود مرة أخرى لزيارتكم لتحديد موعد الزفاف و قف الجميع لتبادل السلام إلا الحاجة بركانة التي ظلت جالسة في مكانها ترد التحية فقط . قالت الجدة لصبرة: باش تعرسي ملا ؟ مش قلتي باش تولي طبية و تحلي كابينا في الدهماني ؟ و لا نسيتي الدهماني ؟ رد الحاج ابراهيم : آش مدخل الدهماني ؟ يزي أمي الطفلة مممنوعة من القراية و أنا نحب نعرسلها و نرتاح .. كان لحديث الجدة أثر في نفس صبرة الرقيقة التي كانت سعيدة بالخاتم و اللباس الذي أتاها من خطيبها . كانت الفتاة تفكر في بيتها الجديد و تقول في نفسها قد يحررني الزواج من الضغوط وقد أنهي دراستي في ثانوية خاصة … و أنجب أطفالا و أربيهم على السنة و الحديث ثم عبد الستار له هيبة فهو صديق شيوخ المنطقة و له محل كبير بالإضافة لكون بيته قريبا من بيتنا ، وراء مدرسة الزهروني أين تدرس أختي الصغرى … خلاف الجدة بركانة لم يقف عند الخطوبة فقط ، إذ قام خلاف بين الجدة و الأب عند تحضيرات الزواج ، فالزوج عبد الستار رفض الموسيقي و الرقص و عادة الحمام و التصديرة و كل عادات الزواج . الأمر أثار غضب الجدة التي رأته تجنيا صريحا عليها و على عاداتها ، قالت للحاج إبراهيم :لا طبال…. الزردة حرام شايل الله يا رجال الكاف ؟ و اش فيها لكان ذبحنا لجدودنا باباك الحاج كان ديما يذبح و نا نخلط و الرسول يبارك ؟ شنو علجال نسيب ننسو عاداتنا ؟ صمت العم ابراهيم و تحت ضغط الخالة فاطمة التي ترى في الزوج فرصة العمر ، فالعم ابراهيم يمر بضائقة مالية و زواج صبرة على السنة كما يريد عبد الستار سيريحه من العديد من التكاليف و ثم قد تساعده صبرة في المستقبل . وافق العم ابراهيم على الزواج و حضرت الجدة بركانة في يوم الزفاف فقط ، حينها قدمت “خلالة و حرام لحفيدتها و قالت لها :ربي يهنيك و دار الدهماني مازالت محلولة ليك” .. ضمت صبرة جدتها و سالت دموعها و قبلت يديها و جبينها . زغردت الجدة لحفيدتها و أدارت وجهها عن الخالة فاطمة من طأطأت رأسها أمام حماتها الوقور ، ذات النظرات الثاقبة . كانت ليلة الزفاف صعبة بالنسبة لصبرة ، تلك الصغيرة التي تزوجت بضمان أبوي فهي لاتعرف من عالم الرجال سوى ما قرأته في كتاب” تحفة العروس” ذلك الكتاب الذي أهداه لها عبد الستار قبل الزواج . لبست حينها فستان نوم أبيض مع صدرية بيضاء ، كانت صبرة مخضبة بالحنة و بالحرقوس و وضعت بعض الصبغ الأصفر على شعرها البني الطويل المجعد . بدأ عبد الستار اكتشافه لجسد صبرة المثير ، الذي قال عنه عبد الستار :” دقلة و حليب” فهي صغيرة و صافية كالسماء أما هو فكان محملا بتاريخه النسائي و فتاوى الجماع التي لم تفهم كنهها صبرة بعد . فبعد أشهر من الزواج و من الحياة الروتينية الصعبة بدأت الفتاة تحس بالقلق و الضجر. فلا خروج سوى لسوق الزهروني و لا زيارات سوى لبيت أبيها أو لبيت حماتها . كما أن عبد الستار منعها من الذهاب لصلاة الجمعة و لصلاة التراويح ، و مع انشغالات الخالة فاطمة بالخياطة و ببقية أخوتها لم تجد صبرة ملاذا لها سوى التلفاز . تقضي يومها كالأتي … ترتب البيت و تطبخ الآكل .. تتجه إلى الصالون لتفتح التلفزيون ، قبل أن يعود زوجها من العمل تحديدا على الساعة الخامسة . موعد برنامج المرأة والشريعة أو أحكام النساء أو ربما الجنة و النار أو في سبيل المصطفى … فبرامج دعاة الإسلام الموجهة للنساء لا تحصى و لا تعد .. جلست صبرة على الأريكة وضعت أمامها كاس شاي لتشاهد حلقة تتمحور حول حقوق الزوج وواجبات الزوجة تجاهه. وما إن قال الشيخ المحاضر:”سنتحدث عن أداب المعاشرة بين الأزواج” حتى تغيرت تقاسيم وجهها وازداد انتباهها إلى التلفاز مع رفعها لصوته . قالت في نفسها : “على رأي أمي بركانة شيوخ الفروشات و النيك ههههه ربي يذكرها بالخير أمي بركانة إييييييييييه ” استهل الداعية موعظته بما قاله الإمام ابن تيمية في كتابه أحكام النساء الذي اشتراه عبد الستار لصبرة الشهر الماضي : “على المرأة أن تعلم أنها كالمملوكة للرجل” أي جزء من أملاكه ووجب عليها طاعته ويستند  في ذلك الى الحديث النبوي الشريف: “لو كنت آمرا أحدا لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها” ، يشرح الشيخ الوضعيات الجنسية  وما على المرأة من واجبات ومنها أن تتزين وتتعطر و تقبل زوجها من موقع كذا وتلمس فيه كذا وتستقبل سائله المنوي الذي سيكرمها بصفة الأم وعليه يقول النبي (ص) من حق الزوج على الزوجة اذا أرادها وراودها عن نفسها وهي على ظهر بعير لا تمنعه”.  يمضي الشيخ في ذكره لوصايا الإسلام للمرأة بأنه وجب عليها ان تكون: ودودا وصبورة على زوجها ولا تضغنه حتى لا تلعنها الملائكة ويذكر الشيخ أن أكثر أهل النار نساء وأن الله يعاقب كل من سألت زوجها الطلاق من غيربأس تحرم عليها الجنة (حديث نبوي). ومع موسيقى البرنامج المخيفة وذكر جهنم و بئس المصير في حال عدم صبرها على زوجها، اغرورقت عيناها بالدموع ووضعت يديها على وجهها ثم صمتت وتمددت على الكنبة والرعشة تنتابها والعرق يتصبب من جبينها، رافعة يديها إلى الله قائلة: ألا يوجد في شرعك ذنب اغتصاب الزوجات؟ أ لا يمكن أن يكون ذلك من الكبائر؟ أين عدلك؟  لم أعد أطيق تحمل أنني أنثى …. فسبحان من يمحو خطايا الرجل  ويعاقب خطايا الزوجة … نظرت صبرة إلى غرفة نومها  وطأطأت رأسها، فهناك  تعيش قهرها الليلي منذ أربعة أشهر حيث ترى شتى أنواع الإذلال، فزوجها يستمتع تعنيفها عندما يضاجعها و يجبرها على التمسح بسائله المنوي وهي جاثمة على ركبتيها  وإن رفضت أو امتنعت يقوم باغتصابها  وضربها وتعنيفها. وفي أغلب الاحيان يفرض عليها وضعيات لا يتحملها إلا لاعب سيرك أو بهلوان محترف، فالنشوة عنده تزداد كلما ازداد بكاؤها وألمها وكلما فرض نفسه عليها . هذه المشاهد لا يمكن لصبرة أن ترويها لأمها أو لأي أحد لأنها صغيرة في السن و سيقولون دلال بنات و هي كل ما تشرع في قول شيء لأمها إلا وتقاطعها بحكايا الجارات و العائلة و تروي لها خلافاتها مع الجدة بركانة و تختم حديثها ب:” شوف أنت راك سر راجلك و أي شيء يدور بينك وبينو يبقى بيناتكم” تلك العبارة تجعل صبرة تصمت و تكتم معاناتها . أخذت صبرة تتحسس الألم الذي في فخذيها وأثار الكدمات التي خلفت نقاط زرقاء قاتمة تشهد بفحولة عبد الستار و قوته و خبرته في التعاطي مع أجساد النساء . نظرت صبرة التلفاز و تمعنت في شكل الداعية الذي تناسى ذكر  واجبات الزوج ومر مرور الكرام على قول النبي ( ص) : “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”. غالى في تكريم الذات الذكرية  ليصل إلى  منحها رخصة الضرب  والتعنيف فالشيخ الجليل يرى أن الضرب وهجر المضاجع ألية ووسيلة مباركة لتأديب ذلك الكائن الأعوج الذي يقوم بوظيفة وعاء لسائل مبارك. فلولا تلك الوظيفة لظلت صبرة “عزباء بلا زوج وبلا كرامة فاسم زوجها يمنحها صفة ومكانة بين قريناتها وصمتها على أذاه سيزيدها كرامة ورفعة أمام أهلها وستجزى على ذلك في الآخرة” كما قال الشيخ و كما توصي الام فاطمة . انتهى البرنامج على الساعة السادسة  وقرب موعد عودة زوجها من العمل، مسحت صبرة دموعها  ورجعت إلى المطبخ وهي تغني: “هام رحلو بيكي ما قدرت انهني .. يا أم الغثيث محني نطلب عالربي غزال لي شرد يولي ثم نفرح و نغني ” لتطهو العشاء ولتستعد لمأساتها الليلية فسبحان من منح “صبرة” حزن القافية وأهدى زوجها بيت القصيد ووقوة الروي . بعد أسبوع ، زار العم ابراهيم إبنته و قال لها : أمي تسأل عليك و راهي حيرتني انت لاباس ؟ أجابت صبرة : أنا الحمد لله فمة حاجة ؟ أجاب العم إبراهيم : أمي حلمت بيك البارحة انت قدام زاوية سيدي بومخلوف وعطشانة و لحمك أزرق” أنهارت صبرة بالبكاء و قالت لأبيها : هزني للكاف و لامي بركانة” قال العم ابراهيم : استهدي بالله راك بنية واعية شنوة تصدق في حديث الأولياء متاع أمي ؟ استمرت صبرة بالبكاء فالموضوع ليس متعلقا بسيدي بومخلوف بالكاف بل هي وجع تعيشه صبرة كل ليلة جراء تلك الآلام و الوجع لم تستطع صبرة أن تحبل كما فقدت بعض الكيلوغرامات اثر هذا الزواج المبارك ، الام فاطمة تقول أن:”البنية صغيرة و متوحشة دار بوها ” . مسحت صبرة دموعها و فهمت أن أباها لن يحس بها كما أن الخالة فاطمة تسعى لإنجاح زواج صبرة بعبد الستار و إن كان على حساب سعادتها و حياتها ، استغلت غياب عبد الستار عن البيت و ذهبت إلى محل الهاتف العمومي و اتصلت بجدتها بالدهماني ما إن قالت : ألو حتى قالت الجدة :” إجا بنتي للدهماني” قالت صبرة : كيفاش انجيك ؟ راهو محكوم فيا … ردت الجدة : رخص السلايا و لا رخصي نايا … مترخصي بروحك يا غالية .. أيجا لامك تاقفلك … ” حديث الجدة مسح آلام صبرة و عادت لبيتها بروح أخرى ، و فتحت الراديو على موجات إذاعة تونس الثقافية و جلست في البلكونة تستمع ، مشهدها استفز عبد الستار الذي رفع صوته عليها و قال لها : “مزال تقعد في البلكونة نقصلك راسك … ردت صبرا حينها : بنت بوك أنا باش تقلصي راسي ؟ نظر إليها عبد الستار و قال : شوف اه سيدكى الفرخة طلعت قرناتها ريض و لا نحكيلك والديك يا بنت لحرام … و بدأ وابل الشتائم ينهمر عليها و قام بمسكها من شعرها و أسقطها على الأرض و ضربها ثم غادر البيت ، ما إن خرج حتى هربت صبرة من البيت و بدأت في الجري تجاه بيت أبيها ، كانت تجري بدون حجاب لابسة جبة حمراء مقطعة و الدماء تسيل من أنفها . وصلت للبيت ، فأستغربت الأم التي لم تعرف ابنتها كما أكفهر وجه العم ابراهيم و اتجه لملاقاة عبد الستار ، قامت الخالة فاطمة بمسح جراح ابنتها و بالبكاء عليها و على الحالة التي آلت اليها ، كانت منى أختها الصغرى تأتي بالماء و العطرشية لتساعد صبرة على استعادة أنفاسها . ما إن استفاقت حتى طلبت من أختها الاتصال بالجدة البركانة رفضت الام ذلك و قالت : خليها توة مراه كبيرة باش تجينا من الكاف ؟ زمجرت صبرة و قالت :” تجيني أمي و لا نحل كرشي بسكينة و نعمللكم فضيحة و حق رجال الكاف مانوريكم النساء اش تعمل ؟ سمعها العم ابراهيم تقسم برجال الكاف لأول مرة في حياتها … فقال لها : مش لازم أنا نهزك غادي و برد وجهك .. و شد طريق الكاف و حصحاصو ” همست الأم فاطمة في أذن زوجها : بنتك إيمينها صادق .. هزها للدهماني تبرد وجهها وخلينا هوني نشوفو الحكاية .. الطفلة باش تموت بنتي مضامة ياناري ” رد الاب : الحديث وفا غدوة تمشي لأمي و ترتح أعصابها ..” ركبت صبرة الشاحنه مع أبيها على الساعة الثامنة صباحا و ما إن تجاوزا برج العامري حتى أغلقت صبرة إذاعة الزيتونة و بدأت تغني : يا غيم العشوة و يا ياربي يايا .. يا غيم العشوة و طالت الأيام و توحشنا و يا عذابي يا .. و يا طريق الكاف و حصحاصك آه .. و لا الجاوي و لا يا عذابي يا ..يا و ولا الجاوي حليل المعشوق آش يساوي يا عذابي … يا مشية خالي مشية الغزال فوق الندوة و يا عذابي … قال أبوها : فوق الندوة و ماجاش اليوم يرجع غدوة و يا عذابي يا … و تعالت ضحكات العم ابراهيم و تعالت ضحكات صبرة معه .. وصلت صبرة للدهماني و حضنت أمها بركانة التي استقبلتها بديها المفتوحة و قالت : بنتي الغالية جات ,, مرحبا بالغالية ..” جلست الأم بركانة وحضنت صبرة و ضعت رأسها على فخذها و بدأت تداعب …خصلات شعر و تربت بيديها عليه ..قال لها العم ابراهيم :” هاو باش نخليهالك اشبع بيها ” ضحكت بركانة :” ولدي الي ما يسمعش كلام كبيروا … راني أمك و نعرف” صمت العم إبراهيم و قال : المهم هاي حذاك لين نعلموا راي … ردت بركانة و: “و حق رجال الكاف متروح كان كي تاخولها بحقها .. و مهيش مروحة لراجل هانها ، ولدي روح انهار راح عليك” . ابتسمت صبرة و أغمضت عينيها ، فالجدة لن تصمت على الظلم و لن تسمح بان تهان ابنتها ، قبلت صبرة يد جدتها و نامت في حضنها … لتستلهم منها القوة و تشتم رائحة الأرض و الضرع لتسقي روحها العطشى ولم تجد الجدة بركانة ترياقا لجراح صبرة سوى “الجرح يبرى يا صبرة”.    

لعنة الحقيقة

10301131_744416095602794_1166814689120073076_n1

فوبيا 272

في كلّ مرةٍ أقولُ لأمي “أنا ذاهبٌ لاكتشافِ الحقيقةِ” ألبسُ حذاءَ المهمات القتالية أرتدي معطفا ثقيلاً أحمل سجائري وعلبة ثقاب.. ووصاياها. وفي كل مرة أعودُ -وقد بعتُ حذائي ومعطفي- أصِلُ إلى البيتِ مع آخر عقبٍ من سجائري وعقلٍ فارغٍ العنُ ديكارت وسبينوزا وأعدّ سنوات الحروب لأكتشف ان الحقيقة يا لخيبتي.. في دار ابي سفيان! شاعر من العراق صفخته على الفايسبوك: https://www.facebook.com/mohannad.shahrabani/about    

المخيلةُ البشرية .. مابين جيمس فريزر وصموئيل هوك

hghgbvf

فوبيا 208

  يرى جيمس فريزر في تعريفه للميثولوجيا : بأنها فلسفة الإنسان البدائي الأول ، وقد واجه الإنسان ومنذ أقدم العصور تلك الأسئلة الكونية التي لازالت إلى الآن تشغل العقل البشري وكان للعلم والفلسفة دورهما في كشف العديد من تلك الثغرات الكونية ورغم ذلك إعتبر فريزر هذا الكشف منقوصاً دون كشف تلك المساحة الواسعة والغنية من الأساطير ، ولاشك أن رواد الفلسفة الحديثة والذين قدموا مذاهب ضمن فلسفاتهم مثل ياكوبي وشوبنهور وهيجل وهوفدنج والذين دعموا هولاء من المفكرين العصريين مثل هوسلر وهيدجر الألمانيين وهاملان ولاشليية الفرنسيين وقد عمل هولاء على تجديد النظرة إلى الفلسفة ضمن المنعطف الجديد للمخيلة البشرية ولعل ماكشفه علم الآثار والثورة الكبرى التي نادى بها الفلاسفة لوضع العقل تحت الأختبار كانتا من الوسائل التي مهدت للبرهنة على ماعرف من الحقائق الميتافيزيقية والغيبية وقد إمتلك الإنسان البدائي الأول طرائقة الفلسفية للتعامل مع الموجودات الكونية المرئية وغير المرئية ضمن المفهوم السائد للفلسفةِ بأنها ليست إثباتا ولا نفياً بل هي تساؤل وأستفهام ، وتدرجت المدارس الفلسفية بوصفاتها من إنكار لوجود الأشياء خارجا عن الموجودات المُفَكرة كما فعلت المثالية إلى المخاطر التي تعرض لها العلم من الفلسفة التجريبية وكذلك القول بأن المعرفة وليدة لفعل الأشياء في الذهن ، وأعتقد بأن الفلسفة الكانتية قد أغنت الفلسفة في ثلاثية ( المعرفة – الذهن – التجريب ) ، إن القوى العاقلة في الإنسان وهي تحقق نشاطها فأنها تستند إلى الضرورات التي تكمل مفهومها الأولي للأشياء ولاينظر الإنسان الى ذلك الكم الهائل من الحكايات القديمة على أنها وسائل للتسلية أو العبث دون التحسس بذلك الجهد المضني التي كانت علية المخيلة البشرية آنذاك في حل المعضلات وتقديم الإفتراضات التي تعزز وجود محرك ما دافع ما في سلك وسيلة ما لإستخلاص النتائج ولقد كان الخيال حاضرا لبعض الأنماط الأسطورية في التفكير حيث يشير فريزر إلى أهمية دراسة تلك الصور التخيلية رغم قصور المخيلة أنذاك عن تفسير الأحداث لكن الأهمية تكمن في الذهنية للناس الذين إخترعوها والذين صدقوها وهو مدخل لدراسة العقل البشري كظاهرة ما مادام الإنسان قد عني بدراسة الظواهر الطبيعية الأخرى ، إن صموئيل هنري هوك يرى بأن التفكير قد ولد تفكيرا أخر وأن الحكاية ولدت حكاية أخرى وبعض الحكايات ولدت إبتكارا ما والابتكار قلص من الاعتماد على البديل الذهني إزاء ماتقوم به تلك الحكايات من وظيفة إستثمار الغموض والإعجاز في حدث ما لملء الفراغات التي تحصل في منظومة التفكير والتي تعجز أحيانا عن تلاقي وتواصل خطوطها بعضها بالبعض الأخر ، إن القوى السحرية التي هيأتها تلك الحكايات لعبت دورات رئيسا في تطور الفكر البدائي الأول وفتحت المجال أمام تدقيق موجودات الكون وأستخلاص النتائج الجديدة والمقبولة لمفاهيم أكثر رُقيا من المفاهيم التي سبقتها وكان صراع البشرية والرغبة للنجاة من الأخطار والكوارث الجماعية مدخلا للإشارة الى النشاط الخلقي لمواجهة القوى الشيطانية التي تعمل للتنكيل بقدرات الإنسان الفكرية والجسدية ولاشك أن قضايا النقيض والجوهر والتعاقب والمتناهي واللامتناهي كانت تشكل الإبتداء الإبتداء المعرفي لتجديد أسئلة العقل المحيرة أمام تجديد المعطيات الكونية التي يكشفها كل يوم العلم والفلسفة annmola@yahoo.com – شاعر عراقي مقيم في قطر

عِـذابٌ يَـؤُمُّـني مورق الـحنين

Nwal-Ziani

فوبيا 235

طافت بي شهوة المـاء أسيلة الالتفــاف تَـتفَيَّؤُ اللظـى حِـسان الشفــاه سَـحَّـتْ تتلو لـجسدي عرف الـتزهـد في قرى أديارهــا مـاء بلـى كنـت أُرَمِّــلُ اللهيب لـتتكتظ جوانحي مـاء والرعود تُـبْكِرُ … تُضَوِّعُ لَـهـجَ الـطين وأنــت مابين السُـرًّة والمدى تُـوسمُ عورة الليل طلاسم خِـلْـتُـكَ وِزْرَ نـهدٍ يقرؤك سَـعْيَ الحواس ويرُجُّـنِـي بـفـاتحة التوق وفمك يقتفي غدقٌ سلسل الاحتراق عِـذابٌ يَـؤُمُّـني مورقـ الـحنين أراه … الضوء على جسدي قُـزَحِيُّ الـرؤى يَـنْبُشُ حُـسْـن الـمـعنـى لا ليل  يَـنْفِي وجهـك الساقط أسفل المبتـغى والمبتــغى يقاوم دَوَّارة الريح يمزق دمـي الوثني وهنـــاك بين موجتين أستريح أبتكر لـفـمـي أقدامـا ليتسلقك إن مدَّ الرحيق وإن انسحقت شهقـة المـاء خـذ مـا تـنـامـى بينـي والـوميض وتـمـاثل لجسدي الـهـارب من أزمنة بابـلية وافتح للشفق بوابـة الـريح وفي عُـجـالـة أَدْلِـق الـكوثر الـمعتق الـمـخـر على الـنَّـزْفِ فـ.كـأسي يــعـاقره هـذيان ومـسٌّ أرجواني الـنـبع خاص فوبيا  

هي البلد وأنا الولد

1524696_10202943326251994_1445770938_n

فوبيا 228

  منحتني اسمها كي لا أضيع وكي تقول إنني ابنها كلما قيل لها إنه لطيفٌ إنه ظريفٌ هذا الولد آهِ منّي من وَلَدْ كبُرتُ على صدرها ونمتُ في حُضنها وقُلتُ، كم قُلْتُ إنّها أغلى وإنّها أحلى من هذا البَلَدْ آهِ منّي مِنْ وَلَدْ ما كَذبْتُ وهيَ لم تكذبْ فكم قالتْ وكم ردّدْتُ حتّى انْعَقَدْ في فمي وفي فمها لِساني أنا البَلَدْ أنا البَلَدْ حتّى خِلْتُني حاكِماً وحَسِبْتُها سَيِّدَ مَنْ حَكَمْ وما ظَلَمْ من سلّم القيادَةَ لِمَنْ هُوَ أجْدَرُ مِنْهُ في الحُكْمِ وفي سُلّمِ القِيَمْ فهْيَ أمِّيَ بالإسْمِ وأنا ابْنُها في الحُلْمِ وَقَدْ صِرْتُ بِها عَلَمْ آهِ مِنْها أعْذَبُ أمٍّ وآهِ منّي مِنْ وَلَدْ  !   شاعر من تونس صفحته على الفايسبوك: https://www.facebook.com/talal.hammad

الإعلان عن القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية 2015

photo.php

فوبيا 283

أُعلن اليوم الاثنين الموافق 12 يناير 2015 عن القائمة الطويلة للروايات المرشّحة لنيل الجائزة العالمية للرواية العربية للعام 2015. اشتملت القائمة على 16 رواية صدرت خلال الاثني عشر شهرا الماضية، واختيرت من بين 180 رواية ينتمي كتابها إلى 15 دولة عربية. كتّاب القائمة الطويلة لعام 2015 ينتمون إلى تسع بلدان، بينهم ثلاثة من مصر وثلاثة من لبنان. ويذكر  أن خمسة من الروائيين المدرجين على قائمة هذا العام قد سبق لهم الترشح للجائزة على النحو التالي: جبور الدويهي وصل إلى القائمة القصيرة في عام 2008 بروايته “مطر حزيران” وفي عام 2012 بروايته “شريد المنازل”. جنى فواز الحسن وصلت إلى القائمة القصيرة عام 2013 بروايتها “أنا، هي والأخريات”. أشرف الخمايسي وصل إلى القائمة الطويلة عام 2014 بروايته “منافي الرب”. أنطوان الدويهي وصل إلى القائمة الطويلة عام 2014 بروايته “حامل الوردة الأرجوانية..   وكان محمد برادة، أحد المرشحين في القائمة الطويلة، عضوا في لجنة تحكيم الجائزة في دورتها الأولى 2008. يُذكر أن خمس كاتبات وصلن إلى القائمة الطويلة لهذا العام وهو أكبر عدد من الكاتبات المرشحات في القائمة الطويلة في تاريخ الجائزة إذ وصلت إحدى عشرة كاتبة للقائمة منذ صدور القائمة الطويلة الأولى عام 2009. فيما يلي عناوين الروايات المرشّحة على القائمة الطويلة للجائزة للعام 2015، وفقا للترتيب الألفبائي لأسماء الكتاب: الناشر البلد الكاتب عنوان الرواية الأهلية فلسطين عاطف أبو سيف حياة معلّقة الفنك المغرب محمد برادة بعيدا من الضوضاء، قريبا من السكات منشورات ضفاف لبنان جنى فواز الحسن طابق 99 دار الآداب سوريا لينا هويان الحسن ألماس ونساء دار التنوير لبنان سوريا مها حسن الراويات المؤسسة العربية للدراسات والنشر العراق هدية حسين ريام وكفى المركز الثقافي العربي الكويت عبد الوهاب الحمادي لا تقصص رؤياك مكتبة الدار العربية للكتاب مصر هشام الخشن جرافيت الدار المصرية اللبنانية مصر أشرف الخمايسي انحراف حاد دار المراد لبنان أنطوان الدويهي غريقة بحيرة موريه دار الساقي لبنان جبور الدويهي حي الأمريكان دار العين السودان حمور زيادة شوق الدرويش دار الساقي اليمن حبيب عبد الرب السروري ابنة سوسلوف الحضارة مصر منى الشيمي بحجم حبة عنب دار التنوير، تونس تونس شكري المبخوت الطلياني المركز الثقافي العربي المغرب أحمد المديني ممر الصفصاف   اُختيرت الروايات من قبل لجنة مكوّنة من خمسة محكّمين، سيُعلن عن أسماءهم في الدار البيضاء٬ المغرب٬ يوم الجمعة الموافق 13 فبراير، والذي تحدّد للإعلان عن القائمة القصيرة، بالتزامن مع معرض الدار البيضاء الدولي للكتاب. وعلق رئيس لجنة التحكيم على القائمة الطويلة بقوله: “تقدم لنيل الجائزة هذا العام أكبر عدد من الروايات في تاريخها حيث كان بين أيدينا مائة وثمانون عملا، وبصعوبة توصلنا إلى اختيار القائمة الطويلة المكونة من ست عشرة رواية تمثل اجتهادات متنوعة ومدارس فنية وأجيالا مختلفة. بعض الأعمال هي الأولى لمؤلفيها والبعض الآخر لكتاب متمرّسين. ومن المفيد التذكير بأن لجنة التحكيم تقوّم الروايات لا الروائيين.” ويُذكر أن هذه هي الدورة الثامنة للجائزة، التي أصبحت الجائزة الأدبية الأبرز في مجال الرواية في العالم العربي. وقد علّق ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء، قائلا: “تواصل الجائزة العالمية للرواية العربية مسيرتها بقائمة طويلة جديدة، تقدم كعادتها روايات تتنوع اهتماماتها وأساليبها وجمالياتها، بأقلام كتّاب وكاتبات من بلدان الضاد، تلتقي وتتقاطع هواجسهم لتصبح مادة روائية خصبة. القائمة الطويلة لهذا العام تشمل أسماء جديدة وأخرى وصلت إلى القوائم الطويلة سابقا. وتحتفي الجائزة بهذه الأسماء جميعا لدورها في إثراء الأدب العربي. “ تهدف الجائزة إلى الترويج  للرواية العربية على المستوى العالمي، ومن هنا تضمن الجائزة ترجمة الأعمال الفائزة إلى اللغة الإنجليزية. وقد تُرجم حتى الآن أعمال كل من بهاء طاهر (2008)، ويوسف زيدان (2009)، وعبده خال (2010) ومحمد الأشعري ورجاء عالم (2011)، وسعود السنعوسي (2013). ستصدر الترجمة الإنجليزية لرواية “طوق الحمام” لرجاء عالم عن دار دكوورث، المملكة المتحدة، في مارس 2015 ، كما ستنشر رواية “ساق البامبو” لسعود السنعوسي بالإنجليزية في يونيو 2015 عن دار بلومزبري – مؤسسة قطر للنشر. وتم الإعلان عن إصدار الترجمة الإنجليزية لرواية “فرنكشتاين في بغداد” لأحمد سعداوي الفائزة بجائزة عام 2014 في خريف 2016 عن دار وون ورلد في المملكة المتحدة ودار بنجوين في الولايات المتحدة. هذا وقد تحدّد يوم الأربعاء 6 مايو 2015 للإعلان عن اسم الفائز بالجائزة العالمية للرواية العربية في احتفال يقام في أبوظبي عشيّة افتتاح معرض أبوظبي الدولي للكتاب. ويحصل كل من المرشّحين الستة في القائمة القصيرة على 10.000 دولار أمريكي، كما يحصل الفائز بالجائزة على 50.000 دولار أمريكي إضافية. الجائزة العالمية للرواية العربية جائزة سنوية تختص بمجال الإبداع الروائي باللغة العربية. ترعى الجائزة “مؤسسة جائزة بوكر” في لندن، بينما تقوم “هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة” في الإمارات العربية المتحدة بدعمها ماليا.

على سبيل الغضب

-السمطي-شاعر-من-مصر

فوبيا 292

      الريحُ إيجابية معنا تماما أينما جهة تشظينا تقفْ لنقول لله الجميل: ألم يحنْ يا ربنا قبل القيامة نعترفْ؟ أنا نصلي للخطايا لم نزلْ بدموعنا الحسنى نفتش عن شرفْ أنا ولدنا كالرماد يهشنا طير خرافيّ وتنقرنا الصدفْ أنا تعرينا ليركبنا الغبيّ يقودنا الأعمى ويجهلُ من عرفْ أنا تكاثرنا وراء سلالة صنمية حتى كسرنا كالخزفْ نطأ الهزائم .. كالهواء وجوهنا كقفا العبيط المنحرفْ يتسلل الموتى إلينا .. ربّ حيّ ميت يعوي بجثته الخرفْ مليون عام في الضياع وفي الكراسي ثم شيخ أومسن أو هرِفْ مليون عام والأشاوسُ في سرير أحمر ووسامهم ..ماء الغرفْ مليون عام والمواجع في الرمال وفي المنافي في المتاحف والتحفْ مليون عام والحناجر طبلة يثغو على إيقاعها غنم الصحفْ جاء القطيع .. مضى القطيع وبالجماجم كم يزين عرسنا وهجُ النجفْ فنقصّ أشرطة المعارض نبدأ التصوير ننشر ما تكدس من قرفْ ويهرولُ الموتى إلى تشريفة وكبيرهم صنم لجوقته يُزفّْ جاء القطيع .. مضى القطيعُ وفي المواكب قهرنا وجراحنا لما تجفّْ أوطاننا مصلوبة والراية العذراء فض غشاؤها فمتى ترفْ ؟ لا شيء يحملُ أي شيء .. لا خيالٌ والحصادُ غبار تاريخ مُسفّْ صلواتنا شكلية مهما دعونا بانتصار لا عدو يرتجفْ وحياتنا شكلية ورؤوسنا كخيال حقل مات عند المنعطفْ سنموت أكثر ليس من أحد سنشكو عنده فلمن نروح وننصرفْ لم يبق إلا الله يا ربي أتسمح مرة قبل القيامة : نختلفْ هي سورة الأطلال نحفظها بنا وبكلنا.. نبكي علينا أو نقفْ *** خاص فوبيا  

فوبيا سهيلة بورزق

abd

فوبيا 162

  لونٌ يخاطبُ رجوعي إلى الماضي الذي أُعجِبُ ببعض ما فيهِ من التّفاصيل ,لا لأنّه غنيٌّ فحسبُ , بل لأنّ الصّورةَ تعيدُني إلى بدايات الحياة حيث دقّةُ العِناق مع البراءَة والخضرة والابتسامة المُتشظيّة المرميّة على الكتف الأيمن المليْء بالملائِكة التي لا أظنُّها إلا مرميّة تُحاكي الظّلامَ والرّفاهية النّاضجة التي تمدحُ و ترى وتقدّرُ الناظرَ الذي لا يُمدَحُ ولا يُرَى , بل يبشّرُ ويتجاوزُ المرئِيَّ أمامَه ليستدلُّ ويثور – مثل الصّورة -على الأقنعة والفراغ . صورةُ فوبيا تركيبٌ مُفكَّرٌ بنا لأنّ كثافة السَّواد الطّاهر يُفضي إلى تحرّي الملامح التي تضلُّ – تضلّني- المُشاهدَ وتضعُه إلى حيث السّلامةُ والوفرةُ الظّاهرة التي تُخفي السّعادةَ الغامرةَ المُهيمنة أوالمُؤجّلة . فوبيا ذات الشَّعر الأسود المخفيّ , أتذكّرُ هنا :” سوادٌ في سوادٍ في سوادي” . هذا العالمُ المكشوف – الصّورة الصارخةُ تقولُ الأشياءَ قبلَ أنْ تُسمَّى , لا توحي , كيف بالصّورة المرعبة الناضجة أنْ توحي ؟ فهي الصّادمةُ للقاريء ” لا المُشاهد فقط ” هذا الإيحاءُ أو الإدهاش ” القصديّة في الإيحاء والإدهاش لا يعني معانقةَ وقبضَ الوجه والشَّعر والسّواد والبياض والابتسامة والميلان فقط , بل تتملّكُني بهجةُ الصّورة إلى درجة أنّي كنتُ معَها في الجانب الأيمن حيث ميلانُ الرّأس , إنّها “وحدَها ” الصّورةُ الباهظةُ بالحركات : الصّورةُ الصائِتة ونحن أمامَها الصّامتون , لكنّي أنا ظلالُها وكلُّ سوادِها , كلُّ الموبقات لي , فكلُّ الإيمان لها , إنْ قِبلتْ بي صّورةُ فوبيا .   عبد اللطيف الحسيني كاتب من سوريا صفحته على الفايسبوك: https://www.facebook.com/alhusseini66?fref=photo  

لُعبة السّرد والسّؤال في: من أيّام عمران وتأمّلات أخرى لمحمود المسعدي

adel7

فوبيا 344

    I– خيوط اللّعب في نصّ الأدب: استندت العلاقة بين الفنّ واللّعب، إلى تراث جماليّ ضارب في الثّراء والتنوّع تغذّى من تفكير فلاسفة، وتأمّلاتهم، على نحو ارتقى إلى مراتب من الجدّية والصّرامة العلميّة. فقد أفاض كانط في الحديث عن لعب التّمثيلات، وفتحه على مجازات اللّعب([1]) وجعل شيللر اللّعب وسيطا في إنشاء الخيال، وهو يقارب الفنّ من جهة المنظور الرومنطيقي([2])، إلاّ أنّ اللّحظة الفارقة في التّعامل مع مفهوم اللّعب، بدت ضمن بحوث غادامير([3]) الذي دقّق الوصل بين الفنّ ورهانات اللّعبة، فقد ميّز هذا المفكّر في الجماليّات، بين ثلاثة ملامح، أقرّ بأنّها السّمات التي تطبع اللّعب، وتجعله مستقرّا للفنّ والإبداع هي: 1- اللّعب تقليد راسخ في الثّقافات، غايته إنتاج المعنى. 2- اللّعب يتجلّى في الإبداع، لعبة خادمة لنقد الوعي الجماليّ، عبر طبيعتها     الاستعاريّة، وبوأرتها على اللاّعب. 3- اللّعب في بعض خصائصه، تمثيل ذاتيّ([4]). وعلى هذا النّحو، أمكن لغادامير أن يطوّر وجهة النّظر اللّعبيّة، عندما وصل بين صعيديْ النّشاط الجدّي واللّعبيّ، معتقدا أنّه “من الواضح لنا على نحو مباشر، أنّ أيّ صورة من النّشاط الجدّي، يظلّلها طيف من السّلوك اللّعبيّ”([5])، وبلغ هذا التطوّر في وجهة النّظر مبلغه الأشدّ، ضمن ما فتحه هذا المفكّر في الجماليّات، من كوًى في مفهوم التّمثيل. أقرّ غادامير، أنّ اللّعبة تقدّم نفسها بوصفها تمثيلا للذّات، ثمّ تجاوز في سياق ذلك، التصوّر التقليدي للمحاكاة، الذي يعتبرها تقليدا من الدّرجة الدّنيا، وجعلها عمليّة في الفنّ، تنقلنا من الواقع إلى الحقيقة، عبر مبدإ التعرّف، فالمحاكاة “لا تعني الإحالة إلى أصل، باعتباره شيئا ما مختلفا عنها، وإنّما تعني أنّ شيئا ما، ذا مغزى، يكون ماثلا هناك باعتباره ليس شيئا آخر بخلافها. فليس هناك معيار طبيعيّ معطى يقرّر لنا إذا ما كان تمثيل ما، يُعَدُّ ذا قيمة أم لا. من المؤكّد أنّ كلّ تمثيل يُخَاطَبُ، فهويمثّل بالفعل في حدّ ذاته إجابة عن السّؤال المتعلّق بسبب وجوده”([6]). إنّ اللّعب، بهذه الخصائص والسّمات، إنّما هو أداة مساءلة لنصوص الإبداع الأدبيّ تتوجّه إلى تمثيلاتها، وما وقر فيها من محاكاة للواقع وللحقيقة، وتختبر فيها تجارب الإنصات إلى الرّاهن والأزليّ، لتخترق حجب أنظمة الدّلالة المعتّمة، وتقدّمها على نحو من التّأويل والفهم جديدين. ولذلك فقد منح المنظور اللّعبيّ إلى الرّواية والسّرد، ما حوّلها إلى لعبة استعاريّة، تتّخذ روح اللّغز، يحرّكه الرّاوي، ويدعو المتقبّل إلى حلّه، عبر التفطّن إلى الخاصيّة اللّعبيّة الماثلة فيه. وقد وجدنا في نصّ المسعدّي “من أيّام عمران، وتأمّلات أخرى” لعبا جدّيّا ملغّما بالأسئلة الدّائرة حول قطبين هما السّرد والسّؤال، فضلا عمّا صرّح به النصّ نفسه في المتن، عبر تسمية اتّخذها ليوم من أيّام مرحلة الفقدان هو “يوم اللّعب”([7]): عمران – دمعة من خمرة. دانية – لا، بل دمعة وخمرة. عمران – أرأيت عيني ؟ أرأيت وجهي ؟ أرأيت … ؟ لعب الحياة يعجبني. دانية – وجهي برهان. ثدياي ظلام أم بيان ؟ إنّه خطاب ملغز، يسلّم بأنّه لعبيّ عبر استعارة بها تحيا العديد من الثّقافات هي “الحياة لعبة” تجعلنا أمام لعبة الكتابة متيقّظين لأسئلة تتسلّل شيئا فشيئا من قبيل: كيف تمّ التّعاقد بين النصّ ومفهوم اللّعب ؟ وأيّة علاقة يمكن أن تنشأ بين لعبيّة السّرد ولعبيّة السّؤال؟ II– لعبة السّرد: الدّوران في رياح الأفكار: لم ينشأ السّرد في نصّ المسعدي “من أيّام عمران” من مألوف القصّ ومنوال الرّواية، أي على أنحاء الاتّساق في تقديم الأحداث والوقائع، أو بمنطق التّتابع في سوقها، بل السّرد هو اقتفاء أثر الأسئلة َتتٍْرَى وتتتابع، لعبا بالتّواتر، وتحويلا له إلى توتّر، حتّى أنّ تأسيس المعنى لا يكون دون أحداث متسائلة، تجمّع قصّة عمران في ذاكرة المعنى ذاته وتحوّل الحبكة، بما هي كيفيّات انتقاء من الرّاوي لمادّة سرده وتركيبها على نحو يثير المتقبّل، إلى لعبة سرديّة أثيرة. كلّ الحبكة تولد من الجمل السّردية الأولى في يوم النّزول من الجبال، مكثّفة الوقائع داعية لاحق الأيّام الثّمانية والعشرين إلى أن تكون استدلالا عليها، بلعبة أخرى، مدارها “فقر قصار سراع، تقفز بنا قفزا من موقف إلى موقف، ومن حال إلى حال، تارة بالقصّ وتارة بالحوار”([8]). يقول الرّاوي في فاتحة النصّ: قال: أريد أن أذهب إلى الأعماق. ثمّ أمسك ساعة، ثمّ قام يمشي ساعة، ثمّ قال: أعماق الأرض أم أعماق البحار ؟ وكأنّما هو “ناعورة” تدور في رياح الأفكار. قال: أريد أن أغوص على السـرّ([9]). يعود إلينا السّرد بذلك حركة باحثة عن سرّ مكنون، هيأتها متشكّلة بحال الألغاز، تفكّ أسرارها بمقدار الفطنة في إدراك الجواب، وإسكات السّؤال. إنّنا إزاء سارد شخصيّة يجسّد وجها من وجوه مأساة الكائن، وهو ينحدر بلعبة الوجود إلى ألعوبة الحياة، وإزاء نصّ يبني السّرد على السّؤال، أليس السّرد سؤالا جوهره، لم نسرد ؟         1- لعبة الهُويّة السّرديّة:         إذا كانت الهُويّة السّرديّة، نوعا من التّعّينات التي تكتسبها الذّات من خلال وساطة تمارسها الوظيفة السّرديّة، فإنّ نصّ المسعدي بقدر إدراكه لوجاهة تحديد هويّة شخصيته السّرديّة، فقد مضى في إلباس عِمران ما به ينأى عن سائر الأسماء التي عمّرت كون المسعدي الرّوائيّ، “أبو هريرة – غيلان – مدين – السّندباد” من جهة الفضاء، فأرض عمران غير التي ألفنا، ثالثة، بين صحراء وهواجرها وجبل أجرد ومصائره، وبين عوالم المدن وأفضيتها، هي أرض فيها الجبل وفيها البحر، أقرب إلى “أراضي أهل الغرب، منها إلى أراضي العرب”([10]). يبدو عمران منقطعا عن سائر أسماء المسعدي وأبنائه الافتراضييّن، من جهة النّفس وجوهر الرّوح، فهو ليس في لين أبي هريرة ووجدانه البكّاء، ولا كغيلان في إرادة النّحت ومجاورة الصّخر، بل وليس عِمران، كذات بطل “النّسيان” ينشد اختراع ضديد للفناء، يُميت به الموت، إنّه لعبة التّنويع في قصّة الإنسان، يفكّر في الكيان ويتأمّل ما وراء الآفاق، ويسأل عن غايته من كلّ طريق، مرتحلا في معنى الوجود، على نحو مغاير مختلف عن سائر أسماء أبطال المسعدي، يخوض تجربته في الحياة، حروبا حيّزها الفكر، وأيّاما من أيّام العرب، سلاحها الأسئلة التي تبني الحركة وتوجّه الرّحلة. إلاّ أنّ لعبة الهويّة السّرديّة في نصّ المسعدي، لا تفتأ تتشكّل، عندما نتأمّل ذات عمران، لا من جهة انقطاعه الذي يضع فرادته، وإنّما من جهة مطابقته واستمراره مع تلك الأسماء. عِمران الحكاية يرتقي قمّة الجبل كأبي هريرة، وتحتويه أعماق الماء وطهارته كالسّندباد، تعرّف إلى صاحبته دانية على سفح الجبل، فتعاشرا بتحويل النّكرة فيهما معرفة بينهما، وتاها في أبعاد الكيان بكلّ جزم شكّ وحيرة إيمان. أليست لعبة الهُويّة السّرديّة على هذا النّحو، وهي تمسك بذات عمران بين معرفة وتأويل، وبين انقطاع واستمرار، أقرب إلى تجسيد لعبة كتابة المسعدي لحافّة المسيرة، في ما يسمّيه إدوارد سعيد “الأسلوب الأخير”([11]) فعمران الذي لم يكن كسائر أبطال المسعدي في وجوه، وكان لها مشابها مرّات، هو صورة كاتبه وباني لغزه، الذي ارتحل في تجارب الكتابة وتخوم الأجناس، ولمّا دنت النّهاية، أراد أن يقول كلمته الأخيرة في هوية سرديّة، تأخذ من كل ذات بطرف، لتواجه شروخ النهاية ودوائر الموت. 2- لعبة التّمثيل السّرديّ:         تكتمل دوائر اللّعبة السّرديّة في نصّ المسعدي، لحظة تجسيده اللاّفت لمفهوم التّمثيل، هذا المفهوم المخاتل والمراوغ، فالتّمثيل وإن كان استحضارا للبدائل المجازيّة انطلاقا من صورة ذهنيّة أو حسيّة في مستوى البناء، فإنّه يرتحل بنا في شعاب دلاليّة مفارقة في مستوى المعنى، إذ تأمّل الجذر (م-ث-ل) يوقفنا على مدلول التّسوية بين المختلفين، أو على معنى الشّبه أو التّمثال، أو الدّليل والحجّة، بل ويشرف على مدلول العقوبة والتّنكيل([12])، وليست مراوغات الدّلالة المتعدّدة في التّمثيل، ببعيدة عن مراوغات التّعارض بين تصوّرين للمفهوم غربيّ وعربيّ. إنّ التّمثيل وإن كان في الثّقافة الغربيّة إنتاجا للنّظير واسترجاعا له، فإنّه في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة منقطع عن مبدإ “كما لو أنّ”، (Acting as if )، يكتفي بكونه مجرّد تمثيل استعاريّ، المعطى الثّاني فيه، يمكّننا من التعرّف إلى المعطى الأوّل([13]). وضمن هذا المدار، حاول نصّ المسعدي “من أيّام عِمران” أن يحوّل السّرد إلى لعبة تمثيل تدور في رياح أفكار الكتابة، وتعبّر عن لطيف أسئلة الذّات، وقد أثارتنا صورتان تمثيليّتان، نودّ التوقّف عندهما: أ- تمثيل الكائن يتدرّب على الموت: وقد ورد في يوم القحط، ونصّه: يقول الرّاوي “تعلّمي قصّة شيخوخة الحياة، إنّي كنت وأنا صبيّ، يقتل الحشرة غيري، فأوجع ثمّ صرت أقتلها أنا، فأوجع، ثمّ صرت أقتلها أو تقتل بين يديّ ولا أشعر… ويقول: ترين كيف يُفرش للموت”؟([14]). يتأسّس هذا المقطع التّمثيليّ على لعبة تكوينيّة، تُبنى فيها الفكرة بالتدرّج ويتحوّل فيها الموت تدريبا يوميّا يخوضه الكائن، مختبرا الألم فيه، مروّضا الأوجاع، وقد أفنى شعوره، حتّى تنتهي المحاولة شرف استعداد للموت. إنّ التّمثيل السّرديّ لكلّ هذه الحالات الوجوديّة التي عاشها عِمران، تذكّرنا بشرف المحاولات التي نادت بها أدبيّات الوجوديّين، وهي في نفس المقام، حالات لاعب سرديّ يرتاد التّخوم بمثل ما ارتاد فاعل الكتابة حدود الإبداع وأسيجة الأجناس في إنشاء نصّ تجريبيّ كان أحد مياسم عالم المسعدي الأدبيّ. ب- تمثيل الكائن يتعرّف على الجمال: وورد في يوم الخندق ونصّه: “انحدرت الشّمس على المغيب، فإذا ما بالخندق من الماء يعكس صورتها، فقال: انظري هذا جمالها. مغيب الشّمس على الخنادق القذرة، فكرّهني والله في الشّمس، وقبّح في عيني مغيبها باقي حياتي”([15]). قوام السّرد في هذا المقطع لعبة تبادليّة، استعاض فيها لاعب السّرد عن مغيب الشّمس في الأفق والطّبيعة، بمغيبها على الخنادق القذرة، واستبدل جمالا حقيقيّا بجمال نكتشف فيه جهة من جهات الوجود، إلاّ أنّ اللّعبة التّبادليّة في المقطع التّمثيليّ، ليست مجرّد لحظة اصطراع بين إيمان دانية وشكّ عِمران، أو بين حسّها النّاعم وعقله المتيقّظ، أو بين مباشرتها الدّنيا وفلسفته لها([16])، بل هذه اللّعبة في التّمثيل هي ارتحال من حيّز الواقع المنظور إلى أبعاد الفكر المجرّد، وقد استوت اللّوحة لافتة ناطقة بفلسفة الفنّ والجمال عند نيتشه، أقامها في مسلّماته على تجاذب بين العنصرين الأبولونيّ والديونيزيوسيّ، اللّذين منهما يستمدّ الفنّ مقوّمات نموّه، وبذلك يرتقي الفنّ والجمال لديه إلى قيمة تعلو الحقيقة وتتجاوزها في معناها الأفلاطونيّ، لأنّهما اكتشاف للوجود من جوانب تشاؤمه، وتعايشا مع حقائقه حتّى يستطيع الإنسان التغلّب عليها. وينتهي بنا هذا التّمثيل السّرديّ إلى ملامسة ملامح التّراجيديا والمأساة كما يصوّرها نيتشه، بما تعنيه القيمتان من اكتشاف للوجود وللحياة([17]). يتحوّل عمران في هذا التّمثيل السّرديّ، وغيره من التّمثيلات، إلى هيأة بطل نيتشويّ هو “إنسان المأساة” أو “الإنسان المأساويّ” وهو ذات مجالها النّفس المتنازعة التي لا تصارع قوى العالم والوجود، إلاّ بمقدار ما تصارع ذاتها، وقواها الدّفينة المظلمة، وإنّ هذا الإنسان المأساويّ الذي يعيش في ملعب التّراجيديا، هو إنسان كائن انقلابيّ، عمله في الإشكاليّات التي لا حلّ لها، كمحارب لغزيّ، يتضادّ مع “الإنسان النّظريّ” الذي يسمه نيتشه بمياسم الشّيطان، لأنّه كاشف قوانين الطّبيعة بملكات العقل، ومصحّح العالم بالمعرفة، تضيق لديه دائرة الإشكاليّات لذلك فهو يذكّرنا بأنبل أشكال الفرح اليونانيّ. إنّ الانتصار للإنسان المأساويّ في لعبة التّمثيل السّرديّ، ليس مجرّد إعادة لمفهوم الأدب المأساة الذي كان مهاد أغلب نصوص المسعدي، وإنّما هو بعث لتصوّر جديد للكائن الأدبيّ أو الأدب الكيان، وهو أدب صاغه الكاتب في تأمّلاته، وعقد فيه الوصل بين القول والكيان وبين النّطق والكينونة على هذا النّحو “ليس من الأدب على أيّ وجه أن تقول لتقول، وإن أبدعت حرفا ولحنّا، وإنّما هو أن تكون لتقول، وأن تقول لتكون نحتا وتمحيصا”([18]). وبذلك تذكّرنا لعبة التّمثيل السّرديّ عند المسعدي بصيغة “كما لو أنّ” التي تجافي التّمثيل الإستعاريّ البسيط، متوجّهة نحو إنتاج النّظير واسترجاعه، مكسّرة لأصنام الكتابة وأسيجتها.  III– لعبة السّؤال: الغياب في التّسآل: تُجافي الجمل القصصيّة في نصّ المسعدي، كثافة العمل السّرديّ، وتضعف في الخطاب، أبعاد فعل الشّخصيّات المظهريّة، لتتحوّل إلى أعمال مسائلة، تلوّن أغلب أيّام عِمران ودانية. يبدو السّؤال في الخطاب السّرديّ التخييليّ تفاعلا معلنا مع تصوّرات ينهض عليها الخطاب التأمّلي العقليّ، الذي عقد الصّلة بين الكينونة والسّؤال، من قبيل تأمّل للمسعدي يعلن فيه “إن كنت تريد أن تكون، وأن تكون إنسانا، فآجعل كلّ حياتك سؤالا، وكلّ طريقك سرّا لا يني”([19]). وتنبثق لعبة السّؤال في هذا النصّ، عبر انتحاء سمت ضربين من الأسئلة: أ- الأسئلة الصّريحة السّافرة: وهي ضروب من الأسئلة المتولّدة من بلاغة معاني عمل الاستفهام، أو من جمل تقريريّة صرف تعلن السّؤال على نحو: – “لولا السّؤال والسّائل، لبقي الكون قفرا، والوجود عبثا وسخرا”([20]). – “ألا ترين أنّ كلّ إله جواب عن سؤال، وأعظم سؤال تحدّى كلّ جواب هو الإنسان”([21]). – دانية: أليس من اللاّزم أن يكون للوجود معنى ؟ ([22]). وتنعقد على إنشاء خطاب ينتشي بالمساءلة، اعتبارا لكون شرط وجود الكائن إنّما هو في السّؤال، به يعمّر الكون ويؤثّثه، بل إنّها أسئلة تحصر وجود المعنى في السّؤال لتبعث معنى الوجود في التّسآل، إذ الكائن لغز وحيرة والآلهة طمأنينة وقرار. ب- الأسئلة المقنّعة المضمرة: وهي أسئلة يقيمها نصّ المسعدي عبر ما يمكن تسميته، بالتّأويل السّردي للسّؤال، فهي من قبيل الأسئلة المصوّرة التي تتضاعف فيها طبقات المعنى، على نحو: – “قال: أريد أن أغوص على السـرّ”([23]). – “مأساة مغامرة الوجود الإنساني في الكون، مغامرة الكيان الذي به وحده يكتسب الكون معناه وشرفه وعظمته، فالكون في صمته هول في هول بدون معنى، إذا لم يعنه الإنسان”([24]). إنّها أسئلة تمثّل لعبة المغامرة الوجوديّة في كلّياتها، إذ الكائن وهو يجرّب، فإنه يخوض من التّجارب ما يدنيه، من اكتشاف سرّ الوجود، بمعنى سؤاله الأعمق، إلاّ أنّه بحث لا يرتضي القرار والاستقرار، لأنّه متى بلغ رتبة إدراك الأشياء قتل الفعل، الذي يقوم على ستّار من الوهم متواصل. إنّ ما يدركه عِمران في أيّامه، هو ما أدركه الإنسان متى ألقى نظرة واحدة على الوجود، يدرك الهول واللاّمعنى والعبث، إلاّ أنّه في المحاولة وبعث المحاولات، يُكسب ذاك الوجود المعنى وذاك الكون العظمة وذاك الفعل الشّرف. أليست الأسئلة في جوهر طرحها، سيرة ذات تسكن في التّسآل، لتختزل معنى الوجود، وشروط امتلاء الكيان، هي ذات لاعب يختبر بالفكر كلّ أمر، ويذهب فيه إلى منتهاه، بمقادير ما تسعفه النّفس، والوقائع، فلا ينتهي “إنسانا لاعبا:  Homo Ludens “، وإنّما “إنسانا فطنا ذوقيّا: Homo Sapines  “، يحوّل الكتابة إلى تجربة تنعتق من شواغل روح الفرد، لتلامس هموم روح الثّقافة، وذاك هو المسعدي الذي حارب آفة الطمأنينة بالسّؤال.                                                                     عـــادل الغــــزال                                                                   أستـــــــاذ مبـــــــرّز                                                          Adel.elghazel@gmail.com ([1]) إيمانويل كانط (Emmanual Kant): ويمكن مراجعة عمليه، نقد العقل المحض، نقد ملكة الحكم. ([2]) مراجعة: عطيّة الشّايب بن عطيّة، عرض تحليليّ لرسائل حول التّربية الجماليّة للإنسان لشيللر ضمن موقع: www.airssforum.com ([3]) هانس جورج غادامير (Hans Georg Gadamer): ونعني بذلك عملين هما: – Vérité et méthode – L’actualité du Beau ([4]) Hans Georg Gadamer : vérité et méthode, Ed, Seuil, 1976, p p 27-36 ([5]) مراجعة: هانس جورج غادامير: تجلّي الجميل ومقالات أخرى: ترجمة ودراسة وشروح، سعيد توفيق، المجلس الأعلى للثّقافة، المشروع القومي     للتّرجمة,1997,ص,256 ([6]) مراجعة: تجلّي الجميل ومقالات أخرى…، ص 251. ([7]) محمود المسعدي: من أيّام عمران وتأمّلات أخرى، تحقيق وتقديم: محمود طرشونة، قراءة، توفيق بكّار، دار الجنوب للنّشر، ط 1، تونس،    2002، ص 65. ([8]) توفيق بكّار: قراءة في “من أيّام عمران” وردت في نصّ المسعدي على سبيل التّقديم له، ص 41. ([9]) محمود المسعدي: من أيّام عمران وتأمّلات أخرى، ص 49. ([10]) توفيق بكّار: تقديم من أيّام عمران، ص 29. ([11]) Stathis, Gourgouris : The late style of Edward Said, Alif, n° : 25,2005, p p 37-45 ([12]) مراجعة، ابن منظور: لسان العرب، مادة (م-ث-ل). ([13]) العادل خضر: الأدب عند العرب: مقاربة وسائطيّة، منشورات كليّة الآداب بمنّوبة، دار سحر، تونس، ط1، 2004. ([14]) محمود المسعدي: من أيّام عِمران وتأمّلات أخرى، ص 104. ([15]) محمود المسعدي: من أيّام عِمران…، ص 61. ([16]) توفيق بكّار: قراءة في “من أيّان عمران”، ص 34. ([17]) فريدريك نيتشه: مولد التّراجيديا، ترجمة شاهر حسن عبيد، دار الحوار للنّشر والتّوزيع اللاّذقيّة، سوريا، ط1، 2008. ([18]) محمود المسعدي: من أيّام عِمران وتأمّلات أخرى، ص 123. ([19]) محمود المسعدي: من أيّام عمران، ص 129. ([20]) نفسه: ص 92. ([21]) نفسه: ص 54. ([22]) نفسه: ص 75. ([23]) نفسه: ص 49. ([24]) نفسه: ص 69.

الحالة دايت

2635718-e13167206992611

فوبيا 165

سيرة للموت والكتابة   في كتابه «الحالة دايت… سيرة الموت والكتابة» الصادر حديثاً عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، يضعنا الروائي والناقد المصري سيد الوكيل، من الوهلة الأولى، في غمار تأمل سيرة الموت. لم يؤجل الوكيل طرح الأمر، فاستهل نصه هكذا: «أعطانا أبي فرصاً عدة لموته، ومع ذلك لم نُعِدّ له مقبرة تليق بغربته الطويلة». حالة الأب هي الأبرز، لكن الوكيل يتوقف كذلك أمام موت آخرين من عائلته وأصدقائه، في الجزء الأول من الكتاب المخصص لسيرة الموت والذي يتسم بالسرد الروائي، فيما الجزء الثاني من الكتاب المخصص لسيرة الكتابة يغلب عليه الطابع النقدي. ثمة سبيكة واحدة إذن تجمع السرد الروائي والنقد الأدبي، لكن الامتزاج هو الذي قاد الكتابة منذ الاستهلال الأول حتى الخاتمة، والكاتب كما يتحدث عن أبيه وأمه، يتأمل ظاهرة الموت عبر كتابات لأبناء جيله، يتأمل مأساة جيله (الثمانينات) عندما ترصدهم الموت واحداً بعد الآخر: مجدي الجابري، محمد عبد المعطي، حاتم عبد العظيم، إبراهيم فهمي، علي شوك، وآخرين. لم ينصب الوكيل مائدة عامرة ليستدعي أفكاراً فلسفية من سفر الموت، بقدر ما وضعنا أمام الموت كظاهرة موجودة في قلب الحياة، فالإنسان لا يموت، بل يتحول إلى كائن شفاف ولكننا لا ندركه بيننا، فالأب ينادي أمه، ويتحول إلى طفل يلهو مع ابن الجيران، وتكون هذه إنذارات متعددة للعائلة، تنبئ بقدوم الموت لا محالة، لكن العائلة لا تقوم بالواجبات اللازمة لاستقبال هذا الموت، والكاتب يجدها فرصة لطرح أفكار عدة حول طقوس الحزن على الموتى، وأصولها، ولا يجد غضاضة وهو في سياق السرد الروائي أن يقتبس فقرات من أبحاث، ويستند إلى آراء مأخوذة من كتب، كما أنه لا ينسى أن يكتب في الخاتمة :»جميع الأسماء الواردة هنا لكُتّاب معروفين، تتجاوز الحقيقة بقوة الخيال». سنلاحظ أن الكاتب وهو يقتبس عبارات وأفكاراً عن الموت، من كتابات أصدقائه الأدباء، سرد معاناتهم. هكذا فعل مع علي شوك، الذي ذهب إلى الخليج للبحث عن نافذة جديدة للحياة، ولكنه لم يعد إلا بالمرض الذي أفضى به إلى الموت. ونجده يفتش في أشعار محمد عبد المعطي، أو في روايات وقصص نعمات البحيري، فينقل عنهما عبارات مفعمة بالحياة. الكاتب إذن لا يسرد سيرة الموت، بقدر ما يسرد سيرة الحياة لجيل – كما يعتقد – لم تتوافر له سوى عناصر الإحباط. وعلى رغم ذلك لا نشعر بالمناخ الإحباطي والكافكاوي الذي يخيم على روايات تتناول ظاهرة الموت، فالموت – كما أسلفت – وكما يبدو في الكتاب، ليس مجرداً، فهو يولد مع ولادة الحياة، وهو مقرون بها دوماً، لذلك سنجد أن الكاتب وهو يسرد حيوات موتاه، يسرد تجارب عشقه ونزواته وخياناته الصغيرة، فالراوي، وهو في حضرة الموت – موت أبيه – يناوش جارته عاطفياً، على سبيل المثال، ويستدعي مواقف موتاه المفعمة بالحياة والضاجة بمطالبها. لا يتوقف الوكيل عند أصدقائه الراحلين فقط، بل أيضاً يكتب عن تجارب إبداعية عن وفي الموت، مثل روايتي «شجرة أمي» لسيد البحراوي، و «بمناسبة الحياة» لياسر عبد الحافظ. وينوه إلى أنه على رغم وضوح الموت بقوة في رواية ياسر عبد الحافظ، إلا أنه يختار له عنوان «بمناسبة الحياة» وتختلط عنده سيرة الموت بالحياة، اختلاطاً مدهشاً. ورواية «شجرة أمي» لسيد البحراوي؛ الذي كتب هذا العمل بعد تجربة طويلة في ممارسة النقد الأدبي، تستدعي أيضاً أشكال الحياة كافة، ولا يتوقف صاحبها كثيراً عند لحظة الموت، وهو يسرد مفردات الحياة كأنها مقدمات لحياة أخرى، اتساقاً مع اعتقاد قدماء المصريين أن الموت ليس إلا الشكل الأمثل لحياة أكثر خلوداً، وأكثر قداسة، وأكثر نقاء.

شيزوفرينيا سياسية

DSC_0123-e13162995339521

فوبيا 207

تحفل الساحة السياسية بعدة أمراض تقف عائقا أمام الفعل السياسي النبيل والناجع، إن لم يتم معالجتها، وتبرز الشيزوفرينيا السياسية كإحدى أخطر هذه الأمراض. وتتمظهر من خلال عدة سلوكيات متناقضة ما بين الفعل والكلام لدى بعض ” الساسة”، ويمكن أن نقول عن “سياسي” ما أنه مصاب بالشيزوفرينيا السياسية – على سبيل المثال لا الحصر- إذا كان: يستورد آليات الحداثة ويعمل بوسائلها….ويلتحف بالأفكار الرجعية. *    *    *     * يعد بغد أفضل…..ولا يرى النموذج إلا في الماضي. *    *    *     * يقول أنه يمارس السياسة (شؤون الدنيا)….. ويمتطي صهوة الدين. *    *    *     * يعمل للحصول على السلطة لتسيير شؤون الحياة….ولا يقدم للناس إلا وعودا في الآخرة. *    *    *     * يطالب بتجديد النخب…..ويشد بنواجذ خاصرته على الكرسي. *    *    *     * يدعو إلى وحدة الصف الداخلي للتنظيم السياسي….ويطبق مبدأ «فرق تسد». *    *    *     * يتحدث عن التخطيط الاستراتيجي….ولا تكون خطواته إلا تجسيدا لهواه. *    *    *     * ينافح عن العقلانية والمعرفة العلمية….ولا يمشي إلا اعتمادا على عكاز الخرافة والارتجالية. *    *    *     * ينتقد أمورا وأوضاعا وهو في صفوف المعارضة….ويدافع عنها وهو في الحكومة. *    *    *     * يطالب بالتغيير السياسي…ويقبع في منازل الإنتظارية. *    *    *     * يتحدث عن عمله من أجل آمال المواطنين…. ويتاجر بآلامهم. *    *    *     * يتبجح بالحديث عن التعددية الحزبية….ويعتقد أنه وحده من يمتلك الحقيقة السياسية. *    *    *     * يقول بأنه يساهم في تشييد مجتمع المعرفة….ولا يقرأ. *    *    *     * يتحدث عن ضرورة العمل بواسطة المؤسسات والتنظيمات….ويستأثر بالتسيير والرأي مفردا. *    *    *     * يتبجح بالحديث عن قيمة العمل السياسي وأهميته….ولا يجيد إلا لغة التسويف. *    *    *     * يشيد بفضائل الشجاعة السياسية….ويصمت عن الحقائق ليحقق لنفسه مكاسب رخيصة. *    *    *     *

فبراير0 Posts
أبريل0 Posts
مايو0 Posts
يونيو0 Posts
يوليو0 Posts
أغسطس0 Posts
سبتمبر0 Posts
أكتوبر0 Posts
نوفمبر0 Posts
ديسمبر0 Posts
يناير0 Posts
فبراير0 Posts
مارس0 Posts
يونيو0 Posts
يوليو0 Posts
أغسطس0 Posts
أكتوبر0 Posts
نوفمبر0 Posts
ديسمبر0 Posts
يناير0 Posts
فبراير0 Posts
مارس0 Posts
أبريل0 Posts
يوليو0 Posts
أغسطس0 Posts
سبتمبر0 Posts
أكتوبر0 Posts
نوفمبر0 Posts
ديسمبر0 Posts

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

فوبيا، والتي تعني باللغة الإنكليزية عقدة الخوف اللامنطقي، وهي حالة مرضية يصاب بها الإنسان. ورسالة فوبيا الأدبية، هي لبعض الأنظمة في الشرق الأوسط الذين يخافون الكلمة وقوتها أولا، ولبعض من الكتاب الذين لديهم الخوف من زملائهم الكتّاب والمنكفئين على أنفسهم ثانيا.