My marvelous first thumbnail

إهداء


* أترحم على كل من فقد عصمته من يده
* قد أكون أنا أو أنت أو الكثيرون غيرنا
* لاأدرى من يواسى من !
* أستدعيكم جميعا لتكونوا شاهدان عيان على شهادة وفاة أو بعثى من جديد بشهادة ميلاد جديدة
* هل من الممكن حقا !
* ربما
* فلنتفق جميعا على كلمة واحدة ، متحررين من عبوديتنا وهواننا لتعود إلينا عصمتنا بحق

( 1 )

انكمش داخل نفسه بعد موت والده المفاجىء ، الحسرة ملأت قلب أمه ، النسوة فى القرية أخذن يثرثرن بكلمات أشعلت فجيعتها :

* كان مهنيها ومستتها

خرجت الأم مكرهة للبحث عن لقمة عيش تسد رمقها ، لم يكن هناك مجال غير زراعة الأرض ، لم تستطع مجاراة النساء الأجيرات فى عملهن ، لقد تعودن وتمرسن على خدمة الأرض واكتسبن خبرة بذر البذور والجنى وخلافه ، سرعان ماتعودت على ذلك مجبرة ، يتندرن عليها فى الخفاء سواء نساء قريتها أو رجالها :

* الزمن جار عليها

ابنها “سمير” هو الآخر تحمل نصيبا وافرا من المسئولية ، أحيانا يرافق أمه إلى الحقل للعمل كنفر ، النساء والفتيات لايدعهن فى حاله ، أن سلم من معكاستهن الصريحة لايسلم من الغمز واللمز ، شعره الأسود الناعم وعيناه الخضراوان الناعستان تستفزان أنوثتهن وتشعلان الفتنة والرغبة المسعورة داخلهن ، وسامته المفرطة تنسيهن أنفسهن ، أحيانا يداعبنه بكلمات تخدش الحياء أمام أمه من قاموس كلماتهن المعدة والجاهزة سلفاً :

* إنت صوتك تخن ……. ؟ الظاهر إنك ……………..
* أنا لا أخاف إلا من الأزهرية

أمه الجريحة تندفع منها كلمات لتغيير حديثهن أو تعترض عليهن بكلمات مهزوزة والحزن يعتصرها من الداخل :

* الولد صغير ……….. ماتفتحوش عينه على الكلام الفارغ ………

ربما تكون تلك الكلمات اعتدن عليها للتسلية وإهدار ساعاتهن العصيبة تحت وطأة البرد اللاسع أو الشمس الحارقة . تلك الكلمات تصيب سمير فى مكمنه ، يخفى عينيه بين شتلات الزروع على استحياء ، يضيع فى أفكاره المتشابكة ، دائما ينادونه باسم أمه  ” سكينة ” ، نسين والده تماما بعد رحيله ، يحترق من داخله ، غير قادر على مجابهتهن أو دفع الأذى عن نفسه . كان عليه جمع مصاريف دراسته أثناء العطلة الصيفية ، طالب بالمعهد الأزهرى الوحيد بقريته الذى أنشىء مؤخرا ، زملاؤه فى الدراسة أكثر ضراوة وسخرية من نساء القرية ، لايعرفون غير :

* سمير ابن سكينة

دائما ينهالون عليه بالضرب والسب لأسباب غير واضحة فى مخيلته ، قوة عضلاته شبه معطلة ، سلبية ، لم تتلق أمر الدفاع عنه بسبب خوفه الشديد ، تفشل فى مواجهتهم ، كذلك تكاثرهم عليه يصيبه بالإحباط واليأس ، يقف بجانبه دائما صديقه الوحيد ” راشد ” ، يجمعهما فصل واحد ، تشابه معه فى بعض الظروف ، يتيم الأب هو الآخر ، حلت والدته محل والده وإن كانت هناك فروقا واضحة ، تملك أرضا زراعية عن زوجها المرحوم ووالدها ، ليست بالممتدة الشاسعة ولكنها بين أهل قريتها من الملاك البارزين ، من عائلة البرهومى المتشعبة بالبلدة إلى حد ما ، يكفى أن ابنها راشد ينادونه باسم والده ، جذوره تنتمى إلى بلاد أخرى ولكنه استوطن بالقرية منذ زمن بعيد فاستحق هويتها بحكم إقامته فيها ، ارتضته السيدة زوجا لها بعد أن تقدم بها العمر ، ربما كان يرجع لفقرها الشديد فى أنوثتها وجمالها ، تتعامل كالرجال ، ابنها راشد يشعر بالخجل عندما يجمعهما طريق واحد سواء إلى الحقل أو عند قضاء بعض المصالح معا ، يتنكر لها أحيانا إذا سألته إحدى النسوة :

أمك مين ياضنايه ؟

يصمت أو يحاول تغيير الحديث ، ليست لديه القدرة على مواجهة أمه أو الشجاعة للفت انتباهها أو عتابها أو حتى الاعتراض عليها ، مازال يذكر حينما تأفف من أسلوبها الرجالى الجلف وكلماتها الفجة المزلزلة التى اعتادت عليها :

* حاولى تتكلمى بصوت …………

قاطعته محتجة ثائرة صارخة بصوتها الحيانى المميز دون أن يكمل كلماته :

* على رأى المثل المعزة هتعلم بنتها الرعية

صوتها جهورى ، نشاذ ، أشبه مايكون صرخات مدوية ، لاتعرف لغة الحوار أو التفاهم ، مستفزة ، تثير الأعصاب ، كثير من أهل القرية أخذوا يتندرون عليها بعد موت زوجها مباشرة :

* – والله جوزها مات شهيد و …………
* أكيد هيدخل الجنة من غير حساب

لكنها على أى حال استغلت صوتها هذا ووظفته بكل إخلاص لصالح بلدتها . كان بمثابة مركز إعلام نشط متنقل لأى نازلة أو مصيبة تسقط على جيرانها أو حيها . يظهر تألقه وعظمته عندما يكون هناك متوفى ، تسبقها صرخاتها وولولاتها المتشنجة قبل كلماتها المرعبة منطلقة من حنجرتها الصاروخية مجلجلة حتى آخر حدود البلدة وربما تقتحم آذان المدينة ، تفعل ذلك مجاملة وحبا فى أهل المتوفى ، لاتريد جزء ولا شكورا ، كذلك عندما يشب حريق أى بيت من بيوت أهل البلدة وخاصة فى منطقة نفوذها ، على الفور تنطلق صرخاتها الموجهة بدقة :

* حريق ياهوه و…………………

لاتتقاعس عن واجبها الوطنى والقومى ، صرخاتها الجهنمية تثير الفزع والرعب فى النفوس فيهبون من كل صوب دون تفكير لإطفاء الحريق دون الحاجة لسيارات المطافىء ، قد يفهم البعض فهما خاطئا أن حنجرة السيدة الفاضلة توجه فى حالة الكوارث والفيضانات فقط ، بالعكس وعلى النقيض من ذلك هى توجهها للأفراح والليالى الملاح والمناسبات القومية الخاصة ، تنطلق زغاريدها المدوية والمعلنة عن فرحة البلدة بأثرها عندما يكون هناك عرس ، زغاريدها المبهجة لاتقل أهمية وحماساً عن صرخاتها وولولاتها ، لها قدرة فائقة على التحول فى أى لحظة من صرخات وولولات إلى زغاريد وأغانى ، تأقلم حنجرتها بطرق حديثة ، تستخدم فيها كل أساليب التكنولوجيا المبتكرة ، أغانيها فلكلورية حديثة متجددة  ، طبقات صوتها العبقرية تأقلمها وتستأنسها لأشياء خاصة ، استحقت لقب السيدة الدكر بجدارة واستحقاق ، دائما يتوارى ابنها راشد من شبحها الذى يهدده فى أى لحظة كما يظن ، على أى حال يعتبر كل مافى أمه من هنات فهى ميزات واضحة . على الأقل ليست مطمعا للرجال كما هو الحال مع سكينة أم سمير . كان ذلك فى مرحلة الطفولة المبكرة ، ربما تلك الظروف قد وحدت بين راشد وسمير ، كلاهما يحس بأنه فى حاجة للآخر ، يفضفضان لبعضهما ما يختلج بصدريهما ، توطدت صداقتهما ، بعد أن اشتد عود سمير هجر العمل بالأرض ليعمل أعمال حرفية أخرى أثناء العطلة  ، تعرض لإهانات من نوع آخر مع الأسطى الذى يعمل معه ، ربما صبى نجار أو سباك أو غيره من المهن ، لم يكن له عمل محدد أو هدف محدد ، الأسطى الذى يعمل معه يتحكم فى أجره وحريته وكرامته ، دائما يعنفه ويسبه :

* يابن …………………….

عليه أن يمضغ تلك الإهانات للحصول على قروش زهيدة تعفيه من إهانات ومواقف مزرية ، يلجأ إلى خالته فهيمة شاكيا على استحياء ، تطيب خاطره بكلمات تشعره بأهميته وكيانه :

* إنت راجل البيت ياسمير بعد موت أبوك

أحيانا أخرى تنفحه حلة محشى فيطير بها إلى أمه فرحا ، بيتها قريب من بيته ، زوجها يعمل مسئولا فى ورشة المهندس كمال ، تحت إمرته عديد من الأسطوات ، له نفوذ كبيرة بالورشة ، يحصل على بقشيش كبير إضافة إلى راتبه ، يكره تواجد سمير فى بيته ، من قبل لم يكن منسجما مع المرحوم والده ، سمير هو الآخر يهرب من نظراته ومن بيته بمجرد أن يشم رائحته ، تمنى أن يكون والده بجواره ويسانده فى تلك اللحظات ، مهما كانت قسوته عليه فهو أرحم من عذاباته وتلطيمه هنا وهناك ، إنه لم يشارك الأطفال فى لهوهم ولعبهم ، لم يكن أمامه حق الاختيار ، يظنه طريق واحد لاخيار له غيره ، يمارس أى عمل تسوقه إليه الظروف ، غالبا ما يكون عطفا على حالته وظروفه ، سواء فى قريته أو المدينة الملاصقة لها .  بعضهم كان يطمع فى أمه ، مازالت تحتفظ بقدر وافر من الجمال ، لها ضفيرتان مميزتان حتى خصرها ، وجهها مستدير مائل للبياض ، أصبحت أكثر رشاقة فى نظر الكثيرين بعد وفاة زوجها ، تحملت المسئولية ، فقدت كثيرا من الشحومات التى كانت تسكن جسدها ، النساء الحاقدات يتهامسن فى حقها ، سواء من أمامها أو خلفها :

* إنت أحلويتى بعد ما جوزك مات …………..
* كان صعب ولسانه متبرى منه وبتعمله له ألف حساب
* مات فى لحظة
* كهربائى ويموت من لسعة كهرباء

لم تنبس شفتاها بكلمة واحدة ، ربما عبرن عن بعض ما يجيش فى صدرها ، قد توافقهن الرأي فى بعض ما أباحوا به وتخالفهن فى بعضه ، تعود لبيتها مهدودة من العمل لكنها تكون قد أمنت نفسها ببعض المال ليغنيها عن الآخرين ويساعدها على المعيشة مع معاشها الضئيل من زوجها ، تود أن تعلم ابنها سمير وابنتها وتوصلهما إلى أعلى درجات السلم ، ابنها سمير متميز فى مادة الرياضيات بين أقرانه وأهل بلدته ، دائما يرددن بينهن :

* الواد ابن سكينة مخه ذرى

خالته فهيمة لجأت واستعانت به  لمساعدة ابنتها فى مادة الرياضيات بعد أن خاب أملها فى أكثر من معلم لإصلاح شأنها . كانت تصغره بحوالى أربعة سنوات ، ظنت أمها أنه من الممكن أن تتقبل منه أساسيات تلك المادة لتنطلق فيها بعد ذلك وتعيش فى أغوارها ، إنه يحب مادة الرياضيات بالفطرة ، متآلف معها . كانت بدايته مع سميحة موفقة للغاية ، أحست بارتياح شديد له ، ركزت معه فى كل كلمة تخرج من فمه ، عاشت معه لحظات حاسمة ، لأول مرة تشعر بتجاوب وارتياح مع تلك المادة البغيضة لنفسها ، أصبحت متلهفة لمعرفة المزيد عنها . كان إبن خالتها بمثابة المنقذ والمخلص لها ، لم تعد فى حاجة إلى مدرس آخر ، مدرس فصلها بالمدرسة تعجب لتحولها وتقدمها فى تلك المادة . كان ذلك سببا مباشرا فى زيادة عطف خالته عليه وتغيير زوجها تغييرا جذريا مفاجئا .

العصمة فى يدها ( 2 )

اختلفت فترة الصبا لسمير عن طفولته وخاصة أثناء العطلات الصيفية ، فتحت له المدينة نصف عينيها على مضض ، تحرر من عبودية الأرض والعمل بها متلمسا خطاه فى قلبها الكبير الواسع الممتد ، أخذ يتخبط من ورشة إلى أخرى بين جنباتها ، ربما صبى لحام أوكسجين أو خراطة أو سمكرى سيارات أو ميكانيكى أو غيره من المهن المختلفة ، الفول والطعمية وخبز المدينة الآتى من الفرن مباشرة هو طعامهم المعتاد والمفضل وربما المفروض عليهم ، لاخيار لهم غيره ، فى البداية كان يتناول غذاءه بمفرده ، بعدما تعود على الصبيان الذين يعملون معه شاركهم واشترك معهم فى تناول غذائهم ، تقاليد وعادات جديدة تختلف عن تقاليد قريته ، لم يتآلف معهم بالقدر الكافى وخاصة إذا كان هو المستجد الوحيد بين صبيان الورشة ، الصبى القديم له نفوذه ، يعرف كثيرا من الأسطوات وأماكن تواجد العدة بالورشة والزبائن وأشياء كثيرة ، إذا كان من أهل المدينة غالبا مايكون قد فشل فى دراسته واتجه إلى تعلم صنعة كما يقولون بلغتهم ، فى الغالب يكون حرك وفهلوى وله تجاربه التى دفع ثمنها غاليا من قبل ، تدخين السجائر ومعاكسة الفتيات صفة مهمة وميزة بينهم ، دائما يوجهون كلمات ساخرة لسمير تقلل من شأنه وتثبط عزيمته :

* انت فلاح و………………….

لقد عرفوا عنه الكثير ، بمجرد أن قدم إليهم أخذوا يقذفونه بوابل من الأسئلة :

* انت من أى بلد ؟ لماذا لم تكمل تعليمك ؟

حينما يدركون أنه مازال يكمل دراسته يشعرون بالمرارة والحسرة ، لايأمنون عواقبه ، دخيل عليهم ، لاينتمى إلى طبقتهم ، دائما يحيكون له الدسائس لدى الأسطى أو صاحب الورشة ، يهدوه بنفس من بقايا سجائرهم لعله ينخرط معهم فى سلكهم ، كلماته ثاقبة حازمة لاتتغير :

* لاأدخن ولاأحب التدخين

يقهقهون بكلمات ساخرة :

* انت قفل لاتعرف الرجولة

يمضغ إهانته كما يمضغ سب ولعنات الأسطى أو صاحب الورشة . أصبحت عادة يتناولها مع تناول غذائه أو شرب كوب شاى مع الصبية خلسة فى الخفاء ، على أى حال فهو أفضل من عمله أجيرَا فى الأرض . دخله أفضل بكثير ، ما يستطيع كسبه فى خلال عطلته الصيفية أو نصف السنة يغطى مصاريف دراسته طوال العام ، ينتقل من ورشة إلى أخرى ، لاخلاف بينهم كما يظن ، كلهم ينهجون سياسة القهر والعنف ، القوى هو المسيطر ، سواء كانت قوة جسدية أو مهنية ، بعدما أدرك ما يدور حوله بدأ فى استخدام أسلحة وطرق جديدة للتعامل هؤلاء الصبية ، منها أن يبعث الأمل والزهو والأحلام فى نفوسهم :

* انت لو أصبحت أسطى ممكن تسافر للخارج وتعمل ثروة ويمكن تتزوج أجنبية .

كذلك شهر سلاح النفاق والكذب فى وجوههم . يظن أنه أقرب الطرق الموصلة والآمنة لديهم ، يشعل داخلهم نزعات دفينة ، يشعره بأنه فارس الأحلام وأنه المتميز عن الجميع ، أساليب ملتوية جعلته يقود الكثير من الصبيان تحت إمرته ، لم يتوصل إلى تلك المكانة إلا بعد وقت طويل ، أصبح الكل يحاول الإستئثار به وحده ، أيضا يفتخر بأنه متعلم ومجتهد فى دراسته ، احتفظ بكثير من صدارته لصبيان الورش ، غالبا لايستقر فى ورشة واحدة ، يترك الورشة متنقلا إلى ورشة أخرى لو لوح له صاحبها بزيادة ولو طفيفة ، ربما يعود لتلك الورشة مرة أخرى بأجر آخر . عقله المتفتح يستطيع كسب مهارات أى صنعة بسهولة ويسر فى مختلف الحرف والمهن ، يتحايل فى معرفة خبايا أى صنعة سواء خراطة أو ميكانيكا أو غيرها ، كثير من الأسطوات الذين يعمل معهم يسهلون له تلك المهمة ، يدركون جميعا بأنه لن يكون منافسا لهم . بمجرد أن ينتهى من دراسته سيذهب إلى حال سبيله . أيضا ينادونه باسم والده وليس باسم أمه كما هو الحال فى قريته ، أكسبته هذه الأمور ثقته بنفسه ، أصبح يعرف مسارب المدينة ، فى الصباح يزاحم الموظفين والموظفات المتجهين إلى عملهم فى مختلف الوزارات والمصالح ، يظهر قدراته فى أن يقفز من باب الحافلة ليتمكن من التقاط مقعد ، وربما يحجز لأحد معارفه سواء رجال أو فتيات ، يطلقون عليه الآن الأسطى سمير ، ازدات معرفته بكثير من أهل البلدة لم يكن يعرفهم من قبل ، إهتم بمظهره ، يبدو وسيما أنيقا ، أهل البلدة يرددون دائما :

* سمير لو كان بنت كان الشبان خطفوه

أمه تقارن بينه وبين أخته روحية ، تخشى أن يؤثر جمال أخيها الطاغى على زواجها ، ليست دميمة ولكن تبدو أمام خلقة أخيها كذلك ، دائما يلفت انتباه فتيات المدينة إليه ، لايعرف أحدا أصله وفصله ، يعتقدون أنه من وجهاء قريته ، البنات التى يقمن بجوار الورشة التى انتقل إليها مؤخرا يعاكسنه ، يحاولن خلق علاقة أو حديث معه ، “ليلى” بنت المعلمة عطيات صاحبة المطعم القريب من ورشته تتقرب إليه ، تهتم به عندما يذهب لتناول غذاءه بالمطعم ، ورشة سمير قريبة من ورشة المهندس كمال الذى يعمل فيها زوج خالته شهبور ، إنها من أكبر وأهم الورش بالمدينة كلها ، تتميز بخراطة الكرنكات والفريزة وأشياء أخرى ، زوج خالته هو المهيمن والمسيطر عليها ، يتحكم فى أجور الأسطوات والصبيان ، كلامه نافذ مع مدام ” نجاح ” التى تدير الورشة الآن بعد سفر زوجها إلى ليبيا ، تمنى ” سمير ” أن يعمل بها ولكن زوج خالته لم يرحب بوجوده حينما عرض عليه الأمر . من قبل كان متحمسا لضمه إلى صبيان الورشة ولكنه لايدرى سبب تغيره المفاجىء نحوه ، ساق إليه كثير من الحجج ، منها :

* اتعلم الصنعة فى الورش الأخرى وتعالى هنا أسطى

ربما يكون محقا ولكن ” سمير ” يتشكك فى كلماته ، يظن أنه لايرغب فى تواجده معه لأسباب أخرى ،لايحس بالتآلف معه وإن تظاهر بغير ذلك . لولا أنه يساعد ابنته فى مادة الرياضيات لطرده من بيته ، خالته تدافع عنه وتشيد به فى الخفاء أمام زوجها :

* والله ولد طيب وخجول و………….

يقاطعها زوجها شهبور :

* سمير خبيث ومعقد  ، و ………….

سمير مازال يتردد على بيت خالته ، صديقه راشد يلازمه كثيرا ، ربما بقصد تجاذب أطراف الحديث مع سميحة ، قد يشعر بالارتياح نحوها ، سمير لايعنيه هذا الأمر كثيرا ، لم يتضايق أو يشعر بالغيرة نحوه ، لم يعد تابعا له كما كان فى فترة طفولته ، يظن أنه تحرر من الدوران فى فلكه ، لم يعد عبدا لخدمة الأرض والزراعة والفلاحة ، تمرد عليه ، يمكنه صده أو مواجهته برأى غير رأيه ، أصبح سيدا فى مجال الورش والصنعة التى لايعرف عنها راشد أى شىء ، أصبح ملما بالمدينة وطرقها ومبانيها ودور السينما ، يقضى فيها يوم الجمعة كاملا باعتباره يوم أجازته وفسحته ، دائما يختار هو وأصحابه فيلم فى إحدى دور السينما ، تجمعه صبية من مختلف الورش . الأسطى سيد مسئول الفريزة تربطه به علاقات وطيدة هو والأسطى رأفت ، دائما يختارون أفلام بعينها ، هو يفضل البطل الشجيع الذى يظل يكيل الضربات للآخرين ، لاينهزم أبدا منتصر دائما ، يتمنى أن يهبط هذا البطل من عليائه ليسدد ضربات إضافية لبعض المشاهدين الذين يشعلون الضوضاء داخل دور العرض . غالبا ماتستنزف هذه الفسحة كثيرا من الموارد المالية لسمير ولكنه يتظاهر بالكرم والرجولة أمام زملائه . لم يحاول أن يستقبل أحدهم فى بلدته بالطبع ، بيته قديم ، ضيق ، مظلم ، منحدر عن البيوت الأخرى ، الكهرباء أنارته مؤخرا ، الوصول إليه يحتاج إلى خريطة أو جولوجى يبحث وينقب عنه حتى يصل إليه ، يستقبل فيه صديقه راشد ، بطبيعة الحال لايخجل منه فكلاهما يعرف كل شىء عن الآخر ، لم يكن بيت راشد أفضل من بيته بكثير ولكنه يفتخر بأنه قريب من الشارع الرئيسى الواسع الممتد ، نهيق حماره وزعيق بهائمه وصرخات أمه تقرع الآذان دائما ، عربة الكا رو تسد مدخل الطريق المؤدى لباب البيت الخشبى القديم ، القش وأعواد الحطب مسجاه على السطح بفوضى ، أخت راشد كالنحلة تدور فى البيت ، لاتكف عن الغسيل والطبيخ والزرع والحرث إضافة إلى دراستها ، تصغر “روحية” أخت سمير ببضع سنوات . كانت رفيقة لسمير فى زرع الأرض وجمع لطع القطن أثناء طفولتهما ، الفرق الوحيد أنه كان أجيرا وهى تعمل فى أرضها ، تحاول دائما لفت انتباهه ،تلاحقه بنظرات استحسان من عينيها الضيقتين ، أكثر نحافة من أمها ، ربما أخذت الكثير من صفاتها ، مبتسمة دائما بعكس أمها لاتعرف الابتسامة أو الضحك إلا مضطرة ، ربما اكتسبت هذه الصفة بعد موت زوجها . البلهارسيا اقتنصته فى لحظات مسروقة ، ابنه راشد هو الآخر تضحكه أشياء غالبا لاتضحك صديقة سمير ، يضحك إلى الداخل كما يظن ، تخرج ضحكاته من فمه وليست من قلبه ، يفيح فحات متقطعة بوجه جامد وقسمات غائرة وفم مفتوح نصف فتحة ، علاقتهما معا خف نبضها ، لم تعد كما كانت فى طفولتهما ، سمير أخذته المدينة ، وجد نفسه فيها ، أحس أنه وضع قدميه على بوابة طريقها الرئيسى الذى كان يبحث عنه ، أصبح له أصدقاء بها ، يقدرونه ويحترمونه ولو نصف احترام ، بعضهم أحبوه وآمنوه على أن يدخل بيوتهم . الماء البارد النظيف ، الكهرباء والمجارى . كل المرافق متوفرة بالمدينة ، ليست هناك جواميس أو حمير أو حتى طيور داخل بيوتهم أوقش او حطب يكسو السطوح ، قمامتهم تختلف عن قمامة أهل القرية ، ملابسهم ، لهجتهم ، نساؤهم اللطيفة المتحررة من التخلف ، لباقتهن ، ثقتهن بأنفسهن ، جرأتهن فى الحوار ، أنوثتهن الطاغية ، يبدين كثيرا من مفاتنهن بجرأة وشجاعة ، يتمنى أن يفتح معهن حوار أو يعمل علاقة كما يحكى له أصدقائه ، ربما كانوا مبالغين فى ذلك أو معظم ما يخبرونه به ضرب من الخيال أو من بنات أفكارهم ولكن فيه شىء من الحقيقة كما يظن ، عاداته وتقاليده التى تربى عليها فى قريته تحول دون ذلك ، يشعر أنه كان يعيش فى دولة وهاجر إلى دولة أخرى . المدينة شىء مختلف تماما عن قريته ، بدأ يكتسب كثيرا من ثقته بنفسه . الحلاق الذى كان ينكره بقريته وبتجاهله ويؤخره مفضلا عليه زبائن أخرى تغيرت معاملته معه ، هو نفسه يقص شعره على الموضة لدى حلاق بالمدينة ذاتها ، عرف الفول بالزيت الحار والليمون والجبنة الرومى التى لم يسمع عنها من قبل ، تميزت فترة صباه عن طفولته بشكل واضح وملموس . يظن نفسه الآن من أهل المدينة وليس من أهل القرية .

العصمة فى يدها ( 3 )

المدينة التى خطفت عقل ” سمير ” خطفت عقل أمه هى الأخرى . كانت قد تعودت على شراء ما تحتاجه منها . ابنها كان قائدها فى أول الأمر ، ينتظرها فى الورشة التى يعمل بها ويستأذن من صاحبها أولا المسئول عنها ليكون دليلها ، مالبثت أن تعرفت على بعض أصحاب الورش ، أخذت تمدهم بعد ذلك بالفطير التى تجيد عمله والطيور التى تربيها بوفرة فى بيتها ، تستقر فى عشش صغيرة مبنية من الطين فوق السطح ، يرافقها  فرن بلدى صغير يستمد وقوده من الحطب والقش ، مشتعل دائما للخبيز أو شوى سمك وخلافه . كان الأسطى حنكش له حصة وافرة من الخبز والفطير وأحيانا سمك من الترعة طازج تقوم أم سمير بتنظيفه وشويه ، لم يكن حنكش الاسم الحقيقى له ، أطلقوا عليه وهو طفل صغير مثل كل الصبيان قرنائه الذين يعملون بالورشة ، دائما كل صبى منهم له اسم موازى لاسمه الحقيقى ، ربما يصبح هو الأساس بعد ذلك وينسى الجميع اسمه الذى سمى به عقب ولادته ، هذا ماحدث مع الأسطى حنكش ، مسعد البربرى هو اسمه الحقيقى كما هو فى شهادة الميلاد ، حنكش الاسم الحركى ، لم يتأفف أو يتضايق بمناداته به ، ملتصق بجلده وعقله ، جزء من ذاته كما يظن ، حمله بين ضلوعه من صبى وأسطى إلى صاحب ورشة ، عاش معه كل لحظات الأمل واليأس والحب والصعود والهبوط ، كلمة مسعد لامعنى لها فى تاريخه أو حياته ، يعتز بكينونته وينتفخ ريشه مفتخرا بين كل أصحاب الورش بحنكش هذا . أم سمير تفضله عن كل أصحاب الورش الأخرى ، دائما يلاطفها ويشاغلها بكلمات حلوة باعثة فى نفسها الأمل :

* ياقمر …………….. ياغزال ………………….

تلك الكلمات تجعلها أكثر حماسا وتحمسا للأسطى حنكش دون غيره من أصحاب الورش . يشعرها بكيانها كأنثى ، ربما كان سببا غير مباشر فى تغيير لبسها وتحوله ، لم يكن متبرجا كأهل المدينة ولكنه يخفى مفاتنها دون تزمت ، جلباب واسع حتى نهاية قدميها ، صدرها مختفى داخله ، شعرها ينام خلف تربيعة قطنية ذات ألوان مزركشة دائما ، حذاء أسود لايتغير أو يتبدل ، كل من يقع نظره عليها يدرك أنها من سكان القرى ولكنها متمردة عليهم ، أيضا لاتمت بأهل المدينة بصلة ، لها هوية مختلفة هى وملبسها ،جمالها هادىء ، صوتها ناعم أخاذ ، تغيرت نظرتها للأمور عما قبل بعد أن عجنتها الأيام وخبزتها فى فرن الحياة ، تدرك فى الحال النظرات الملوثة ذات الأغراض السيئة التى يبعثها الرجال تحت قدميها ، تظن أن نظرات الأسطى حنكش لها مختلفة عنهم جميعا ، ابنها سمير أصبح يدرك ويعرف أشياء كثيرة ، يعيش مرحلة مراهقة ثائرة ، دمه يغلى عندما يصطحب الأسطى حنكش أمه لشراء بعض الحاجيات من المدينة أثناء تواجده بورشته ، يظن بالأسطى حنكش الظنون ولكنه لا يستطيع أن يتفوه بكلمة واحدة . إنه صاحب الورشة التى يعمل بها الآن ويعطيه مبلغا أكثر بكثير من الأجر الذى كان يتقاضاه بالورشة التى كان يعمل فيها من قبل ، أمه دائما تعود محملة بالفاكهة وأشياء أخرى ، يعتقد ابنها سمير أنها ابتاعته دكر بط أو زوجين من الحمام واشترت بثمنه الفاكهة وغيرها من الهدايا ، يخجل مفاتحتها فى هذه الأمور الحساسة ، لقد انكبت على تربيته بعد موت والده دون التفكير فى رجل آخر ، أحيانا يوجه لها بعض الكلمات الملتوية بهدوء وروية :

* حينما تنوى شراء أى حاجة من المدينة خذينى معكى و ………

تقاطعه :

* الأسطى حنكش راجل محترم وأكل العيش يابنى يجبر الإنسان على عمل أشياء غصب عنه
* أخاف أن يتكلموا عليكى كلام سيىء
* قطع لسانه أى واحد يتكملم كلمة وحشة

لم يعد يسألها بعدها أو يحادثها فى هذا الأمر وإن كان يشعر بالمهانة أمام زملائه بالورشة والورش الأخرى . كثير من أصحاب الورش يعرفونه سواء أسطوات أو صبيان ، دائم التنقل من ورشة إلى أخرى ، لم ينجح فى تزوير حقائق كثيرة عنهم تجعله فى الصدارة بينهم ، استمراره فى التعليم ميزة قوية تحسب له وتميزه عنهم جميعا ، نوسة أخت الأسطى سيد تتطلع إليه بنظرات مختلفة عن كل الصبيان زملائه وأصدقائه بسبب تلك الميزة ، ظهور أمه فى سماء المدينة بشكلها الحقيقى لم يقلل من شأنه أمامها ، ربما ارتفعت أسهم سمير فى نظرها عما قبل ، دائما تستقبله فى بيتها ، تقدم له الشاى كضيف زائر لأخيها ، رشيقة القوام ، متحدثة ، لبقة ، تستمد معظم ثقافتها من مسلسلات التلفاز وتجاربها الخاصة ، تكبر سمير ببضع سنوات ، أحست بتآلف معه بمجرد أن وقع نظرها عليه فى أول مرة يأتى ضيفا لأخيها ، رمقته بنظرات ثاقبة متأنية ، شربت ملامحه وهى تقدم له الشاى ، لفت انتباهها خجله المتواضع وفقره الشديد بخبرتها مع الجنس الآخر ، أخذت تتحين الفرص للانفراد به ، التقت به كثيرا من قبل ولكن فى تواجد أخيها سيد ، فى تلك الزيارة لم يكن متواجدا فى البيت غيرها ، عندما سألها سمير عن الأسطى سيد لم تعطه إجابة بالنفى أو الإيجاب . قالت له وهى تتقدمه إلى حجرة الإستقبال المتواضعة :

* اتفضل

تركته وحده بضعة دقائق لتعود وهى تحمل زجاجة بيبسى وقد غيرت ملابسها التى كشفت بعض مفاتنها ، شغلته ببعض الاسئلة حتى يعود إليه إطمئنانه ، وعيناها تكاد تلتهمه :

* فى أى مرحلة دراسية ياسمير؟
* نجحت فى سنة أولى ثانوى ورايح ثانية

اقتربت منه لتجلس بجواره بحجة أنها تقدم له البيبسى :

* تفضل اشرب البيبسى

أخذ الزجاجة منها بارتباك ، قصدت ملامسة يدها بيده ، ظلت ممسكة بها لفترة قصيرة ، احمر وجهه ، تصبب العرق منه ، أدركت بفطرتها وخبرتها أنه مادة خام لم تشكل بعد ، زاد من ارتباكه عندما سألته مباشرة دون مقدمات :

* هل لك تجارب فى الحب من قبل ياسمير ؟

ضاعت الكلمات منه ، لم ينبس ببنت شفة ، استطاع أن يتجاوز خجله وارتباكه ويفرج شفتيه عن ابتسامة خفيفة وهو يتطلع نحوها فى صمت ، شجعتها على أن تطوقه بذراعيها ، لم يحرك ساكنا ، تمنى أن تقبله وتحتضنه ، تدفق الدم الحار فى شرايينه ، ترك لها نفسه تفعل به ماتشاء بلذة واشتهاء ، ربما كانت لها تجاربها مع خطيبها رأفت ، تمنى سمير أن يظل بين أحضانها ، تحركت الرغبة المجنونة داخله ، احتضنها بكل قواه ، أصبح مشاركا فعالا فى اقتسام النشوة والمجون ، تجمد مكانه عندما هاجم باب الشقة قرع طرقات متتالية ، ظن أن يكون أخوها الأسطى سيد أو خطيبها رأفت ، حاول أن يعدل من ملابسه بينما “نوسة” نهضت تجاه الباب بعد أن غيرت ملابسها وشكلها . سمير قلبه يرتجف ، فتحت “نوسة” الباب بتوجس  مؤخرا . هدأ قلبها عندما وقع نظرها على جارتها “ليلى” وهى تسألها :

* عندك كبريت يانوسة ؟

كانت صديقتها وجارتها ” ليلى ” ، ربما تذرعت بحكاية الكبريت. كان قد وقع نظرها على سمير وهو يمرق باب شقتها من قبل . ربما حب الفضول هو الذى دفعها لذلك ، لم تكن تريد كبريتا أو غيره ، سرعان ما أحضرت لها طلبها دون أن تدعوها للدخول . سألتها بغتة :

* خطيبك رأفت موجود ؟
* سمير صبى الأسطى سيد هوه الموجود

أدارت لها ظهرها بتثاقل دون أن تحقق مأربها ، على الفور أغلقت ” نوسة ” الباب وهرولت تجاه سمير . كان يبدو كالفأر المحبوس داخل مصيدة ، انفرجت شفتاها عن ابتسامة عريضة وكأنها تطرد الخوف من داخله ، هب على الفور واقفا مندفعا إلى الخارج ، فى الطريق أخذ يستعيد كل ماحدث له بذاكرته ، أحس بوخذ الضمير ، لايدرى كيف انزلق بين أحضانها . لأول مرة فى حياته يفعل ذلك . عندما تقابل مع الأسطى سيد بالورشة توارى منه ، خشى أن يسأله ، أو ربما جارته ليلى أخبرته عن تواجده مع أخته ” نوسة ” وحدهما ، فى تلك اللحظة تذكر شراسة الأسطى “رأفت” وغيرته وحبه لخطيبته ” نوسة ” ، يصبح كالثور الهائج لو تلفظ أحد باسمها أو نظر إليها عن طريق الخطأ ، لو علم ما فعله معها سيمزقه إربا ، تمنى سمير أن تمر هذه الكارثة بسلام ، أكد لنفسه أنه لن يعود إلى فعل ذلك مرة أخرى مهما كانت الظروف والأسباب ، لم يمض أسبوع واحد إلا وكان بين أحضانها عامدا متعمداً ، لم يكن الحظ وليد هذا اللقاء بل دبراه معاً بحنكة وذكاء ، بدأ يحس بطعم المرأة فى وقت مبكر من حياته وإن كان مازال على شاطئيها ، لم يغوص داخل مياهها الدافئة ، أصبح له تجارب مثله مثل أصدقائه ، تعود على ” نوسة ” ، أصبح يراقب خطيبها ” رأفت ” عند عودته من الجيش خشية أن يتقابلا فى بيتها عن طريق الخطأ ، بمجرد عودته من الجيش فى أى عطلة يأتى للعمل فى الورشة خلال فترة أجازته ، لم يعد يهتم بكلماته التى كان يرددها ، لم يعد يخشاه ، اللذة والرغبة أضاعت الخوف منه ، اكتشف عالماً جديداً لم يكن يعرف عنه شيئا ، أخذ يتطلع للمرأة بنظرة أخرى حتى لو كانت أمه ، لايروق له اصطحابها الأسطى ” حنكش ” فى الأسواق . يخشى أن يستدرجها إلى بيته وينفرد بها . إنه يعيش وحيداً بعد أن طلق زوجته ، أقاويل وإشاعات كثيرة ترددت حول ذلك . البعض يظن أنه ضبطها متلبسة مع الأسطى ” كسبانى ” الذى كان يعمل عنده فى الورشة ، آخرون يؤكدون أنه طلقها لخلافات شخصية كأى زوجة ، الحكاية الثانية أنه ضربها ضرباً مبرحاً وطلقها لشكه فى سلوكياتها بعد أن هرب من أمامه الأسطى ” كسبانى ” ، ربما تكون تلك الرواية أصدقهم . على أى حال إبعاد البنزين عن النار أمر حتمى وضرورى ، أمه مطمع للكثيرين ، نظرات الأسطى ” حنكش ” تغيرت عما قبل ولم تعد تريحه ، أيضا يبالغ فى كرمه لها بعد اصطحابها معه بحجة شراء بعض الأشياء أو قضاء مصلحة لها أو غسيل أو تنظيف فى بيته وعمل لقمة فى وجود أولاده . قد يختار وقتا مناسبا يفعل بها كما يريد ، تجربة ” نوسة ” معه أفقدته الثقة فى المرأة عموما ، لم يستطع استيعابها ، أذهلته ، ربما تكون أكبر من مداركه وعالمه الصغير وتخيلاته ، أباح لصديقه راشد بما يجول داخله. كان مازال تجمعه براشد لقاءات مستمرة ، سواء فى بيته أو بيت راشد أو التنزه بين الحقول أو مقهى المعلم ” شعبان كفتة ” كما يطلقون عليه ، أشبه ماتكون بكازينو ، مشروباتها عصير وبيبسى وشاى و……………. ، الجوزة والشيشة محرمة عليها ، الطاولة والدومنو والشطرنج هى ألعابها المفضلة ، تجمع كثيرا من المتعلمين والمثقفين ، زبائنها يغلب عليها الشباب ، ” سمير وراشد ” أصبحا زبونين متميزين ، يختفيان دائما تحت أشجار الكافور والجزورين فى الفراغ الواسع الممتد أمامها ، يحتلان مكاناً قصياً بمقعدين بعيداً عن الزبائن ، يلعبان الشطرنج معاً أو يهمسان بحديث بعيدا عن العيون  :

* ” نوسة ” علمتنى أشياء كثيرة لم أكن أعرفها ياراشد
* بتحبها ؟
* لا أدرى

راشد يود معرفة شعوره تجاه ” سميحة بنت خالته .

العصمة فى يدها (  4  )

سمير استعذب حلاوة لقاءاته مع ” نوسة ” ، غرق فى بحور نزواته الطائشة ، لم يعد ضميره يؤنبه ، تحول الأمر كعادة أو كوب شاى يتلذذ به فى أوقات البرد ، فى المقابل أصبح ناقما وثائرا على أمه والأسطى حنكش ، نظرات زملائه أو الأسطوات الذى يعمل معهم تجرحه ، لايملك دفعها بعيدا عنه ، تمزق كبرياءه ، اشتد حنقه وغضبه على الأسطى حنكش عندما فاجأه الأسطى سيد النجار :

* اسمع ياسمير …………………… أنا بحبك وخايف على مصلحتك و………………………

قاطعه :

* كلامك أقلقنى يا أسطى سيد
* فى كلام كثير على أمك والأسطى حنكش و……………….

تلك الكلمات رُشقت فى صدر سمير ، أيقن أن شكوكه وظنونه كانت فى محلها ، ظل يردد بينه وبين نفسه :

* لايوجد نار من غير دخان

سمير أصبح يكره تواجده بورشة الأسطى حنكش ، اجتاحه تمرد وعصيان جامح ، يود الهروب من ورشة الأسطى حنكش ، جال بخاطره غريمه ومنافسه الأسطى كسبانى ، تردد فى مصارحة أمه بشأن ترك ورشة الأسطى حنكش ، سيفاجئها ليصبح أمرا واقعا مفروضا عليها ، بعد صراع مرير مع نفسه وعلى استحياء قال لها :

* أود أن أترك ورشة الأسطى حنكش وأعمل مع الأسطى كسبانى

تلك الكلمات وقعت فوق رأس أمه كالصاعقة ، بكلمات متواصلة أشبه بالصراخ :

* تترك ورشة الرجل الطيب الذى علمك وعملك بنى أدم و………
* بصراحة نظرات أسطوات الورشة وصبيانها لى غير مريحة
* يقدر أى واحد فيهم يكلمك كلمة وحشة و ………..

لم يخبرها سمير بما يدور بمخيلته ، مازالت تعامله كطفل صغير وعليه أن يطيعها طاعة عمياء كما يعتقد ، عندما التقى مع ” نوسة ” كاد يخبرها عما دار بينه وبين أمه ، آثر الصمت فى اللحظات الأخيرة ، سألته بدلال :

* إنت شكلك حزين ؟
* مشاكل العمل فى الورشة
* دائما رأفت  كان يكلمنى عن تلك المشاكل

رأفت خطيب ” نوسة ” قارب على الانتهاء من خدمته العسكرية ، سيعود ويتفرغ للعمل بورشة الأسطى حنكش أو ربما يقصد ورشة أخرى ، مهما يكن من أمر سيتزوج ” نوسة ” كما هو متفق بينها وبين خطيبها  ، سترحل عن عالمه أو هو يرحل عن عالمها . سألها بعفوية وكأنها أخرجته من أفكاره :

* يعنى خلاص سنفترق ؟
* لا أستطيع الاستغناء عنك حتى بعد زواجى من رأفت ……

قالت ذلك وابتسامة ذات معنى تتراقص فوق شفتيها ، أدرك سمير أن هذا اللقاء قد يكون آخر لقاء بينهما ، لن يتابع بعد ذلك عودة خطيبها رأفت من الجيش ، يكفى أنه لم يكتشف أمره خلال لقاءته السابقة مع ” نوسة ” ، غادر بيتها كئيبا حتى بعد أن غادرته  طاقته الجنسية المكبوتة ، دون أن يدرى وجد نفسه أمام بيت الأسطى كسبانى . كان يوم عطلة ، لقد تعرف عليه سمير من قبل ، بعدها جمعهما أكثر من لقاء ، دون موعد سابق طرق باب بيت كسبانى  ، استقبله بحرارة مرحبا على غير عادته ، عرض عليه الأمر للعمل بورشته ، سأله كسبانى :

* كم أجرك الأسبوعى بورشة حنكش ؟
* بيعطينى فى الأسبوع ……………
* معقول !

بعد صمت وتفكير :

* سأعطيك نفس الأجر

ظن كسبانى أنه الطعم الذى سيصطاد به أم سمير . كان قد حاول إيقاعها فى شباكه بأساليبه المختلفة من قبل ، باءت محاولاته جميعا بالفشل ، سمعته السيئة وقفت حائلا ومعوقا دون تحقيق أغراضه . ظن أن ابنها سمير سيكون الشراك المخادع لإخضاع أمه والنيل منها . قلبها يخفق للأسطى حنكش ، لن يستطيع كسبانى أو غيره أن يستعمر قلبها ويلعب بوجدانها . كان الجرح الذى خلفته خيانة زوجته له مازال ينزف ، كل النساء فى نظره خائنات وإن كان يتمنى أن تكون أم سمير غيرهن ، حينما تأتى على بيته ويجمعهما مكان واحد يتابعها بعينين نهمتين ، قد ينفرط عقد ثدييها من فتحة جلبابها أو تظهر ساقاها الممتلئتان أثناء انهماكها فى غسيل أو تنظيف وخلافه .

تظل عيناه ترصد عوراتها برغبة جامحة وملحة ، تعود عليها وتآلف معها ، تمنى أن تكون بين أحضانه ، ربما تلامست يده بيدها فاشتعلت الرغبة الطائشة داخله ، لم يرو ذلك ظمأه ، تمنت هى الأخرى أن تعطيه نفسها بطواعية ولكن تحت إطار مقنن ومنظم ، أخيرا سنحت له الفرصة للانفراد بها ، صمم على تحطيم كل الحواجز والسدود التى تفصله عنها . كان يراقبها بعينين ماكرتين دون أن تدرى ، كادت تنتهى من عملها ببيته ، تحس بالأمان وكأنها فى بيتها ، تحادثه بدلال وثقة إلى أن مرقت حجرة نومه لترتيب سريره ، دخل خلفها متسللا بخطوات مسروقة ، لم تشعر به إلا وهو مسمر خلفها ويطوقها بيديه بإحكام ، اهتزت واضطربت ، بهمسات حنونة قال لها :

* أنا بحبك ومحروم منك و …………..

حاولت الهروب منه ولكنه أحكم قبضته عليها ، تمنت أن تترك نفسها له ولكنها انتفضت  مذعورة :

* أرجوك يا أسطى مسعد………….أنا فى بيتك ……………. لو كنت خائن لم تخون

كلماتها أصابت قلبه ، أعادته للوراء ، مازالت خيانة زوجته له ماثلة أمام عينيه ، تصبب عرقا ، ارتخت أعصابه ، ضاعت الشهوة المتأججة من داخله ، تسللت من حجرته بذعر وارتباك شديدين ، ظل جاسما فى حجرة نومه لفترة من الوقت لم يتبينها ، أفاق من أفكاره الطاحنة على وقع أقدام آتية من صالة بيته ، جرجر قدماه خارجا فى صمت مطبق ، الحزن يمزقه من الداخل ، ضميره يلهبه بسياط التأنيب والندم ، اللوعة تسيطر عليه :

* ليس شابا مراهقا حتى يهتز فى عيون أم سمير . كيف يواجهها بعد ذلك .

مرت بضعة أيام دون أن يراها أوتحاول هى أن تراه ، ابنها سمير لاحظ هو الآخر أن أمه معتكفة داخل البيت ، غالبا ماكان يعود من ورشته ولايجدها ، حزينة صامتة على غير عادتها ، ربما لم تكن تتخيل ماحدث لها مع الأسطى حنكش . كانت هناك محاولات كثيرة تعرضت لها من قبل ولكن من آخرين لاتحمل لهم أى ود وحب . خاب أملها فى الأسطى مسعد كما كانت تناديه دائما ، لم يلفظ لسانها ولو مرة واحدة بكلمة حنكش ، هكذا مايدور برأسها . أخرجها إبنها سمير من أفكارها حينما قال لها :

* كنت أود أن أكلمك فى موضوع مهم ياأمى

دق قلبها دقات سريعة ، أخذتها الظنون بعيدا ، بتوجس وصمت حزين :

* أى موضوع ؟
* أنا اتفقت مع الأسطى كسبانى وسوف أعمل فى ورشته

اعتقد ابنها سمير أنها ستصرخ فى وجهه وربما تطرده من البيت ، قالت باقتضاب ودون مبالاة :

* أنت حر ……….اشتغل فى المكان الذى يريحك

أخذته الدهشة ، سافرت به ظنونه بعيدا حينما عرض الأمر على الأسطى حنكش نفسه :

* ياأسطى مسعد انت أكرمتنى وعملتنى ولكننى سأترك الورشة و………….

ضاع الأسطى حنكش فى أفكاره ، على الفور قفزت شكوكه نحو أمه :

* قطعا أخبرته بما حدث ………. و …………….

بصوت خفيض مهزوم سقطت من فمه كلمات :

* أنا يهمنى مصلحتك ……. والورشة ورشتك لو حبيت ترجع فى أى وقت

لم يعرف أنه سيترك ورشته ليعمل لدى غريمه ، لم يفطن لذلك أو يفيق من غيبوبته إلا بعد أن عرف بانتقاله إلى ورشة كسبانى ، زاد من شقائه وكآبته  هجر أمه له ، يحس بالغربة واليتم دونها ، اكتشف أنه يحبها حقا ، تعود على وجودها فى حياته ، ابتسامتها الهادئة وصوتها الرقيق الحنون يسكنان داخله ، أخيرا وجد نفسه يعرض زواجها على أولاده :

* أنا قررت أتزوج سكينة و ……..

*
* تتزوج واحدة بتشتغل خدامه عندنا

قفزت ذاكرته إلى الوراء على الفور ، توقفت عند زوجته ، أخذ يقارن بينها وبين سكينة ، ربما أولاده قد نسوا ما حدث أو أنهم يظنون أنه لفق أو نسى تلك الحكاية عنها ، اكتفى بكلمات قليلة :

* سكينة ستحفظنى فى عرضى ومالى وأنا أولا وأخيرا صاحب القرار

تلك الكلمات ألجمت ألسنتهم ، ماكان عليه إلا أن يفاتح سكينة بأمر زواجه منها ، وجدته يطرق باب بيتها ليمرق دون استئذان ، انتابها الهلع وأخذت تردد فى تواصل :

* مايصحش ياأسطى مسعد ……………الناس تقول عليه إيه ……………..

قاطعها وابتسامة تمر على شفتيه :

* أنا ضيفك ياأم سمير

ظنت سكينه أنه قد أتى فى محاولة للحصول على مافشل فيه من قبل ، وجهها ممتقع ، صدرها يعلو يهبط ، قال لها وابتسامة عريضة تعلو شفتيه :

* ياست سكينة أنا جاى أعتذرك عن خطئى

استعادت هدوئها قليلا ، بكلمات متقطعة قالت له :

* بس مهما تعتذر أنا واخده على خاطرى منك …..
* ماحدث فوقنى ورجعنى لعقلى و أتيت الآن لأطلب يدك للزواج منك

انفرجت شفتاها عن ابتسامة عريضة صافية ، تمنت فى تلك اللحظة أن تهتف بكل ما أوتى لها من قوة ليشاركها العالم فرحتها ، بعد أن تمالكت شعورها قالت له :

* وأولادك و…………………

قاطعها  :

* عملت حسابى فى كل شىء قبل أن آتى إليك

قبل أن ينتهى من الترتيبات النهائية معها فى أمر زواجه كان ابنها سمير قد فاجأهما ، تملكته الدهشة والفضول ، استشاط غضبا ، فى تلك اللحظة أيقن من شكوكه، كاد يخرج من شعوره وهدوئه لولا انا باغته الأسطى حنكش متسائلا :

* ياترى انت موافق على زواجى من أمك ياسمير ؟

أدرك على الفور سبب مجيئه للبيت ،  أخذته الحيرة ، قطع الصمت أخيرا بكلمات فضفاضة تخرجه من ورطته كما يظن :

* الأمر يرجع لأمى ياأسطى

شاع الخبر بين أهل البلدة ، عندما علم صديقه راشد أخذ يفح  فى وجهه بمزيج من كلمات الاستياء وضحكات مبتورة مغلفة بالإذراء والسخرية :

* موافق على زواج أمك !

أخريات من النسوة أخذن يثرثن  :

* قيراط حظ ولا فدان شطارة

عندما عرض سمير الأمر على خالته شاكيا متبرما من أمه قالت له وابتسامة تعلو شفتيها :

* الزواج لها سترة يابنى

كان ذلك فى وجود زوج خالته الذى كان يتابع حديثهما ، بغيظ مكبوت :

* أمك وقعت على كنز من زواجها للأسطى حنكش

سمير غادر بيته فى صمت دون أن يلقى لكلماته بالا ، استسلم ورضى بزواج أمه من حنكش .

العصمة فى يدها ( 5 )

أم سمير تزوجت الأسطى حنكش ، مضت مع زوجها بضعة أسابيع بعيدا عن القرية والمدينة ، أحست أنها عوضت سنين حرمانها الفائتة ، الأسطى حنكش هو الآخر وجد نفسه بين أحضانها ، غرق فى بحور عطائها ، عادت لحياتها من جديد فى بيت الأسطى حنكش بالمدينة ، تحملت أعباء بيته وبيتها بالقرية ، أصبحت ممزقة بين المدينة والقرية ، تعيش مرحلة قلقة ثائرة وغير مستقرة بينهما ، مظهرها وشكلها تغير هو الآخر ، أولاد الأسطى حنكش وقفوا لها بالمرصاد ، يتحينون الفرصة لطردها من أحضان المدينة لتعود لقريتها البائسة الذليلة من جديد، لن تحل محل أمهم بنت المدينة . هانم بنت الأسطى حنكش تتسلل إلى المطبخ غفلة لتصب الملح على طبيخها والأشياء الحريفة التى لايحبها زوجها حنكش ، أو على الأقل إغراق الأرز بالماء قبل نضوجه وغيرها من المقالب السخنة التى تكويها بالحسرة والإحباط ، زوجها لاحظ تغير طعم طبيخها فى فمه ، همس فى أذنها وهو يطوق رقبتها بحنان :

* إنت طبيخك تغير بعد زواجنا يا حبيبتى ………..
* البركة فى بينتك هانم أستاذة المقالب
* معقولة !
* لقد رأيتها بعينى تصب الملح على الأكل فى الخفاء و ………….

قاطعها صارخا :

* كنت ضربتيها على وشها أو عرفتينى
* أود كسب أولادك فى صفى

أخذها بين أحضانه وأخذ يمسح على شعرها ، تذكر أن ابنه رزق يشكو له دائما من زوجته سكينة :

* أم سمير بتقفل على نفسها الباب وتتكلم فى التليفون و……………..

ابنه رزق يدرك أن والده شديد الغيرة  ، سعى إلى أن يدق أول مسمار فى نعش سكينة ، تلك الكلمات جعلته يراقبها خلسة فى أول الأمر ، اكتشف مؤخرا أن مكالمتها الهاتفية لم تخرج عن نطاق ابنها سمير وأقربائها ، بعد ما أخبرته زوجته عن ابنته هانم وكذلك عن ابنه رزق وبعض مضايقاته لها وكلماته الجارحة المستفزة :

* أظل أنتظر الأكل ساعة……….. ، لاتنسى نفسك و ………. !

تبتلع سكينة إهانتها فى صمت ، لم تخبر زوجها حينها ، عندما أدرك زوجها حكمتها وحسن تدبيرها للأمور ارتفعت رصيد أسهمها فى بورصة زوجها ، أعطاها صك الثقة الأبدى ، أغلق أذناه عن أى كلمات تسىء لها وخاصة من رزق وهانم ، أحسا أنهما خسرا معركتهما مع والدهما ، حاولا تنظيم خطتهما من جديد وخاصة ابنه رزق ، يفكر فى استخدام أسلحة جديدة وحشية تعينه على كسب معركته ضد سكينة الدخيلة ، يفكر فى النيل من ابنتها روحية ، يلاحقها بنظرته الملوثة عندما تأتى لزيارة أمها ، يود خلق أى علاقة معها ، ربما أمها رفضت العيش معها فى المدينة خوفا عليها من رزق ، كذلك هانم أخته من الممكن أن تغرق ابنها سمير فى مشاكل جمة ، فضلت أن تفصل بين حدود القرية والمدينة ، وضعت حواجز وسدود حتى لاتغرق القرية فى بحور المدينة . سمير هو الآخر فى مرحلة الشباب والفتوة ، قد يدمر شواطىء هانم ويستحل مياهها الدافئة ، أو قد يدور فى فلك أخيها رزق الذى أصبح مدمنا للسجائر وربما أشياء أخرى فى الخفاء ، معادلة صعبة بين القرية والمدينة ، نتيجة تفاعلهما غير مضمونة العواقب  ، قد يكون ثمرتها إهدار كرامة أو شرف أو إذلال ضحية قد غُرٌَر بها ، سكينة الفلاحة التى لاتجيد القراءة او الكتابة مدركة ببصرها وبصيرتها لكثير من هذه الأمور ، سمير ابنها مازال يعمل فى ورشة المعلم كسبانى ، تغيرت معاملته له بعد زواج أمه من الأسطى حنكش ، أخذت منحى وشكلاً آخر :

* انت دائما تتأخر عن عملك بالورشة و ……….
* ياأسطى نفس الميعاد كل يوم
* بترد على يا ………………….

أيضا كانت ليلى بنت صاحبة المطعم مثار صراع بينهما ، الأسطى كسبانى يتناول طعامه هو الآخر فى نفس المطعم القريب من ورشته ، ليلى تهتم بسمير أكثر من اللازم ، تهيأ له منضدة مميزة ، بعد أن ينتهى من طعامه يكون الشاى أو البيبسى ، حسابه مدفوع الأجر مقدما هو وأصدقائه  ، تحرسه بنظراتها الحنونة ، بعد أن تنتهى من خدمته تظل تتهامس معه بعض الوقت قبل عودته إلى ورشته ، أم ليلى تغمض طرفها عن تلك العلاقة البريئة كما تظن ، لم تدرك أن ابنتها ليلى تطارده منذ كان يأتى إلى نوسة جارتها وصديقتها فى البيت ، بعد أن تزوجت نوسة من رأفت ظنت أنه من حقها ، تكاد تكون علاقة سمير انقطعت بنوسة بعد زواجها ، يتعامل معها وكأنه لم يعرفها من قبل ، هى الأخرى تحاول التظاهر بذلك وإن كان قلبها متعلق ومتشبث بابن القرية ، لقد شكلته وخرطته على مقاسها كما تظن ، تحس بالراحة والانسجام معه ، أما رأفت فهو زوجها ، تود أن تمتلك الاثنين معا فى لحظة واحدة . جارتها ليلى كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتسرقه منها دون إذن مسبق أو انتظار إخلاء طرفها ، ربما كان شفهيا وليس كتابيا أو تحريريا ، النساء يتعاملن معا بقوانينهن الخاصة ، مواد الهمس وكلمات العيون والأحاسيس والرغبة هما من أهم قوانين دستورهن ، عندما تكون فى زيارة لأهلها وتتقابل مع جارتها ليلى تؤكد لها على بنود المعاهدة بعيونهن . قد تكون مؤقتة ، تظن نوسة أن من حقها استرداده فى أى لحظة مناسبة لها حتى لو اضطرت إلى إلغاء المعاهدة وإعلان الحرب عليها ، سمير لايدرى إن كان قلبه مع نوسة أو ليلى أو سميحة بنت خالته أو …………. قد تتوافق دقاته مع دقات إحداهن ، قلبه مفعم بالحياة ولكن ربما نبضاته تدق لأشياء أخرى وفى اتجاه آخر ، لايدرى إن كانت مع عقارب الساعة أم ضدها . الأسطى كسبانى متيقن أن سمير صبيه أصبح غريمه ، ليلى من قبل كانت تلاطفه وتداعبه بكلمات محببة إلى نفسه ، ظهور سمير فى حياتها عكر صفو ماء علاقتهما معا ، تغيرت موازين المعادلة فى نظر الأسطى كسبانى ، ابن القرية صبيه المهان يصارعه من أجل ليلى ، ألم يكفيه أنه أضاع فرصة إقتناص سكينة أمه منه ، يفكر فى تقليم أظافره أو نزعها إذا اقتضى الأمر ، تفكيره هداه أخيرا إلى أن يضربه بالضربة القاضية فى هدوء وصمت وهو يبتسم فى وجهه :

* اسمع ياسمير من غير إحراج أنا مستغنى عن عملك بالورشة

ضاع سمير فى أفكاره :

* لايستطيع العودة الآن إلى ورشة المعلم حنكش بعد زواجه من أمه

استقبل تلك الصدمة فى صمت موجع ، لم تتغير ملامح وجهه ، أخفى ما بداخله حتى لايشمت فيه كسبانى ، تظاهر بأن الأمر لايعنيه . جال بخاطره على التو زوج خالته شهبور ، يظن أنه يمكن مساعدته . الورشة التى يعمل بها من أكبر الورش المتخصصة فى المدينة كلها ، زوج خالته كلمته نافذة ، له سطوته ونفوذه مع صاحبها المهندس كمال . كان قد سافر إلى العمل لليبيا لتحل مكانه زوجته مدام نجاح ، لو ألح عليها لاستجابت له فى الحال ، تذكر فجأة أنه عرض عليه من قبل أن يعمل معه فى تلك الورشة ولكنه تذرع بكلمات :

* دعنى أخطط لك على مزاجى ………. وحينما أجد الفرصة مناسبة سأخبرك

أحس سمير بالإحباط ، فجأة جال بمخيلته سميحة بنت خالته ، قد تكون حمامة سلام بينه وبين والدها ، يكره أن يظهر أمامها ضعيفا ، قرر أخيرا أن يذهب بنفسه لمدام نجاح ويعرض عليها الأمر ، إنه يظن أنه لم يعد صبيا بل أصبح أسطى يعتمد عليه فى أكثر من مهنة ، إنه منتج الآن ولن يكون عالة ، قد لا يعطوه الأجر الذى يتقاضاه الآن ولكنه أفضل من تقاعده وخاصة أن فترة الأجازة قصيرة ، يجب عليه أن يستغلها أحسن استغلال ، الأسطى حنكش كريم معه لا يبخل عليه بأي مصاريف ولكنه يفضل الاعتماد على نفسه ، هكذا يدور بمخيلته  ، بعد يوم واحد من طرده من ورشة الأسطى كسبانى زار خالته ، لم يكن زوجها متواجدا فى البيت ، سألته بدهشة :

* إنت فى أجازة من الورشة اليوم ؟
* طردنى الأسطى كسبانى و …………

كان ذلك فى وجود ابنتها سميحة ، ظلت تثرثر معه كعادتها فى أمور شتى ، انصبت معظمها على الثانوية الأزهرية والتحاقه بالجامعة وحياته القادمة وأمور أخرى ، سمير غير متفائل ، يشعر بالإحباط ، يظن أن الأمور تسير على غير إرادته ، مشتت الأفكار ، آماله وطموحاته مبعثرة . صديقه راشد فرصته أفضل منه بكثير ، الأبواب مفتوحة على مصاريعها أمامه ، الإمكانيات متوفرة ، يستطيع أن يستأجر سكن حتى وإن لم تستقبله المدينة الجامعية ، ربما يكون قابضا على قراره . كان مازال يتذرع بحجج مختلفة دائما ليرافقه إلى بيت خالته ، يظن أنه متيم بسميحة ، بدون مقدمات وجد قدميه تسوقه نحو ورشة المهندس كمال . كان قد تعرف على زوجته مدام نجاح عندما أتى لتجليخ كرنك من قبل ، استقبلته بوجه بشوش ، شجعه ذلك على أن يسألها عن عمل ولكنها فاجأته متسائلة :

* إنت مبسوط فى ورشة كسبانى  ؟

بعد صمت وتفكير وبكلمات حزينة :

* طردنى من ورشته

بلهفة وحماس قالت له :

* تعال اشتغل فى الورشة عندى

كاد يطير من الفرحة ، اندهش زوج خالته شهبور عندما قالت له مدام نجاح :

* ياأسطى شهبور سمير تبع الورشة من اليوم

بوجه مقلوب قال :

* حاضر ياهانم

عندما اختلى شهبور بسمير قال له هامسا :

* لعلمك أنا كلمت مدام نجاح قبل ذلك ورحبت بالفكرة

سمير يشك فى كلمات زوج خالته ، أيضا ظن فى بداية الأمر أن مدام نجاح وافقت على عمله بالورشة كنوع من العطف عليه ، تراجع عن أفكاره هذه بعد بضعة أسابيع عندما وكلته بالعمل على ماكينة التجليخ الجديدة مع الأسطى الذى يعمل على تلك الماكينة ، اعترض زوج خالته بحجج كثيرة من أولها :

* أخاف أحسن سمير يخرٌَب الماكينة الجديدة و ………………
* ماكينة التجليخ تحتاج فى تغذيتها لجزء من الملى وسمير متعلم وفاهم

كظم غيظه دون أن يتفوه بكلمة واحدة . إكتسب سمير حب واحترام الجميع بالورشة ، أثبت وجوده كما أكدت مدام نجاح من قبل . كانت تراقبه فى الخفاء فى أول عهده بالورشة ، حبه وتفانيه للعمل أكسبه ثقتها به ، تأكدت أنه سيصبح من الدعامات الأساسية بالورشة على الرغم من تواجده لفترة محدودة ، الأسطى شهبور لم ينس له أنه فرض وجوده وأتى رغما عنه لينافسه ويسحب البساط من تحت رجليه كما يظن ، لم يأخذ حصته أو نصيبه من البقشيش أو الدخان كما يطلقون عليه ، نهرته مدام نجاح غاضبة عاتبة :

* سمير يأخذ بقشيش مثل أى أسطى كبير بالورشة

كان الأسطى سيد النجار صديقه ترك ورشة حنكش مؤخرا هو ورأفت ليعملان فى ورشة مدام نجاح ، كانا سندا له وعونا ، لايغيران ولايحقدان عليه ، يظنان أنه بعد حصوله على شهادته ستنقطع علاقته بالورش ، لن يكون منافسا لهما . الأسطى سيد أعطاه كل خبرته بحب وإخلاص فى الفريزة ، كذلك رأفت لم يبخل عنه بأى أمور تتعلق بالخراطة . الأسطى شهبور زوج خالته تمنى أن تبدأ الدراسة لينزاح عنه بعيدا ، ربما العطلة القادمة يدبر له مصيبة تبعده عن الورشة . لم تنتهى العطلة الدراسية إلا وكان سمير يجيد العمل على ماكينة التجليخ كما يجيده على الفريزة والمخرطة . لفت انتباه كل العاملين بالورشة والورش الأخرى . أيقنت مدام نجاح أن وجهة نظرها كانت صائبة ، عنفت الأسطى شهبور :

* قلت لك سمير مخه نظيف وغاوى .

تصاعد نجم سمير كما تصاعد الغيظ والحقد الأسود داخل صدر زوج خالته شهبور . الأسطى كسبانى هو الآخركان من أشد الناقمين عليه ، لم يشف غليله منه ، المشكلة أن سمير مازال يمارس نفس طقوسه مع ليلى حتى فى وجود الأسطى كسبانى

العصمة فى يدها ( 6 )

سمير انتهى من الثانوية الأزهرية ، فى انتظار نتيجة التنسيق بخوف وقلق ، مجموعه قد لا يؤهله للالتحاق بكلية الهندسة بالأزهر ، أمه هى الأخرى حامل من الأسطى حنكش وتكاد تضع مولودها ، تتمنى أن تنجب ولدا ، تخشى أن تتعثر فى ولادتها بعد أن تقدم بها العمر ، تعيش لحظات الرجاء والأمل هى الأخرى ، ابنها سمير يتأفف ويتوارى من العيون بسبب حملها ، أصدقاؤه وزملاؤه بالورشة يطاردونه بعشرات الأسئلة فى صمت مؤلم . لم يستطع أو يتخيل أن يكون بالجامعة وأخوه طفل رضيع ، ربما لو تزوج نوسة لكان لديه ولد أكبر منه ، تكاد تكون علاقته شبه مقطوعة معها ، يشعر بالخجل من نفسه حينما تجمعه مع زوجها رأفت لحظات الغذاء بمطعم ” ليلى ” . غالبا ماتكون أوقات مغموسة بالفكاهة والصخب ، ليلى فاكهتم المحببة . يقذفونها ببعض الكلمات لعلها تؤتى ثمارها أو قد تكون نوعاً من المجاملة أحيانا أو إثبات الذات ، أو يجمعهما عشم وصداقة كما هو الحال مع رأفت :

* والله غزال و ……. ؟

بدلال وابتسامة خافتة تتراقص على شفتيها :

- انت زوج حبيبتى نوسة القمر، وسوف أخبرها ………

* انت متزوج من حبيبتى نوسة و ………

تصيبه كلماتها بالعجز والشلل حتى وإن كانت مازحة معه . سمير يضيع فى أفكاره ، يتذكر عندما كان يمص رحيق نوسة و ……….، يفيق من أفكاره عندما تسأله ليلى :

* أعمل لك كوب شاى معتبر و…….

يقاطعها رأفت الذى تجمعه مع سمير منضدة واحدة بالمطعم :

* يعنى سمير يشرب شاى وأنا أشرب من كعانى ………………
* من عينى  ياأسطى رأفت و………….

ليلى لايشغل قلبها أو تفكيرها غير سمير ، الأسطى كسبانى يزداد حقدا وكرها له ، قد يعرقله سمير للوصول لبوابة ليلى المحصنة ، يظنها وجبة سريعة لالتهامها بسهولة ويسر ، أو كوب شاى يعدل مزاجه . فشلت كل محاولاته لنيل ثقة ليلى به ، جال بخاطره أن يلجأ أخيرا إلى الورقة الرابحة كما يظن ، سينفذ مأربه عن طريق تلك الوصفة المُجربة ، تسحر عقول الفتيات من أمثال ليلى ، تتسلل إلى قلوبهن بخفة ونشاط :

* تتزوجينى ياليلى ؟……………
* انت كبير فى السن ومتزوج ومثل والدى و ……….

قاطعها :

* الدهن فى العتاقى ياليلى
* أنا مش عايزة دهن أنا عايزه لحم
* يعنى الواد سمير الفقرى أحسن منى …………

كلت حيل الأسطى كسبانى ، الواد سمير الأفندى يقف فى طريقه ، دارت فى رأسه أفكار شريرة اعتاد عليها ، استقرت على فكرة واحدة ، على الفور أعطى تعليماته لبعض صبيانه الأشداء بورشته على أن يقوموا بواجبهم الوطنى المقدس نحو سمير . اتفقوا أن يكون وقت الغذاء بمطعم ليلى وأمام عينيها ، انهالوا عليه ضربا بعد أن اختلقوا شجارا ، أحدهم ضربه بكتفه وكأنه بدون قصد ، آخر ادعى أنه فقد توازنه فصب على رأسه كوب شاى ساخن ، نشب الشجار بين سمير وصبيان الأسطى كسبانى ، بعضهم كان يقوم بتهدته الشجار ولكنه يميل لضرب سمير فى الخفاء ، لم يقف مكتوف الأيدى ، قوة عضلاته ومحاولة إثبات وجوده أمام حبيبته ليلى حفٌَزه على صد الهجمات بعد أن اتخذ الجدار حارسا ومانعا له من الخلف ، أصابت بعض لكماته وجهوهم ، سال الدم من أنف سمير من جراء ضربة مفاجئة خلسة من أحد صبيان كسبانى ، جن جنون ليلى فخرجت عن شعورها ، حسمت الأمر فى التو بأن رفعت إحدى المقاعد فى الهواء مهددة ومتوعدة ، انسحب صبيان الأسطى كسبانى فى صمت ، أخذت ليلى تضمد جراح سمير والغيظ يأكلها من الداخل  . ظن كسبانى أنه قد نال من سمير أمام حبيبته ، أدرك فشله وخيبة أمله بعد أن واجهته ليلى متحدية بصوتها الجهورى المجلجل فى أرجاء المطعم :

* لاأسمح لك ولا لصبيانك يمدوا إيدهم على زبون فى المطعم وبالذات الأستاذ سمير ياأسطى كسبانى واللى عاجبه يجى المطعم باحترامه أهلا وسهلا و ………..

ربما كانت تلك الكلمات ناقوس إنذار خطر يهدد طموحات كسبانى أو غيره من الطامعين فى ليلى ، كادت تكون حلالا زلالا للأسطى سمير أو الأستاذ سمير فى مفهومهم . كل مهنة لها قواعدها وأصولها ، ليلى أعلنتها صريحة بموقفها هذا مع سمير ، الجميع تعاطف معه ، فى مقدمتهم مدام نجاح ، أقسمت أنها لن تتغاضى عن حق سمير إن لم يأت كسبانى معتذرا لها عن إعتدائه على أسطى من أسطوات ورشتها  . كل الورش الأخرى دائما فى حاجة لها سواء تجليخ أو فريزة أو لحام معادن ، تكاد تكون ورشة متكاملة . بالفعل أتى كسبانى لها معتذرا عما اقترفه صبيانه دون علمه كما ادعى . ارتفعت معنويات سمير وثقته بنفسه ، أصبح الجوكر فى ورشة مدام نجاح ، يحل محل أى أسطى يتغيب عن الورشة بأى ظروف سواء أسطى الفريزة أو ماكينة التجليخ أوغيرها ………….. ، زوج خالته شهبور يتضاءل أمامه . مدام نجاح تظن أنها وقعت على كنز ثمين . عندما تم ترشيحه لكلية الهندسة قدمت له هدية قيٍمة تشجيعا له على مرأى ومسمع كل العاملين بالورشة ، اشترك فى هذا الحفل أسطوات وعمال الورشة وآخرون من الورش الأخرى أصدقاء سمير . منذ تلك اللحظة أصبحوا يطلقون عليه المهندس سمير بدلا من الأسطى سمير ، زوج خالته شهبور يحس بالغيرة والحقد تجاهه ، كاد ينزع البساط من تحت قدميه ، الأنظار كلها تتجه نحو سمير بما فيهم مدام نجاح ، اختصته بطعام خاص ، تتناوله معه على انفراد عندما يخرج العمال لتناول غذائهم فى مطعم ليلى القريب منهم ، همسات سرت داخل الورشة بشأن مدام نجاح :

* الظاهر فى حاجة بينهم
* زوجها مسافر وسايبها براحتها
* وجوده مثل عدم وجوده
* يا جماعة مدام نجاح محترمة وبتعطف على سمير وتشجعه ……………

على الرغم من أن معظم مافى الورشة وربما الورش الأخرى تقولوا على سمير إلا أنهم يثقون به ، معظم أسرارهم الخاصة معه ، يستشيرونه فى معظم مشاكلهم ، يظنون أنه أزهرى ملتزم ، يعطيهم النصيحة بإخلاص ، شهبور زوج خالته هو الآخر أخذ يعيد تفكيره تجاهه من جديد ، لماذا لايتخذه صديقا ويزوجه لابنته سميحة ، إنهما مناسبان لبعضهما لبعض ، يظن أن سمير سيكون له مستقبل زاهر بعد أن وضع قدماه على بداية الطريق ، المهم أن يبعده عن حسابات الورشة وخباياها ، أحس سمير بمدى تغير معاملة زوج خالته له الواضح مؤخرا ، لم يسخر منه حينما وضعت أمه مولودها كما حدث أثناء حملها ، جامله بكلمات رقيقة لكسب وده :

* أخوك صادق ده سيكون لك سند بعد ذلك

أفكار متشابهة تدور برأس أمه تجاه طفلها صادق ، بينما هى تجلس مع زوجها حنكش فى حالة صفاء وهى تحمل ابنها صادق انسكبت من فمها كلمات :

* على أد منى فرحانة على أد منى خايفه على صادق ياأسطى مسعد
* لم أفهم قصدك
* أصله عامل زى اللى رقص على السلم لاهوه تبع أخواته من الأب ولا أخواته من الأم
* بالعكس كلهم سيحبوه ويجعلهم يحبون بعضهم ……………..
* ربنا يسمع منك

منذ تلك اللحظة وقد أخذ الأسطى حنكش على عاتقه أن يحبب كل أخواته فيه سواء من الأم أو من الأب بكل الطرق المختلفة ، تعهد بأن يكون المسئول عن نفقة سمير خلال تعليمه بالجامعة ، تلك المبادرة أنست سمير كل همومه وقلقه واضطربه ، ضاع منه خجله ، أصبح يفتخر بأخيه صادق فى كل مكان ويشيد بالخير الذى انصب عليه فجأة من جرائه ، مدام نجاح هى الأخرى أعطته بعض الأموال فى الخفاء فوق أجره ، وحتى لاتجرح شعوره قالت له :

* هذا المبلغ دين عليك …………….. لما تتخرج ترجعه

قبله دون تردد وهو يفرج شفتيه عن ابتسامة عريضة ، هموم كثيرة سقطت من فوق كاهله ليعيد إليه هدوئه ، لن يكون صديقه راشد أفضل منه هذه المرة. سيسافران معا إلى الجامعة بمصر بعد أن التحق راشد بكلية اللغة العربية ، سمير متفائل فى حياته لأول مرة ، لن يؤرقه بعد الآن جمع الأموال فى العطلة الدراسية ليصرف على نفسه ، أمه قد اتفقت معه على أن أخته ستعيش مع أولاد زوجها حنكش بعد سفره ، لايجوز أن تعيش وحدها بالقرية فى بيت طويل عريض دون حماية معها ، سمير فى أول الأمر أبدى تخوفه :

* أخاف عليها من رزق ومقالب هانم و…………….

قاطعته :

* بنتى ستكون فى حضنى و…..

هز رأسه موافقا وإن كانت الشكوك تساوره ، قبل أن يتهيأ للسفر إلى الجامعة فى مصر عرضت عليه نوسة بعض الأموال فى الخفاء عندما كان فى زيارة لزوجها رأفت مودعا ، من قبل سبقتها ليلى وأعطته مبلغ لايستهان به وأصرت إصرارا شديدا على أن لا يكسفها ، قبله على مضض أو حياء وإن رقص قلبه فرحا ، مجرد إحساسها وعيشها مع ظروفه شىء رائع ولذيذ كما يظن لكنها عاتبته قبل أن تغادره بكلمات رقيقة :

* من لقى أحبابه نسى أصحابه ……………
* تقصدى مدام نجاح ؟
* بصراحة من يوم موضوع كسبانى طلبت منى عدم الاحتكاك به وفى الأجازة هقرفك على طول
* إنت تنور المطعم يابشمهندس فى أى وقت

قالت ذلك وابتسامة عريضة تمر على شفتيها . سافر سمير ليبدأ مرحلة جديدة من حياته .

العصمة فى يدها ( 7 )

سمير غادر مدينته مرغما ليعيش فى المدينة الأكبر القاهرة ، انبهر بمبانيها الشاهقة واللهجة القاهرية التى تسرى بين أحشائها ، تلك اللهجة الجديدة لم يعرفها من قبل ، أخذ يتحسس خطاه بحذر بين شوارعها الواسعة المزدحمة ، تنكر لقريته ، حينما يسأله أحد زملائه :

* إنت من أى بلد ياسمير ؟
* من مدينة ……………………

يحس بالخجل من أنه ابن قرية كذا و…………… ، يدعى أن والده كان يعمل مهندسا فى مصنع …………… وأمه بنت العمدة وأشياء كثيرة ، التحق بالمدينة الجامعية بعد أن قدم أوراق تؤكد أن له الأولوية . صديقه راشد لم يقدم بحث اجتماعى أو يفكر فى الالتحاق بالمدينة الجامعية ، امكانياته تسمح له بتأجير شقة والعيش وسط المدينة ، يكره قيود المدينة الجامعية سواء فى الالتزام بمواعيدها ونظامها وفرض طعام بعينه عليه ، إنها أشبه بثكنة عسكرية تخضع لقوانين صارمة ، سمير استمرأ المدينة الجامعية وعشقها ، استطاع التكيف معها ، جعلته يحس بالأمان فيها ، زميله الذى يسكن معه فى نفس الحجرة استطاع التأقلم معه ، لايزعجه إن كان يذاكر بصوت عال أو إشعال الضوء وهو نائم أو …………….. .، إنه يعيش كإنسان آلى تضغط على ريموته فينام فى أى وقت أو تحت أى ظروف تضغط على ريموته مرة أخرى فيستيقظ فى الوقت الذى يريده ، لاتفوته وجبة واحدة من وجبات المدينة أو محاضرة من محاضراته ، يتحكم فى أحاسيسه وشعوره ، بارد لا ينفعل مهما كانت الأسباب والظروف ، أطلقوا عليه مؤخرا الحلاق ، بنيانه القوى ، وسامته ، قدرته على تحمل الظروف الصعبة والتأقلم معها جعلته مركز قوى من مراكز المدينة الجامعية ، عدم وجود جنس آخر بالكلية خفف من حدة الصراع بينه وبين الآخرين ،لم يكن هناك اختلاط ، أحيانا ينتابه الملل فيذهب لزيارة صديقه راشد فى الحياة المدنية كما يطلقون عليها ، يسأله راشد دائما فى كل مرة عندما يقع نظره عليه :

* هل معك تصريح من المدينة الجامعية ؟
* أنا معى تصريح مفتوح …………. ماحدش ………..

حينما ضبطه سمير متلبسا يعاكس بنت الجيران من خلال شرفته المقابلة لشرفتها ، مازحه قائلا :

* بتعاكس البنات ياراشد !
* بنات القاهرة أساتذة فى المعاكسة و……..

يسودهما صمت ، ربما تتعانق أفكارهما حول سميحة ، سرعان مايزل لسان راشد دون أن يدرى :

* هل تعرف أخبار عن سميحة ؟

بدون اكتراث :

* فى الاجازة نصف العام سنعرف كل شىء عن سميحة وغيرها

سمير يتساءل أحيانا بينه وبين نفسه :

* لا أدرى سبب تمسك راشد بسميحة !

يظن أن هناك أموراً خفية فى سميحة لايدركها غير راشد ، لايعنيه أمرها كثيرا ، متابعة أخبار مدام نجاح تسبق كل أولوياته ، تشغل حيز كبير من تفكيره ، يحترمها ، يوقرها ، توطدت علاقته معها ونمت بشكل عشوائى مضطرد ، تقننها حواجز وحدود غير مرئية، تتمتع بنشاط وحيوية وجاذبية ، تعتز بنفسها كثيرا ، كلماتها قليلة ثاقبة ، كثير من الأسطوات يتملقوها وينافقوها ، لاتعطيهم أدنى اهتمام ، سمير شذ عن هذه القاعدة ، سرق لبها وحواسها ، انعكس ذلك على مجريات أحداث وأحوال ورشتها ، زوج خالته شهبور أكثر المتضررين والناقمين على سمير ، عندما تأمره مدام نجاح بمراجعة حسابات الورشة يدق قلبه بفوضى ، أى تعديل أو تغيير أو أخذ قرار جديد لايصبح سارى المفعول إلا بعد موافقة سمير عليه ، تشعره مدام نجاح بأنه صاحب الورشة ، تفتخر به فى كل مكان ، تشعره بأهميته دائما :

* أنا لدى مشوار ضرورى ……………. أنت المسئول عن الورشة فى غيابى

أحيانا تلغى وجود زوج خالته شهبور وهذا ماجعله يستشيط غضبا وحقدا عليه ، استخدم معه كل أساليب الغدر والخيانة التى يجيدها ولكنه لم يفلح ، أخيرا أشاع كلمات خبيثة لفت ودارت بين الورشة والورش الأخرى لعلها تصيب سمير إصابة مباشرة :

* ماتعرفشى سمير بينه وبينها إيه ؟ ! زى مايكون متجوزها  ………..

لاقت تلك الإشاعات صدى ورواجا بين الأسطوات على الرغم من أن معظمهم يثقون فى سمير ، ربما عبرت عما يخفوه داخل صدورهم أو ساعدت على إخراج كل الخبائث على ألسنتهم :

* أيوه ياعمى مدام نجاح راضيه عنك ………..
* أكيد بينه وبينها حاجة و ……. و ……….

هى الأخرى انتابتها الغيرة والشك من همسات الأسطوات ونظراتهم التى تفضح مايدور برؤوسهم ، إنها صارمة وقاطعة فى كلماتها معهم ، على الفور تنهرهم :

* كل واحد يهتم بشغله فقط و………

ربما زوج خالته يأخذ نصيبا أكبر من التقريع والتوبيخ قد يصل إلى الإهانة فى بعض الأحيان :

* إنت واقف تتمسخر مع العمال و …….. الظاهر إنك كبرت و …….

بعضهم تضامن مع الأسطى شهبور ضدها ، يظنون أنها تعامل سمير معاملة مختلفة عنهم جميعا ، قفز درجات السلم مرة واحدة ليصبح هو المنوط باستقبال الزبائن وتسليم شغلهم فى وجود زوج خالته شهبور ، أيضا حينما استوردت مدام نجاح ماكينة خراطة حديثة من ألمانيا كلفته بمن يترجم الكتالوج الخاص بها ، استغرق ذلك عدة لقاءات معها سواء فى بيتها أو مكتبها حتى تمت المهمة بنجاح . كان ذلك فى منتصف العام الدراسى ، زاد ذلك من شأن وقدر سمير ، أصبح المهندس الحقيقى فى الورشة على الرغم من أنه فى بداية دراسته ، لم يكتسب أصدقاء جدد فى عامه الأول ، كثير من زملائه ينفرون منه ، يعاملونه بتحفظ فى أغلب الأحيان ، يظنون أنه متحذلق، يحاول القفز إلى طبقة غير طبقته المنحدرة كثيرا ، حرصه الشديد على المال وأسلوبه الجلف مع الآخرين وإن حاول تهذيبه جعل الكثيرين ينفرون منه ويتقولون عليه ى الخفاء :

* الفلاح لما يتمدن يجيب لأهله مصيبة و ………..

على الرغم من ذلك فكثير من زملائه بالكلية فى حاجة ماسة إليه ، سواء نقل محاضرة فاتتهم أو سكشن أو حجز مكان أو …………….. ، أيضا ظهر تفرده فى مادة الرسم الهندسى وغيرها من المواد . كانت لديه قدرة فائقة على التخيل ، لايتأخر عن مساعدة زملائه ولكن بأجر مدفوع مقدما ، زميله هانى بالكلية أكثرهم كرما والتصاقا به ، ربما يكون صديقه الوحيد الذى اكتسبه منذ التحاقه بالكلية ، لم يكن من طلاب الأزهر . كان من طلبة الثانوية العامة ولكنه أخذ سنة زيادة دراسية على حسب اللوائح والقوانين المعمول بها حينذاك ، اصطحب سمير إلى الفيلا التى يعيش فيها بمصر الجديدة ، اعتمد عليه فى كل شىء ، أصبح يقضى معظم الوقت معه فى طابق خاص لهانى بالفيلا ، والده ميسور الحال ، لديه شركة استيراد وتصدير  ، توفت زوجته مؤخرا وتركت أراضى وعقارات لابنها هانى وأخته شيرين ، سمير وجد بغيته التى كان يبحث عنها ، لم تعد المدينة الجامعية ذات أهمية كبيرة له ، فيلا هانى هى بيته ومستقره الجديد ، أصبح يتغيب عن المدينة ولايلتزم بمواعيدها وضيف هانى الدائم ومدرسه الخصوصى أحيانا ، سيارة هانى تحت مشيئته ، قمصانه وبدله وملابسه التى تتناسب مع سمير حق مكتسب لاستعمالها ، أحب سمير القاهرة الساحرة أكثر من مدينته الصغيرة ، البعض يظن أنه من سكان مصر الجديدة ، تنصل لماضيه ، لم يعد يتذكر قريته أو مدينته إلا فى العطلات ، يظهر الحب والولاء لاخيه صادق إرضاءً لزوج أمه ، كذلك يرضى ليلى بكلمات عندما يزورها فى المطعم :

* والله ياليلى أنا بحس بالأمان والراحة وأنا معك

تلك الكلمات قد تكون معادة ومكررة وربما تكون نفسها التى كان ينثرها تحت أقدام نوسة من قبل ، قد تكون مختلفة مع مدام نجاح :

* أنت غيرتى مجرى حياتى ……… أنت الهوا الذى أتنفس به

تلك الكلمات تفعل فعل السحر مع مدام نجاح ، تحلق بها فى السماء ، تشعرها بوجودها كأنثى ، لم تسمعها من قبل من زوجها العجوز البخيل فى كل شىء ، عطاءاته محدودة كما تظن زوجته ، أنجبت منه ولدين بالكاد على فترات متباعدة ، ربما يكون عطاؤه قد توقف ، تجاوزت الأربعين من عمرها ، وحيدة بعد سفر زوجها لكسب المزيد من المال ، يعمل فى شركة بترول بليبيا ، يحصل على عائد كبير ، يعود كل عام على زوجته لقضاء فترة نقاهة من عناء العمل المضنى ، عمله مركز بالصحراء ، يعمل على بريمة ، له خبرة لابأس بها فى هذا المجال ربما زوجته لم يعد يهمها وجوده من عدم وجوده ، تقارن فى مخيلتها بينه وبين سمير ، قد تتوقف عند أشياء بعينها ولكنها تقاوم رغبتها المسعورة ، تحس أنها تضعف وتنهار مقاومتها عندما تنفرد به فى بيتها ، دائما تلح عليه :

* أنا سأنتظرك اليوم فى البيت ……………….
* ولكننى …………..

تقاطعه :

* لن أقبل أى عذر

دائما تشتكى له من تقصير زوجها بأسلوب مغلف :

* أنا متزوجة مع إيقاف التنفيذ و ………….

يصمت أو يحاول التخفيف عنها بكلمات عزاء لطيفة ، هناك حواجز وسدود منيعة تحول دون اجتيازها ، قد يكون فارق السن ، أو ربما يخشى أن ينزلق لسانه بكلمة قد تغضبها وتضيع هيبته أمامها ، يتوخى الحذر ، يخشى أن يضيع كل ما حققه من مكاسب فى لحظة طائشة . كانت أجازته الصيفية مختلفة بعض الشىء عما قبل ، تصر على أن يتناول معها الغذاء فى بيتها القريب من الورشة . تصطحبه أمام الجميع بما فيهم زوج خالته دون مراعاة أى شىء حتى فى وجود زوجها الذى تصادفت أجازته مع أجازة سمير بعد نهاية عامه الدراسى الأول ، إنه فى انتظار النتيجة ، يظن أنه قد وفق فى امتحاناته . المهندس كمال زوج مدام نجاح كان كريما معه على غير عادته مع الآخرين ، زوجته حكت له عن سمير ، ربما بعضها حقيقية وأخرى خيالية ، أحس زوجها بمكانة سمير هذا ، إضافة إلى أشياء أخرى أدخلتها فى روعه ، آمن وصدق بكل كلمة حكتها له زوجته ، اكتسب سمير شرعية تواجده فى بيت المهندس كمال سواء فى وجوده أو عدم وجوده . سافر المهندس كمال إلى ليبيا وظل سمير يمارس عمله بالورشة بأكثر جرأة وإقدام عما قبل ، تبخرت آمال شهبور وآخرين . ظل كابوس سمير يجثم فوق صدورهم . مالبثوا أن انقلبوا على المهندس كمال بكلمات أخذت تلف وتدور فى أرجاء الورشة وربما المنطقة الصناعية كلها :

* طلع خروف
* سلم نمره ………….

ربما مدام نجاح تشعر وتدرك بما تنطق به عيونهم ولكن هذا الأمر لم يعد يقلقها مادام زوجها يثق بها وبسمير .

العصمة فى يدها ( 8 )

بمجرد أن انتهى سمير من امتحاناته شد الرحال إلى مدينته الصغيرة ، عرٌج على ورشة مدام نجاح لتكون فى استقباله . كان لديها علم مسبق بوصوله ، لم تنقطع الاتصالات بينهما ، هاتف صديقه هانى سهل عليه الأمر مؤخرا ، أخذت تحكى له عن أحوال الورشة والصنايعية والزبائن وعن أشياء كثيرة تخصها . كان يوافقها الرأي دائما ، عندما هم بالنهوض طلبا للراحة والاطمئنان على أخيه وأمه نهرته غاضبة :

* إنت معزوم على الغذاء معى اليوم

ردخ صاغرا وإن كان يشعر بالزهو والسعادة على إصرارها ، تناول طعامه معها بمفرده . ملابسها كانت متحررة من بعض أجزاء من جسمها على غير عادتها ، لأول مرة يرى شعرها الأسود الفاحم المنسدل على كتفيها ، عيناها أكثر إشراقا ، تبدو مختلفة كثيرا عن شكلها بالورشة ، ابتسامة خفيفة تمر على شفتيها وهى تخصه بقطع من اللحم التى يفضلها ، تمنى أن يحتويها بين ذراعيه ، دماؤه الحارة تغلى وتفور ، سدود وحواجز تمنعه من الاقتراب ، تلامست يده بيدها المشتعلة كالجمر وإن كانت تبدو غير مقصودة ، مؤشر الإبحار والانطلاق فى مياهها الدافئة غير واضح المعالم ، تركها وإن لم يتذوق ثمرتها ، تهاوت بعض الحواجز والسدود بينهما فى هذا اللقاء ، ربما أرادت أن توجه نظره إلى ثمار أشجارها الناضجة اللذيذة الممتعة . تلك اللحظات لم تغادر خياله حتى مرق باب بيته ، تخلص من حقيبته وأشياء أخرى تؤرقه . كان عليه أن يأوى إلى فراشه مبكرا ليداوم عمله بالورشة تحت إصرار مدام نجاح ، تذكر فى تلك اللحظة أنه لم يخبر أمه عن عودته . زوج خالته هو الآخر كان فى انتظاره ، على الفور قصد باب خالته بعد أن قد أخذ قسطا من الراحة ، فى الطريق تقابل مع صديقه راشد الذى كان سبقه للبلدة بعدة أيام . عندما علم منه أنه قاصد بيت خالته :

* خذنى معك أسلم عليهم

سمير واثق الآن أنه مولع بسميحة بنت خالته ، استقبلت سمير بحرارة وحفاوة بالغة على غير عادته أمام والديها ، راشد مستاء وإن كان يخفى ذلك داخله ، لم تعطه سميحة الفرصة ليعبر لها عن شعوره نحوها ، كل مايملأ قلبها وأحساسيها سمير ابن خالتها . عيناها لاترى غيره ، دائما تحاول جذب انتباهه ولكنه غارق فى حساباته ، فكرة ارتباطه وزواجه بها أو غيرها لاتلقى رواجا داخله ، ربما يهرب من المسئولية ، يفضل ارتباطه بأجنبية سواء أوربية أو أمريكية . سميحة لاتمل ولا تيأس ، تعيش على أمل دائما ، ستفرض نفسها عليه لو اضطرت لذلك . أصبحت تحب مادة الرياضيات حبا فيه . تذرع لها بأنه مضطر للاطمئنان على أمه ، بينما هو يشق طريقه بوسط الشارع الرئيسى لقريته أستوقفته أشياء كثيرة وكأنه لم يرها من قبل ، معظم بيوتها من طابق واحد ، نادرا مايكون مبنيا بالطوب الأحمر والأسمنت ، شوارعها ضيقة متعرجة غير مرصوفة ، الحمير والبهائم وعربات الكارو تقاسمه  الطريق  ، الوجوه باهتة ، ملابس رثة قذرة أو ممزقة تظهر أجسامهم ، أحيانا ضجيج وصرخات  أطفال ، يخيل إليه أن هذا الجو الخانق لم يعد يروق له ، ربما كان يفضله من قبل ، لايدرى إن كانت قريته قد تغيرت أو هو الذى تغير ، حتى مدينته الصغيرة لم تعد تبهره ، الحياة فيها شبه ميتة ، نيلها لم تعد مياهه صافية ، قد تكون مبانيها متعددة الطوابق ولكنها شاخت وهرمت ، لم تعد تثير فى نفسه البهجة ، أفاق من أفكاره وهو يمرق بيت زوج أمه الهادىء الصامت  ، يتسلل منه ضوء خافت ، بمجرد أن وقعت عينا أمه عليه اتجهت نحوه تحضنه بحرارة :

* وحشتنى ياسمير و ………………….

لم يكن زوجها متواجدا بالبيت ، أخوه صادق يزحف بالصالة ، توقفت نظراته عليه . كان يحاول النهوض ممسكا بمقعد كبير يتوسط صدر الصالة ، يفشل ، تكررت محاولاته حتى سقط فى المرة الأخيرة على الأرض ، أخذ يصرخ فى تواصل ، ربما من سقطته أو إحساسه بالفشل . اتجه سمير نحوه يحمله على الفور وهو يربت على ظهره ، شربت عيناه من ملامحه ، أحس أنه يشبهه كثيرا . كانت أخته روحية أتت من توها بعد صرخات أخيها صادق ، جالت بخاطره أمور كانت تقلقه قبل سفره إلى مصر ، انزلق لسانه بكلمات :

* ماشى الحال مع رزق ياروحية

تلك الكلمات نزلت كالصاعقة فوق روحية وأمها ، أخذا يتطلعان إلى بعضهما فى صمت ، عيونهم تكاد تنطق بما تخفيه صدورهم ، بصعوبة سألته أمه :

* إنت سمعت حاجة ياسمير ؟
* يعنى فى حاجة فعلا ؟
* كان ضايق أختك و……….

على الفور هم سمير بأخذ أخته معه إلى قريته ، حاولت أمه أن تثنيه عن عزيمته ولكن دون جدوى ، وهو يمرق خارجا بفوضى وارتباك كاد يسقط من فوره ، دماؤه تغلى ، وصل إلى بيته متأخرا ، أخته روحية صامتة لم تنبس ببنت شفة ، أفكاره المبعثرة تدور هنا وهناك ، بعد أن استعاد سمير هدوءه قرر أن يعرج إلى ورشة الأسطى حنكش فى الصباح ليطيب خاطره ، أصابته الوساوس والشكوك بمجرد أن فاتحه بأمر أخته روحية وأخذها معه  إلى البيت فى القرية ، إنه لايثق فى أخلاق وتصرفات ابنه رزق ولكن زوجته سكينة لم تخبره أو تلمح له عن أى شىء ، سمير هو الآخر يخشى أن يكون الأمر قد تعدى المعاكسات وسلب منها شيئا عزيزا عليها ، بمجرد أن وطأت قدماه ورشة مدام نجاح نسى كل شىء ، أخذت تلاحقه بنظراتها الحنونة وابتساماتها العريضة الصافية ، سرقه العمل بالورشة ، مرت الأيام سريعة متلاحقة حتى فوجىء بتلغراف من صديقه هانى :

* مبروك نجحت بتقدير جيد جدا

فاجأته مدام نجاح بعمل حفلة صغيرة مكافأة له ، تظن  أنها ساهمت بقدر وافر فى نجاحه هذا ، لم يكن متواجدا بتلك الحفلة غيره . كان يوم عيد ميلادها ……….. ، ظهرت فى أزهى صورة لها وكأنه يوم عرسها وهى تقدم له هديته وتقبض على يده بحرارة ، عيناها تطفح بالشهوة والرغبة المجنونة ، صدرها يطل عليه باستحياء من فتحة صدر بلوزتها ، الدماء الحارة قفزت من مكمنها بفوضى ، دون أن يدرى وجد نفسه يحتضنها . الشهوة المسعورة أفقدته عقله ،  هى الأخرى بادلته نفس الشعور ، سقطت من شفتيها همسات :

* الظاهر إنك عفريت ياسمير

تلك الهمسات أشعلت الرغبة المسعورة داخله ، هجم عليها كوحش مفترس ، عاشرها كزوجة يوم عرسها ، استسلمت له فى وداعة مستمتعة راضية ، توالت لقاءاته معها فى الخفاء ، تمزقت كل حواجز الخوف بينهما ، لم يعد يستهويه مقابلة ليلى أو غيرها ، أصبح يدور فى فلك مدام نجاح ولكن متخفيا ، لم يعد يتجاذب معها الحديث  فى مكتبها إلا فى حالة الضرورة ، كذلك تغيرت كلماته ومعاملاته لها أمام العمال فى الورشة :

* حضرتك ………….. تحت أمرك

حينما يلتقيان معا فى الخفاء :

* يا نجاح ……………. يا حبيبتى ………………

لم يخف ذلك على الأسطى شهبور ، أحاسيسه وشعوره كرجل متزوج يدرك بأن ثمة علاقة مشينة تجمعهما معا ، أحيانا يقذفه بكلمات ظاهرها فيه الاحترام والتقدير وباطنها السخرية منه :

* صلى بنا جماعة ياشيخ سمير

سمير لم يفرط فى أى فرض من فروضه ، يرتدى لباس التقوى والورع ، كثيرا مايعظهم ويذكرهم بالحرام والحلال و …………… ، كلماته الهادئة الوقورة وتظاهره بالتسامح فى حقه جعلهم فى حيرة من أمره :

* الله يسامحكم …………….

الأيام تمر مسرعة ، يكتسب أصدقاء جدد ، يتخلى عنه أصدقاء قدامى ليتحولوا إلى أعداء ، ربما يكونوا قد أزاحوا القناع الذى يختفى خلفه كما يظن ، الأهم من ذلك أسهمه مع مدام نجاح فى تصاعد مستمر ، زوج أمه تزداد ثقته به يوماً بعد يوم دائما يردد :

* سمير علم وأخلاق و……..

انتهت أجازته ليعود لدراسته من جديد ، صديقه هانى هو سنده وملاذه فى القاهرة . فكرة أن يترك المدينة الجامعية ليستقر معه فى الفيلا تلح عليه دائما ، المخاوف والوساوس تجعله غير قادر على اتخاذ قرار صائب ، لايثق فى الآخرين بسهولة ، يأمل هذا العام أن يضاعف من مجهوده ليحصل على تقدير أعلى ، لم تعد القاهرة تخيفه كما كان من قبل ، نسى أنه فلاح أتى من أعماق الريف ، اكتسب شكلا ومظهرا جديدا وإن كان لسانه يزل ببعض كلمات تخرج منه أحيانا دون أن يدرى ، سرعان ما يتراجع عنها أو إضافة كلمة حفظها عن ظهر قلب لتخرجه من مأزقه :

* على رأى الفلاحين ……………

انسلخ من ماضى قريته الذى يشعره بالمهانة والخضوع ، عندما حضر مراسيم وطقوس زواج شيرين أخت صديقه هانى أحس بالفرق الواضح والكبير بما يجرى فى قريته والمدينة الكبيرة . لفت انتباهه البذخ والتبذير والمظاهر الزائفة . يظن أن الجميع يلبس أقنعة يخفون خلفها حقيقتهم الخادعة ، هو الآخر نهج نهجهم وارتدى حلة جديدة من حلل المهندس كمال زوج مدام نجاح ، أعطته تلك الحلة هدية من قبل عندما أشار لها عن حفل زواج شيرين ، على الفور صحبته إلى دولاب زوجهها ووجها يطفح بالسعادة :

* اختار البدلة التى تعجبك

شهدت تلك الحلة مولد زواج شيرين من المهندس عاطف ، تعرف فى تلك الليلة على كثير من رجال الأعمال والأثرياء أصدقائه . المهندس عاطف قضى معظم حياته بين أوربا وأمريكا ، له تجاربه الثرية العديدة  ، كره أن يرتبط بأجنبية ، أحب شيرين بعد أن وقع نظره عليها أول مرة فى شركة الاستيراد والتصدير وهى مع والدها . تغاضت عن فارق السن بينها وبين عاطف مقابل ثرائه ، أيضا لم يتقدم أحدا لخطبتها من طبقتها ، الكل يطمع فى ثروتها ، سمير اقترب من والدها كثيرا عن طريق هانى ، ترددت قدماه على شركته ، فى البداية برفقة ابنه هانى ، كذلك تقرب من المهندس عاطف زوج شيرين ، ألف الجميع وجوده بالفيلا والشركة ، حتى الموظفون والموظفات الذين يعملون بها ، اسمه يتردد بين أفواه الكثير منهن ، وسامته تجذبه إليهن ، فى الجامعة تعرف على كثير من الطلبة بعد اشتراكه فى مجلتها . كانت لديه محاولات سابقة فى قرض الشعر ، قد تكون لديه الموهبة ولكنه لم يستطع تنميتها ورعايتها ، ربما ذبلت وفى طريقها للضمور ، صديقه راشد هو الذى أرشده إلى طريق المجلة ، هو الآخر يكتب مقالاً فيها . كانت أخته نادية تعيش معه فى نفس الشقة بعد أن التحقت بكلية الآداب مؤخرا ، مجتهدة فى دراستها ، تميل للسمرة ، أخذت عينى أمها الضيقتين ، هادئة ، مجاملة لحد كبير ، دائما تشيد بسمير لإخيها راشد الذى يخالفها الرأى :

* صديقك وتتكلم عليه بهذه الطريقة و………
* انت لاتعرفيه على حقيقته

نادية تلتقى معهما أحيانا ، تشاركهما حوارهما ونقاشهما ، راشد لايغير عليها من سمير على الرغم من أنه شديد الغيرة عليها من الآخرين .

العصمة فى يدها ( 9 )

تحولت أحلام سمير وطموحاته . لم تقف عند حدود صاحب ورشة كما كان يحلم من قبل ، طارت به بعيدا ليكون من أصحاب التصدير والاستيراد والتوكيلات ، لعبة جديدة دخلت عالمه فجأة ، ربما تأثر بوالد شيرين وزوجها عاطف والثراء والهيمنة ، طموحات المدينة الكبيرة تختلف عن طموحات مدينته الصغيرة ، أصبح يلازم هانى فى غدوه ورواحه بشركة والده ، حب الفضول يدفعه إلى التدخل فى عالم التصدير والاستيراد والمكسب الفاحش ، لم يكن صديقه هانى يدرك نواياه الخفية ، أقصى تصوره أن يعمل فى مجال التصدير والاستيراد بعد تخرجه من الجامعة وليس أكثر من ذلك ، على أى حال لم ينته من دراسته بعد ، ربما يغير تفكيره ومنهجه بعد تخرجه ، ازداد إدراكه بالمدينة الكبيرة ، عرف كثيرا من شوارعها وربما مقاهى بعينها ، تشابك عالمه لمعرفة وخبرة جديدة لفتيات ونساء وربما ساقطات وإن لم يغرق فى بحورهن ، حدوده محصورة ضيقة ، انتهى عامه الدراسى بنفس كيفية العام الدراسى السابق ليعود من جديد إلى مدينته الصغيرة ، لم تكن الأمور تسير وفق إرادته ، اختلفت كثيرا عما قبل وخاصة فى بيت الأسطى حنكش . كان قد طرد إبنه رزق من بيته وورشته ، عندما حاول سمير معرفة الأسباب من أمه أنكرت فى بداية الأمر ، تحت إلحاحه وجد نفسه طرف فيها دون أن يدرى . كان رزق حاول الاعتداء على أخته روحية بحجة أنه يحبها ويود الزواج منها ، تصادف ذلك فى عودة والده من الخارج . كان البيت خاويا من الجميع إلا من روحية وأخيها صادق والذئب رزق ، شد الأسطى حنكش صرخات روحية واستغاثاتها ، زلزلت كيانه ، ظن أن ابنه صادق أصابه مكروه . كان مصابا بنزلة معوية ، تصارعت دقات قلبه ، اقتحم بوابة البيت بلهفة ، يسوقه الذعر والارتباك ، عندما وقعت عيناه على روحية المنكمشة فى ركن قصى من الحجرة أدرك بعض الحقيقة ، بلوزتها ممزقة من فوق صدرها ، دموع غزيرة تنساب من مقلتيها ، بغريزته أدرك الفجيعة كاملة ، لم يخطر بباله أن يفعل ابنه رزق مع روحية تلك الفعلة ، أتى للبيت بالصدفة للاطمئنان على ابنه صادق المريض وليس أكثر ، روحية سهرانة مع صادق طوال الليل ترعاه وتعمل له كمادات و…………… ، مازال يبكى بكاءا حارا ، ليس من آلام مرضه ولكنه يبدو محتجا ثائرا على أخيه رزق ، غلى الدم فى عروق الأسطى حنكش ، ثارت ثائرته ، أعماه الغضب ، انهال ضربا على ابنه رزق وهو يردد بهستيريا :

* إنها مثل أختك ……………… طالع زبالة ولمامة مثل أمك

كاد يقتله ، فر من أمامه هاربا ، أقسم أن لو رآه فى بيته أو ورشته لقتله ، منذ تلك اللحظة وأصبح رزق فى عداد المهدور دمه ، نبذه الجميع بما فيهم أخته هانم  لم يقف بجانبه إلا الأسطى كسبانى ، احتضنه كإبنه ، أصبح مسئولا عن ورشته ، استثمر كسبانى طيش واندفاع رزق الماجن لصالحه . قام بالتشهير ضد عدوه الواد سمير وأخته ، تلك الإشاعات أخذت تدور بين رحى الورش والزبائن :

* الأسطى رزق معذور …………….. البنت روحية رمت بلاها عليه و………

ماتت تلك الإشاعات فى مهدها ، لم يهدأ كسبانى ، فكر فى توجيه ضربة أخرى لسمير من اتجاه آخر ، لم ينس له أن ليلى فضلته عنه من قبل ، الأسطى رزق متدفق بالحيوية ، له مكانته فى السوق ، ربما يميل نحو ليلى ، كسبانى نفخ فى الرماد ليشتعل ، أوعز لرزق مناطحة سمير ليخطف ليلى من أمامه ، سرعان ماأخذ يوسوس له :

* ليلى قمر ، تزوجها حتى ترد اعتبارك و ………….
* أنا خايف ترفضنى بعد ……..
* اترك لى الأمر

تلك الكلمات أدارت رأسه ، جعلته يلاحق ليلى بكلمات معسولة ، أصبح زبوناً دائماً بالمطعم ، يبدو كريما وسخيا معها على غير العادة ، دائما يردد وعلى مسمع منها :

* المطعم من غير ليلى ……. و……..

واصل حديثه و حواراته معها فى غياب سمير من سمائها ، بدأت كلماته تلامس شغاف قلبها ، أخيرا عرض عليها الزواج :

* تتزوجينى ياليلى ؟

عرضت الأمر على أمها :

* رزق من ثوبك ……….. ، سمير طار من عشك ولن يعود

مازال قلبها متعلقاً بسمير ، كلمات العشق والغرام قد تكون جفت من بين شفتيه لها ، حائرة ، دائما فى حالة تيه وانشغال ، تفكر فى أن تعرض الأمر على حبيبها سمير ولكنها تعرف الإجابة مسبقا :

* أنا مازلت طالباً و…………….

ليلى تظن أن عصفوراً فى اليد خير من عشرة عصافير على الشجرة ، تنامى إلى سمع سمير حكاية ليلى ورزق ، لم يبال أو يهتم . مدام نجاح تسيطر على كل عواطفه وأحاسيسه ، زوجها منشغل عنها بجمع الأموال ، زوجها على الورق ، حتى فى حالة تواجده أصبح عديم التأثير والفاعلية ، البيت الجديد الذى اشتراه مؤخرا مفتاحه مع زوجته وحدها ، أصبحت تلتقى فيه مع سمير ، يملأ عليها حياتها ، عطاءه لاينفذ ، تتفتح بين أحضانه ، تعددت لقاءاته معها أثناء العطلات الدراسية ، بنت خالته سميحة لم تعد تراه إلا نادرا ، ربما لمح لها والدها عن مدام نجاح بطرف خفى ، فشلت كل ملاحقتها لسمير لإحساسه بها كحبيبة ، صديقه راشد مولع بها ، طفح به الكيل ، لايعرف اتجاه سمير الحقيقى نحوها ، يخشى أن يصطدمه ويتزوجها ، فاجأه بكلمات لم تكن فى حسبانه عندما كان فى زيارة له بشقته فى تواجد أخته نادية :

* هل فى نيتك الزواج من سميحة بنت خالتك ؟
* حاليا لاسميحة ولا غيرها
* إذن سأرتبط بها قبل أن يخطفها غيرى

راشد تجاوز مشكلة سمير التى كانت تؤرقه كثيرا، لم يتبق غير إقناع أمه للارتباط بسميحة بعد أن كسب أخته نادية بجانبه ، علاقتها الوطيدة بسميحة ستسهل عليه المأمورية ، من مصلحتها هى الأخرى أن تبعد سمير عن سميحة ، تميل نحوه دون التصريح له بأى شىء ، قد يكون أخوها راشد قد وعدها أو عقد معها صفقة بشأن هذا الأمر ، هى تسهل له أمر زواجه من سميحة وهو الآخر يساعدها على أن تصطاد سمير وتقتنصه زوجا لها ، بعد مناورات ولقاءات ولف ودوران فاتح راشد أمه ، إنها ولية أمره بعد وفاة والده ، ولكن ابنها راشد مازال طالبا ، لاتود أن تكسر بخاطره ، متمسك بسميحة كالغريق الذى يتمسك بقشة ، صديقه سمير لم يتدخل لصالحه كما طلب منه ، يظن أنه أمر مجحف لإرغام سميحة بالزواج منه ، قطع علاقته مع خالته وبنتها سميحة ، والدها هو الآخر قطع الأمل من زواج ابنته بسمير ، يظن أن مدام نجاح خططت واستقرت بزواجه من أختها ، لم يعرفها أو يلتقى معها ، بديعة ، ممشوقة القوام ، أكثر روعة وجمالا من أختها نجاح . ربما تفاتحه بعد أن ينتهى من دراسته ، لم يتبق إلا عاماً واحداً ويصبح مهندسا فعليا ، عندما تقدم راشد للارتباط بسميحة لم يتردد والدها ولكن سميحة رفضت بإصرار شديد ، بعد مباحثات وإقناع الأسطى شهبور ابنته سميحة بأن سمير لاأمل فيه و ………………. ، وافقت على مضض ولكن بشرط أن ينتهى راشد من دراسته . أصرت أم راشد :

* خلاص نقرأ الفاتحة و …………..

سميحة اضطرت للإذعان ، مازالت تحلم بأن يتقدم إليها سمير ، يمكنها التخلص من هذا الارتباط الواهى فى أى لحظة كما تظن . منذ تلك اللحظة لم يعد والدها يهادن سمير بالورشة ، الحرب قائمة بينهما ولكنها حرب باردة ، المشكلة الآن أن كل الأسطوات بالورشة يساندون سمير ، متآلفين معه ضد الأسطى شهبور ، يتمسحون به لعله يكون واساطتهم لمدام نجاح ،أصبح مصدر ثقتهم جميعا ، يلجأون إليه دائما فى حل مشاكلهم على الرغم من أنه أصغرهم . عندما تمردت نوسة على زوجها رأفت تدخل سمير بينهما . كان ذلك بمحض الصدفة عند زيارته لهما ، تدخل فى الوقت المناسب ، رضخت له نوسة ، لم يرق له أن يعلو صوتها على صوت زوجها رأفت ، فى التو تذكر كلمات رأفت قبل زواجه من نوسة :

* خطيبتى بتموت فى جلدها مجرد ماأبص لها بصة ………………..

قبل أن يودع صديقه رأفت انفردت به نوسة ، تحايلت على خلق تلك الفرصة ، بكلمات سريعة متلاحقة هامسة فى أذنيه :

* طلع مقلب ………….. كنت مغرورة فيه ……………

علت فوق شفتيها ابتسامة ذات معنى ، أدرك سمير بغيتها ، ذكرته بالأيام الفائتة :

* انت الآن زوجة و…………………..
* زواج الشوم ……………….. ، ليتنى فضلت مخطوبة و ………

فر من أمامها مذعورا ، كلماتها شدته للماضى ، أخذته الذكريات بعيدا بكل تفاصيلها المثيرة ، يظن أنه أغلق ملفها للأبد ولا عودة إليه ، يكفيه مدام نجاح ، ربما لم يعد قادرا على تلبية رغباتها المتلاحقة ، أثناء زيارته الأخيرة لها فاجأته بفتاة ممشوقة القوام ، الدماء تنفجر من وجنتيها ، صدرها ممتلىء كثيرا ، لأول مرة يراها فى بيت مدام نجاح أثناء تواجده ، حاول اكتشاف هذا الكائن الغريب الذى هبط عليه فجأة ، أخذ يتطلع إلى مدام نجاح متسائلا فى صمت ، قبل أن تنصرف قالت له :

- أختى هناء …………. كلية التجارة

سرعان ما غادرت البيت ، شغل ذهنه هذا اللقاء ، ربما كان مدبرا أو لعبت الصدفة فيه . منذ تلك اللحظة وأصبح سمير يلتقى مع مدام نجاح فى بيتها الجديد الذى اشتراه زوجها مؤخرا .

العصمة فى يدها ( 10 )

عرض هانى على صديقه سمير السفر معه إلى هولندا . كان ذلك فى العطلة الدراسية ، سمير أرجأ ذلك بعد الانتهاء من دراسته ، ربما ينطلق بعد ذلك لأى مكان ، الأمر يختلف مع صديقه هانى ، ستكون مجرد رحلة ، لايعبأ إذا فشل ، فوق ذلك سيرافق زوج أخته المهندس عاطف ، سيذلل له كل الصعاب ، سيسافر أساسا لتصفية حساباته مع شريكته مدام برناديت ، اختلفا معا من قبل ، عرضت عليه مؤخرا مبلغا أفضل ، قد يقبله المهندس عاطف مضحيا ، يود توجيه مدخراته إلى اتجاه آخر ، مقصده الآن الاستثمار مع زوجها شيمون الذى يعيش فى أمريكا ، زوجته برناديت وابنتها إيفون يعيشان معا فى هولندا ، عاطف يود أن يستقر مع زوجته بمصر ويدير أعماله من خلالها ، زوجته شيرين حلت محله لحين عودته ، تعرف الكثير فى أمور التجارة ، اكتسبت خبرتها من والدها وزوجها عاطف ، برناديت استقبلت عاطف بحفاوة ، قضت معه ليلة ممتعة فى الخفاء بعيدا عن عينى هانى ، ربما كان ذلك برتوكولاً أو تحية بينهما لايستطيع التخلى عنها ، لم تكن العلاقة الوحيدة . كان لعاطف علاقات متعددة ومتشابكة ، ربما لايستطيع حصرها ، شبابه كله قضاه مع هولنديات وجنسيات أخرى مختلفة ، حتى الفلبينيات اللاتى لم يستسغ طعم أنوثتهن كانت له تجارب معهن ، لم يكن فخورا بتلك العلاقات الأثمة ، يعترف بذلك على استحياء ، قٌَدم هانى لمدام برناديت وابنتها إيفون :

* هانى أخو زوجتى شيرين

إيفون أخذت تتفحص هانى بعينين ثاقبتين ، قد تكون نظرات استحسان ، إنها فى طور المراهقة ، مازالت بكرا تحتفظ بغشاء بكارتها ، أحست بالراحة والارتياح نحو هانى ، استأثرت به لنفسها ، تنفرد به كثيرا سواء فى الخفاء أوأمام عينى أمها ، رافقته إلى أماكن مختلفة بهولندا للتعرف على معاملها ، تعودت على وجوده معها ، مازالت طالبة تدرس ، عرضت على هانى أن يعمل معها فى فترة الصيف بهولندا ، رحب بالفكرة ، فضل العمل معها فى مصنع الروائح ، لأول مرة يكتسب أموالاً من عمل يده ، كل أسبوع يأخذ أجره ليدفع ثمن إقامته لمدام برناديت و………… و……… ، أحس بطعم مغاير لتلك الأموال ، إيفون تسهر معه فى حجرتها ، أمها سعيدة لتلك العلاقة ، لأول مرة تتآلف ابنتها مع شاب . كانت أول تجربة لها ، تعلقت بهانى ، أعطته نفسها بلذة وإستمتاع ومجون ، فقدت عذريتها ،زوج أخته عاطف أنهى مأموريته وغادر هولندا تاركا هانى وحده ، يخشى عليه أن يجرفه تيار المجون ، ستسيطر عليه إيفون ، ستكون العصمة فى يدها كما يظن ، بعد أن توقفت أعاصير أفكاره طمأن نفسه بأنه حتما سيعود ليكمل دراسته رغما عنه ، لن يعيد تجربته المظلمة هناك ، مازال يدفع ثمن تلك الفاتورة الباهظة الثمن ،آخرها لقاءه مع برناديت فى الظلام ، بعد بضعة أسابيع من الدراسة كان هانى قد غادر هولندا ، حاملا بين طياته تجربة جديدة لم تكن فى حسبانه ، أدهشت صديقه سمير عندما أخذ يحكى له عن كل تفاصيلها المثيرة ، عالم جديد لم يعرف عنه شيئا من قبل ، فتح سمير فاهه مبهورا عندما أخذ يحكى له عن تجربته مع إيفون بكل حذافيرها دون الاحتفاظ لنفسه بأى شىء ، سمير عشق هولندا وفتيات هولندا قبل أن يراها من خلال عينى صديقه هانى ، تمنى أن يخوض تلك التجربة لنفسه ولكن بعد أن ينتهى من دراسته ، هو الآخر استمتع بأجازته الصيفية مع مدام نجاح ، ثارت ثائرته على صديقه راشد حينما ألمح له عن إشاعات سمعها بخصوص تجربته مع مدام نجاح :

* من أين لك بهذا الكلام الفارغ ؟
* زوج خالتك شهبور سمعه من أكثر من واحد

هز سمير رأسه بامتعاض ، أدرك أن زوج خالته شهبور يحاربه فى الخفاء ، كره بيته وكره لقائه ، لم يعد يزور خالته إلا نادرا ، يشعر أنه ضيف ثقيل غير مرغوب فى بيتها ، راشد صديقه استأثر بالبيت ومن فيه ماعدا سميحة ، دائما يهمس فى أذنيها بأشياء بغيضة كريهة عنه ولكنها تقف له بالمرصاد :

* سمير مخادع لاتعرفينه على حقيقته …..
* بالعكس سمير قلبه أبيض ويتكلم عنك دائما بكل خير و …….

أخذت سميحة تقارن بينهما فى مخيلتها ، رجحت كفة سمير ، ازداد تعلقها به ، كان قد غادر بلدته إلى القاهرة ليبدأ عامه الدراسى محملا بالغضب والإزدراء على صديقه راشد ، تكاد تكون علاقتهما معا فى حالة احتضار ، راشد انتهى من دراسته الجامعية ومرشح للعمل بالتدريس فى بلدته ، انقطعت علاقته بالقاهرة ، لن تجمعه مع سمير مرة أخرى . عليه مضاعفة مذاكرته لينتهى من البكالوريوس هو الآخر وصديقه هانى الذى انشغل بمرض والده المفاجىء ، الأطباء أكدوا أنه مصاب بفيروس سى ، ارتبك هانى ، أصبح جهده موزعا بين الشركة والدراسة وعمل الأشعة والتحاليل وخلافه مع والده ، انعكس ذلك على صديقه سمير ، وقف بجانبه فى محنته ، التحم كثيرا بعائلة هانى وأقربائه وخاصة أخته شيرين وزوجها عاطف ، أثر ذلك على دراسته وعلى حياته كلها ، لم يعد لديه الوقت الكافى للاطمئنان على أمه أو السفر إلى بلدته ، تكاد تكون علاقته انقطعت عنها تماما . لايعرف شيئا عن أحوال سميحة وراشد ، استنهز فرصة أجازة نصف العام ليعرف مافاته من أخبار ويعطى لنفسه قسطا من الراحة حتى يعاود نشاطه مرة أخرى ، أدهشته خلافات وصراعات قائمة ومشتعلة بين راشد وسميحة ، تكاد تصل إلى حد القطيعة ، سميحة متمردة عليه ، رافضة كل سيطرته وفرض شروطه عليها كما تظن ، راشد هو الآخر يظن أن قلبها مع سمير ، عندما حاول التدخل بينهما لتهدئة الأمور أفصحت له سميحة :

* راشد مليان عقد ولن أتفق معه و………….

فشل سمير فى تقريب المسافات بينهما ، فى آخر لقاء له مع راشد فاجأه بكلمات :

* يستحسن تخرج نفسك من خلافاتى مع سميحة ……………. فى الأول والأخر مرجعنا لبعض

أصابت تلك الكلمات سمير بإصابة مباشرة ، أفقدته وعيه ، تركه تائها ، بعد أن أفاق لنفسه أخذ يستعيد علاقته مع صديقه راشد منذ طفولتهما ، تذكر أشياء سلبية ونقائض كثيرة اقترفها فى حقه ، تغاضى عنها حتى لايخسره ، كلماته الأخيرة ناقوس إنذار له  ، لايدرى ما الذى دفعه على تسديد تلك الطعنات المباغتة نحوه ، بعد صراع دام داخله قرر التعامل معه بحذر شديد ، وهو فى طريقه إلى مدام نجاح بالورشة ليفضى لها مابداخله أخذته قدماه دون أن يدرى إلى مطعم ليلى ، ربما حب الاستطلاع ، تكاد تكون أخبارها منقطعة عنه تماما ، بمجرد أن دخل المطعم وقعت عيناه على الأسطى رزق وليلى تقدم له الطعام وعيناها مثبتتان عليه بحنو وانسجام ، الأسطى كسبانى يحتل المقعد المجاور له ، تجمعهما منضدة واحدة ، على الفور هتف رزق بصوت مجلجل بالمطعم :

* حاجه باردة للبشمهندس سمير علشان محضرشى خطوبتى ………..

أصابت ليلى رعشة مفاجأة ، قفزت نظراتها نحو سمير . تمنت أن تأخذه بين أحضانها ، تأمل إصبع يدها اليمنى فصدمته دبلة خطوبتها ، لم يكن يتمنى أن تكون من نصيب رزق ، يظن أنها تستحق من هو أفضل منه ، بهستيريا هلل وعيناه مسلتطتان نحو رزق :

* ألف مبروك ياأسطى رزق ……………. ألف مبروك ياآنسة ليلى

ليلى تقبلت تهنئته بمرارة ، كسبانى هو الآخر شعر بخيبة الأمل ، أخذ يحكى لسمير عن بطولاته الفائقة التى قام بها من أجل إتمام الخطبة وقهقهات عالية تنبعث من جوفه بين الحين والآخر :

* كل حاجة تمت غصب عن الأسطى مسعد ………….

سمير يبتسم بسخرية من كلماته ، أدرك بعده أن كسبانى أساء إساءة بالغة للأسطى مسعد ، توجه على الفور لتطييب خاطره وكفكفة أحزانه :

* ولايهمك ياأسطى مسعد …….إتلم المنحوس على خايب الرجا
* كسبانى النجس بيقوى الواد رزق عليه …………
* روق دمك ياأسطى ……….. لايساويا فردة حذاء برجلك

مجرد أن وقعت عينا صادق على أخيه سمير اتجه نحوه ، ارتمى بين أحضانه ، أصبح يجيد بعض الكلمات ويدرك ماحوله . سمير يختصه بالشيكولاتة المحببة إليه ، ارتسمت على شفتى والده ابتسامة خفيفة أعادته لهدوئه ، فى التو تذكر سمير بأن أخيه صادق سيكون سببا فى شقائه ويقذف به إلى الجيش لتأدية الخدمة العسكرية ، لم يعد وحيدا ، قبل أن يولد أخيه كان معافا من الخدمة العسكرية لكونه الابن الوحيد لأمه كما هو معمول به بالقوانين العسكرية بالبلاد ، إنه يكره أن يكون جنديا أو حتى ضابطا بالجيش . كان عام 1971 ، البلاد تكرس نفسها لاسترداد أرضها السليبة والمحتلة من قبل إسرائيل ، تتمنى مصر أن تعيد عصمة أرضها لها ، مازالوا يعانون من نكسة 1967 ، لو تم تجنيده ستضيع كل طموحاته وآماله ، الأمل الوحيد والتحايل للخروج من هذا المازق ، قد يكون أخوه من أمه فقط يعفيه من الخدمة العسكرية أو لايعترف بأخيه صادق خلال الأوراق التى يقدمها ، الأوراق القديمة قبل مولده هى الصحيحة ، أخذ يعدد سلبيات أخيه صادق وايجابياته والمقارنة بينهما فى مخيلته لترجح كفة إيجابياته مؤخرا . أرجأ كل شىء لحين الانتهاء من دراسته ، قد تندلع الحرب مع إسرائيل ويُحسمُ أمره قبل التحاقه بالخدمة العسكرية ، خلال عطلته الدراسية تعددت لقاءاته مع مدام نجاح . كان المهندس كمال هو الآخر متواجداً بالمدينة لقضاء عطلته ، مازال على يقين كامل بأن سمير هو ( السوبر مان ) الذى أنقذه من الغرق كما تعكس له زوجته نجاح مرآة كلماتها الزائفة ، أصبحت تكره لقاء زوجها على فراش واحد ، يشعرها بالضيق والقرف ، فارسها الحقيقى هو سمير ، غالبا ماتترك جسدها لزوجها يعبث به كما يريد تحت مسمى معاشرة زوجية ، لم تشعر بوجودها معه ، باردة كالثلج ، ربما ينتابها نعاس وهو يضاجعها أو يلقى فيها شهوته وهى نائمة ، تحكى لسمير عشيقها بكل هذه التفصيلات ، تظن أن ذلك يرضى غروره ، ربما وخذه ضميره ليستيقظ من غفلته ، أخذ يفكر فى هجرها وهجر مدينتها بأثرها ، كلما يقرر أن لا يضاجعها تنهار مقاومته أمامها بمجرد أن تهمس فى أذنيه :

* سأنتظرك الليلة و ………….

قد يكون زوجها فى انتظارها فى تلك اللحظة ببيته القديم ، لايهم ، تكره الآن أن تلتقى معه كزوج ، لقد هرم وشاخ ، ربما نضب ماؤه ، هكذا كان مايدور بذهن سمير ، انتهت عطلته الدراسية ليعود إلى القاهرة ناقما ثائرا ، مثقل بالجراح والشجون ، يغلى من داخله ولكنه ينجح فى رسم ابتسامة مخادعة فوق شفتيه ، أخذ يحكى له عن الوقت الممتع الصافى الذى قضاه ببلدته ، انتفض سمير مذعورا حينما فاجأه قائلا :

* نفسى أزور بلدكم
* طبعا . طبعا . لازم تتعرف عليها و ………..

سمير يخشى أن ينكشف زيفه وخداعه ولكن مرض والد هانى لن يمكنه من زيارته لبلدته على الأقل فى هذه الظروف ، الأطباء قرروا أخيرا علاجه بالخارج ، أصبح لايقوى على الحراك ، انطفأ نور عينيه ، وجهه ذابل باهت ، تمكن منه الهزال والضعف ، سمير أخذ يقارن فى مخيلته بين حاله الآن ومنذ عام مضى ، يخشى أن تكون البلهارسيا أصابت كبده فى الخفاء واستقرت بها أثناء طفولته وهو يخوض فى مياه الترع والمصارف وتفاجأه بتليف كبده ، تلك الأفكار كانت تدور برأسه وهو فى زيارة لوالد هانى ، جعلته يعيد حساباته فى أشياء كثيرة فائتة ، ربما لايعود لبلدته ويهجر كل مافيها من نقائص مستقرا بالقاهرة بادئا بها صفحة جديدة ناصعة البياض .

العصمة فى يدها ( 11 )

انتهى سمير من امتحاناته ليعود مرغما إلى بلدته . اشتعلت الخلافات بين صديقه راشد وسميحة ، اعلنا الانفصال رسميا بينهما ، أدرك ذلك سمير عندما تقابل مع صديقه راشد بالصدفة ، التزم سمير بموقف الحياد بينهما ، انشغل فى عمله بالورشة ، يحاول تجميع أكبر قدر من المال للسفر إلى الخارج ، يتمنى خوض تجربة جديدة مختلفة دون قيود ، فكرة ارتباطه بزوجة ومسئولية لاتلقى داخله استجابة ، الأجنبيات أفضل بكثير من بنات قريته أو مدينته ، فى نهاية المطاف لو استدعى الأمر يتزوج من أجنبية ، هكذا مايدور بذهن سمير . الخدمة العسكرية الإلزامية يجب أن يتخلص منها بأى طريقة ، ليس أمامه إلا أن يقدم كشف عائلة متجنبا حكاية أخيه الصغير صادق . أهدى شيخ الخفراء مبلغا من المال لينهى مهمته فى أسرع وقت ، أخذ يدور بين رحى المركز والقرية والمدينة ومنطقة التجنيد فى الكتمان ، ينتظر اللحظة ليتحرر من قيود الجيش وقرفه كما يظن . كانت نتيجة البكالوريوس قد أُعلنتٌ ، هنأه الجميع بنجاحه بما فيهم مدام نجاح ، فكرة السفر بالخارج أصبحت تلح عليه أكثر من قبل ، جعلته يتطلع للأمور بصورة مختلفة ، يفكر فى مغادرة قريتة ومدينته إلى الأبد ولكن عليه تجميل صورته قبل مغادرتها ، لن يغادرها وهوابن سكينة و……….. و……….. ، أصبح يتهرب من ملاقاة مدام نجاح كبداية لتلميع شكله ، أحست هى الأخرى بتغيره المفاجىء نحوها ، ظنت أنه خانها وارتبط بأخرى فى القاهرة ، لن تفرط فيه مهما كانت الظروف ، فاجأها قائلا :

* أنا بفكر فى السفر لدولة أوربية و……………….
* وماذا سيعود عليك من السفر ؟
* أكون نفسى وأتزوج و………………
* بسيطه زوجى كمال يعمل لك عقد عمل فى شركة البترول التى يعمل بها والعروسة موجودة
* تقصدى أختك هناء ؟
* بالضبط وسأنتظرك اليوم فى البيت وتملى عينك منها
* قد لاأروق لأختك هناء

بنظرات ذات معنى :

* أنا أعرف ذوق أختى هناء

أحس سمير أنه أوقع نفسه فى ورطة لم تكن فى الحسبان ، مرغما ذهب لبيتها على حسب الاتفاق بينهما ، أخذت مدام نجاح تثنى له على أختها ومحاسنها حتى دلفت تحمل صينية الشاى فى أزهى صورتها ، اختلفت عما رآها من قبل ، تفحصها بنظرات ثاقبة مجربة ، بعد أن تركها أخذ يقلب الأمور فى رأسه ، ربما تكون صفقة رابحة ولكنها لاترضى غروره ، عندما انفردت به مدام نجاح همست فى أذنيه :

* عجبتك العروسة ؟
* أى واحد يتمناها ولكننى مفلس
* سأشترى لكما دبلتين على نفقتى وتشبكها وتسافر وترجع تتزوجها

سدت كل طرق التهرب فى وجهه ، جالت بخاطره أفكار سوداء :

* كيف يرتبط بهناء هذه وماضى مخزى يجمعه مع أختها نجاح و……………

ضميره الذى استيقظ مؤخرا ينازعه ويعنفه ، قد تحل به اللعنة ويصاب بمرض خبيث أو التهاب كبدى وبائى مثل والد هانى . كان هانى صديقه قد جهز نفسه للسفر للخارج كمرافق معه ، عرض على سمير أن يحل مكانه بالشركة أثناء غيابه ، ظن أنها القشة التى ستنجيه من الغرق فى بحور مدام نجاح ، راقت له تلك

الفكرة ، فليترك لها ورشتها والمدينة بأسرها ، أصبح مقصده هولندا ، أخذ يفكر فى الحجج والمبررات التى سيتذرع بها لأهله وكل من له دين فى رقبته ، زوج خالته شهبور سيطير من الفرحة لو علم بأمر سفره ، ستعود مدام نجاح له كما كانت من قبل ، سينمحى اسم سمير من ذاكرتها . كانت الخلافات بين صديقه راشد وزوج خالته شهبور وصلت ذروتها ، فى آخر مقابلة له نهره صارخا :

* زواجك من بنتى سميحة أصبح مستحيلا ، دور لك على واحدة غيرها

الأسطى شهبور متفاخرا أمام الأسطوات والزبائن بالورشة :

* خلصت من صاحبك راشد …………….

تظاهر سمير بعدم الاكتراث ، فى المساء قصد صديقه راشد مستفسرا وإن قد قرر من قبل عدم التدخل فى شئونه ، ربما الطريقة المستفزة التى تناول بها زوج خالته هو الذى دفعه لذلك :

* إنت اختلفت مع جوز خالتى بخصوص سميحة ؟

بعد أن فح ضحكة مباغتة متقطعة قال بثقة :

* سيبك منه …. أنا كلامى مع خالتك .

كان صديقه راشد أطلق لحيته فجأة ، لفتت انتباه صديقه فسأله مستفسرا :

* انت أصبحت من السنيين ؟
* نعم . أحسن ناس

فى مثل هذه الأيام كانوا يطلقون على كل من يعفى لحيته بالسنيين ، أقوال كثيرة وتساؤلات تدور حول هذه الجماعة فى قريتهم ، ملتقاهم بمسجد كبير بالمدينة يطلقون عليه الجمعية الشرعية ، أصر راشد أن يصطحب صديقه سمير لسماع محاضرة لشيخ كبير آت من القاهرة ، سمير لبى النداء ، فى ذهنه التعرف على تلك الجماعة ، تكررت زيارته لها مع صديقه راشد ، راقت له ، انضم إليها ، أطلق للحيته العنان هو الآخر . كان من القلائل فى قريته الذين أطلقوا لحيتهم فى تلك الفترة ، منظر غريب لم يعهده الصغار فى قريتهم . كان إذا وقع نظرهم على سمير يصيحون ويهللون بكلمات حفظوها عن ظهر قلب ترددت بين قريتهم :

* ياسنى خيبتك بنى ………….

يفرج سمير شفتيه عن ابتسامة ساخرة رافضة ، أدخلت لحيته فى روعه شعوراً آخر ، ربما أيقظت داخله روح مراقبة الآخرين له ، يظن أن العيون مسلطة علية دائما ، جعلته يعيد تفكيره فى أمر علاقته المشينة مع مدام نجاح ، لو تم ضبطه معها سيصبح مسخة وأداة للسخرية أمام الجميع ، لن يضاجعها مرة أخرى وهو يحمل تلك اللحية الوقورة فى وجهه ، لم ترق لها تلك اللحية ، أخذت تردد وابتسامة ذات معنى تمر على شفتيها :

* اللهم اجعلنا من بركاتك ياشيخ سمير …………

زوج خالته شهبور هو الآخر استخدمها كأداة للتقريع وللسخرية به أمام الأسطوات فى الورشة :

* أزهرى وسنى …….. المصيبة مصيبتين

سرعان ماينفذ من حكاية لحيته إلى ابنته سميحة وربط الموضوعين فى سلسلة واحدة :

* بيفكرنى بصحبه راشد الضلالى ……. ، الحمد لله أننا خلصنا منه

لم يتضايق سمير من سخرية زوج خالته له حينما يشى له أحد أصدقائه بما ارتكبه فى حقه أمام أسطوات الورشة فى الخفاء ، يود تجميل صورته قبل أن يهجر بلدته ، لم يكن أحدا يعرف مايدور بخلده ، فجأة وقعت عيناه على صديقه هانى وهو يمرق باب الورشة ، لم يكن يتوقع زيارته له ، افترس وجهه ذبول وشحوب ، لحيته التى نمت باضطراد وفوضى غيرت من شكله ، جعلت صديقه هانى يسأله بدهشه واستنكار :

* إنت ربيت لحيتك ؟ ………….

ابتسمت مدام نجاح التى كانت تجاور سمير فى صمت ، زيارة هانى لسمير المفاجئة أفقدته توازنه ، الكلمات التصقت بحلقه الجاف ، بصعوبة بالغة فى محاولة لاستعادة هدوئه وهو يقدم مدام نجاح وهانى للتعرف على بعضهما :

* مدام نجاح صاحبة الورشة
* هانى صديقى وأخويا ……………….

همت مدام نجاح تاركة لهما مكتبها ، كل مافى الورشة يتساءلون عن هذا الغريب الذى اقتحم عرين ورشتهم ومملكتهم فجأة ، شكله لايدل على أنه أسطى أتى للبحث عن فرصة عمل أو حتى زبون له طلبية خاصة ، الثراء والنعمة بادية عليه ، شكله وملبسه وحتى كلماته التى تخرج من فمه تدل على غير ذلك ، يستنكرون أن يكون هذا الباشا صديقا لسمير ابن سكينة ، هانى أحس باضطراب صديقه ، بكلمات هادئة وابتسامة خفيفة تمر على شفتيه :

* فرصه نتعرف على بلدكم ونأكل فطير مشلتت زى مابتقولوا عليه

فى تلك اللحظة تذكر سمير أمه عندما كانت تصنع الفطير للأسطى حنكش وآخرين ، بعد صمت وتفكير :

* انت شرفت البلد كلها وتحت أمرك يابشمهندس هانى ؟

مرغما قاده إلى بيت الأسطى حنكش بعد أن أومأ إلى مدام نجاح بإشارة خفية ، أدركت مايرمى إليه . تعرف هانى على عائلة سمير عن قرب بما فيهم أخوه الصغير صادق ، أخته روحية جذبت انتباهه من أول لحظة وقعت عيناه عليها ، حاول معرفة المزيد عنها عندما أدار معها حديثا جانبيا :

* انت فى كلية إيه ؟
* تربية و ……………….

سمير يشعر بالضيق والغيرة من صديقه هانى ، أيضا يخشى أن يزل لسان أخته بكلمات فينكشف كثيرا مما يخفيه عن صديقه ، اندمج هانى مع روحية متناسيا كل ماحوله ، لأول مرة يكون وجها لوجه مع فلاحة ريفية فى مظهرها ومخبرها وبساطتها فى كلماتها وتعبيراتها ، عندما تناول هانى غذاءه المفضل من فطير وجبنة قديمة أيقن أنها فلاحة قُح . كانت قد شاركت مشاركة فعالة فى صنع هذا الغذاء على مرأى منه ، الفلاحة روحيه بنت القرية الصغيرة الغارقة فى أعماق الريف تغزو قلب ابن المدينة الكبيرة القاهرة ، تعود على بناتها اللاتى يلطخن وجوههن مساحيق تخفى حقيقتهن ، أو كلمات مقنعة تزيف واقعهن  . فى المساء تجول بالمدينة وقرية سمير بناء على طلبه ، سمير الذى يرافقه اختصه أماكن بعينها متجنبا أماكن أخرى لغرض فى نفسه ، عالم جديد لم يعرف هانى عنه شيئا من قبل ، خضرة ممتدة عبر الآفاق ، هدوء يبعث على الطمأنينة والراحة ، انتهى بهما المطاف إلى بيت مدام نجاح الجديد ، سأله هانى بدهشة وهو يصعد أدراج سلمه:

* بيت مين ده ياسمير ؟

بعد صمت وتفكير وكلمات متلعثمة :

* بيتى

كانت مدام نجاح أعدت لهما عشاء فاخرا ، فوجىء به هانى ، تساءل :

* مين اللى جهز العشاء ده وإمتى و……………
* أختى روحية و…………

أحس هانى أنه أمام شخص آخر غير الذى عرفه من قبل ، فجأة دون سابق إنذار وكأنه تذكر هذا الأمر من توه :

* لازم نكون فى القاهرة غداً
* القاهرة وحشتك ؟
* والدى سأسافر معه غدا لإجراء العملية وهذا سبب زيارتى المفاجئة لك
* نستريح الليلة وأجهز أغراضى ونسافر غدا فى الصباح

أخذ يثرثران معا فى أمور شتى قبل النوم ، لاحقه هانى مرة أخرى بسؤاله الذى سأله من قبل وهو يشير إلى لحيته :

* إنت قلبت ؟
* أود أن أبدأ حياة جديدة

لم يفهم هانى مايعنيه صديقه من كلماته الأخيرة ، غافل تماما عن علاقته بمدام نجاح . لم يراجعها منذ أن أطلق للحيته العنان ، برر لها سفره المفاجىء بأنها مهمة رسمية لإنهاء موقفه من الخدمة العسكرية ليتفرغ لخطبة أختها هناء والسفر إلى ليبيا كما اتفق من قبل ،ا هانى صديقه سمير إلىالقاهرة ، مبعثر الأفكار ، لايشعر بوجوده ، قلبه مع روحية الفلاحة التى احتلت قلبه فجأة ، لم يكن فى إصبعها دبلة توشى بأنها مخطوبة ولكنها قد تكون مرتبطة ، خشى أن يسأل أخيها ، يظن أن الوقت غير مناسب ، ربما ينفرد به ويستشف منه كل شىء عنها بطريق غير مباشر ، ظلا طوال الرحلة صامتين ، كل منهما غارق فى أفكاره وهمومه .

العصمة فى يدها ( 12 )

قبل أن يصطحب هانى والده إلى أمريكا لإجراء العملية له أخذ يدرب صديقه سمير على طبيعة عمله الجديد بالشركة ، الموظفون والموظفات وكل مايتعلق بأعمال الشركة . حل سمير محل هانى سواء فى تواجده أو عدم تواجده ، احتل مكتبه ومقعده الدائرى واختص بالتوقيع بدلا منه ، ملأه الزهو والغرور ، لم يتبق غير بضعة أيام ويكون مسئولا وحده عن الشركة بكل مافيها ، أصبح فى مأمن من مدام نجاح ومطاردتها له وكل مشاكل البلدة ، لم يستطع تجميل صورته بشكل لائق، قبل أن يودعه صديقه مسافرا سأله بغتة وكأنها محصلة أفكاره الطاحنة المستبدة به منذ عودته من بلدة سمير :

* أختك روحية مخطوبة أو مرتبطة ،
* خطٌابها كثيرون ولكن أمى مصرة بعدم ارتباطها بأى عريس إلا بعد الانتهاء من دراستها

أحس سمير فى تلك اللحظة أن أخته روحية نالت إعجاب هانى ، ربما يفكر فى الارتباط بها بعد عودته من سفره ، صفقة رابحة لو تمت ، أى فتاة تحلم بأن ترتبط بهانى صديقه ، ربما كان أحد الأسباب المهمة لبذل سمير أقصى مافى وسعه حتى يكون عند حسن ظن صديقه فى غيابه ، سيكون حازما مع كل العاملين بالشركة ، ستحقق الشركة قفزة فى عهده المحدود ، الطموحات تداعب خياله بأن يكون صاحب شركة مثلها ، عاش وتعايش مع العاملين بها بأنه المدير الحقيقى والفعلى لتلك الشركة ، نسى أنه مجرد مدير ديكور وهمى حتى عودة هانى ، أخذ العاملون بالشركة يقارنون بينه الآن وعندما كان يأتى مع صديقه هانى زائرا ، المقعد الدائرى يستهويه ، قبل أن يوقع على أى ورقة يظل يدور به عدة دورات متتالية مفكرا حتى يضع اسمه الكريم ، أخذو يتهامسون بينهم :

* هوه منفوخ على إيه !

عمله الجديد سرق كل وقته ، سمير المدير يقضى بعض صلواته بالجمعية الشرعية المركزية بالقاهرة القريبة من الشركة ، تعرف على كثير من الأخوة بها كما يطلقون عليهم ، إلتحم بالمهندس عاطف ، يحترمه ويقدره ، يلجأ اليه دائما كلما وقع فى مأزق أو يستفسر عن شىء فى أمور الاستيراد والتصدير ، زوجته شيرين تعزمه على الغذاء فى بيتها ، أصبح سمير ركن أساسى من أركان عائلة هانى وملحقاتها ، ابتلعته المدينة مصر ، أخذت جذوره تتهاوى فى قريته ومدينته ، فاجأته مكالمة هاتفية من مدام نجاح ، حصلت على هاتف الشركة بطريقتها ، هزته تلك المكالمة ، أعادته إلى سمير ابن سكينة :

* آلو …………. القاهرة أخذتك منى ……….
* مين معايا …………….
* حتى صوت مدام نجاح نسيته

كادت الكلمات تقف فى حلقه ، بتلعثم :

* اعذرينى الشركة وخدة كل وقتى وتفكيرى
* يعنى مافيش يوم أجازه تفتكرنا فيه !
* مجرد مايرجع هانى سأكون تحت رجليك …………….

بعد تلك المكالمة الهاتفية الغادرة أوصى سكرتيرته بالشركة :

* لو مدام نجاح اتصلت وسألت عنى بعد كده أنا غير موجود
* تحت أمرك

السكرتيرة بنت المدينة تكن لسمير كثيرا من الإعجاب ولكنه يتجاهلها ، إنه ابن سكينة بعد التعديل الآن ، أصبح لديه هدف بعد حصوله على إعفاء من الخدمة العسكرية ، كشف العائلة أتى  بثماره الطيبة ، سيصمد أمام عواصف مدام نجاح ، لن يعطيها نفسه أو يجعلها تتمكن منه ، سيفر من أمامها إلى هولندا فى طى الكتمان ، ستفاجأ بسفره كما يفاجأ الجميع ، يشعر الآن أنه أكثر هدوءا عما قبل ، الأمور تسير على مايرام كما يظن . عاد هانى بعد بضعة شهور ، الأطباء أكدوا نجاح العملية لوالده ، إنه يمر الآن بمرحلة نقاهة ، استعاد هانى شركته من سمير، ظل بجانبه ، لم يسافر إلى بلدته إلا مرة واحدة خلسة دون علم مدام نجاح ، يتمنى أن يطوى تلك الصفحة السوداء من مخيلته ، طريق جديد يستهويه ، لحيته أعطته هيبة ووقارً لتقف بجانبه وتسانده على ماهو عازم عليه ، وقفت حائلا فى وجه الطامعات فى رجولته . كل تفكيره الآن ينصب على سفره بالخارج ليبدأ حياة جديدة مختلفة ، صديقه هانى طلب يد أخته منه  ، لم تكن مفاجأة له ، يخشى سمير أن تكون نوبة عطف منه ، قد تصطدم أفكار بنت القرية مع ابن المدينة كما يظن ، على استحياء قال له :

* شرف عظيم أن تقرن اسمك بعائلتنا ولكن ظروفك تختلف عن ظروفنا ويستحسن أن تفكر فى هذا الأمر مليا مرة أخرى ………………..
* هذا رأيى النهائى

عندما طار الخبر لأم سمير أحست بالغبطة والسرور ، قبل أن تسأل إبنتها روحية التى كانت تتنصت عليهما :

* طبعا موافقة ياسمير

تم إعلان خطبة روحية رسميا بعد أن طلبها هانى من الأسطى مسعد تقديرا واحتراما له ، يشعر بأنها ابنته حقا . كان ابنه رزق تزوج من ليلى دون أن يكون طرفا فى تلك الزيجة ، الأسطى كسبانى حل محله متبنيا رزق ، أسكنه فى بيته ، حنكش يردد دائما :

* رزق ابن المرة الوسخة ماشى وراء كسبانى النجس …………….

مازالت خيانته له من زوجته المرحومة تزلزله ، دائما يقارن بينها وبين سكينة فى مخيلته ، يشعر بأن الله عوضه عن تلك ……….. خيرا ، يتباهى بها فى كل مكان :

* ربنا رزقنى بجوهرة نستنى ………………

ترك لها كل أموره الحياتية تسيرها وفق إرادتها بعد أن اطمأن إليها ، سيجهز ابنتها روحية بأفضل جهاز اعترافا بصنيعها له ، ربما ساعد ابنها سمير فى زواجه ، حينما عرض عليه أمر السفر إلى أوربا بادره قائلا :

* لاتحمل أى هم ياسمير يابنى…….

يشعر سمير بالامتنان نحوه ، أحيانا يفكر فى الزواج من ابنته هانم وفاء له وسد جزء من دينه ، أمه ألمحت له بذلك من قبل ولكنه يخشى أن لايحدث انسجام وتوافق بينهما فتثير عليه مشاكل جمه . ربما يراجع نفسه فى هذا الأمر ولكن بعد سفره الذى يشغل تفكيره وجعل له الأولوية المطلقة فى كل شىء ، طلق ورشة مدام نجاح بالثلاثة ، الرغبة المجنونة تصرخ داخلها ، لم تعد قادرة على هجره لها ، فشلت فى كل ملاحقتها له ، مضطربة دائما ، فقدت توازنها ، تكاد تفضح مابداخلها ، دائما تذكر سمير بمناسبة وغير مناسبة ، الأسطى شهبور يحس بالشماتة نحوها ، بنته سميحة هى الأخرى تكاد تفقد عقلها ، ترفض كل من تقدم لها من عرسان بطريقة تدعو للتساؤل والاستنكار ، تم تعينها مدرسة رياضيات مؤخرا ، والدها يتعجب من أحوالها ، كثيرا من زميلاتها تزوجن وربما أنجبن ، يخشى أن تكون خطبتها لراشد قد أثرت عليها ، مازال يصر على الزواج منها ولكنها رافضة له تماما ، قلبها ينبض بحب سمير ، على استعداد أن تقاتل العالم فى سبيله ، غافل عنها ، يجمع كل المعلومات عن دولة هولندا وشعبها وعاداتهم وتقاليدهم ، المهندس كمال زوج شيرين هو موجهه ومرشده ومعلمه :

* حذارى من الهولنديات …………… سوف أرسلك لمدام برناديت لتساعدك فى الحصول على فرصة عمل …………….

صديقه هانى أعطاه كل عصارة تجربته السابقة وخطاب توصية إلى صديقته إيفون وهدية ثمينة لها . كانت مازالت العلاقة متواصلة بين إيفون و هانى ، نصحه بأن يصطحب معه بعض الآثار الفرعونية ، يمكن بيعها بثمن لابأس به ، إنهم يدركون حضارة مصر الفرعونية ، أمه مازالت تعارض فكرة سفره :

* ياسمير يابنى رب هنا رب هناك ………………..

لم يلق لكلماتها بالا ، يفكر أن يباغتها ويسافر دون علمها ، معظم وقته يقضيه فى القاهرة مع صديقه هانى ، لن تحس أو تشعر بسفره من عدمه ، يضطر لمرافقة صديقه هانى للسفر إلى البلدة لزيارة خطيبته روحية والاطمئنان عليها . انتهت من دراستها الجامعية الآن ، الأسطى حنكش بدأ فى تجهيزها ، أخوها سمير زار خالته على عجل مستغلا ظروف تواجده بالبلدة ، تشبثت به سميحة عندما وقع نظرها عليه ، تتشمم أخباره من أخته روحية . إنهما متقاربان فى العمر وتجمعهما جامعة واحدة . كانت لديها فكرة مسبقة عن زيارة سمير للبلدة . فوجئت به وهو يمرق بيتها . كانت مشغولة بعمل بروفر لوالدها . بادرته على الفور:

* خلاص مسافر ؟
* بصراحة أنا مش لاقى نفسى فى البلد دى
* يعنى مش ناوى ترجع تانى !

قالت ذلك ونظرات الأسى تتساقط من عينيها . تود أن تخبره بما يجيش داخل قلبها ولكن حياءها يمنعها ، تود لفت انتباهه قبل أن يطير منها إلى الأبد . قد تكون فرصتها الأخيرة ، تذكرت على الفور المجلة التى تعرض فيها فتاة مشكلتها ، تكاد تكون نفس مشكلتها وإن اختلفت التفاصيل . فاجأته :

* على فكرة واحدة صحبتى عندها مشكلة وكان نفسى آخذ رأيك فيها

قال ذلك وهى تقدم المجلة على الصفحة التى فيها المشكلة ، قرأها على عجل . كانت تدور حول فتاة تحب شاب يعزم على السفر ولايشعر بحبيبته ، بعد صمت وتفكير قال لها :

* طيب هوه عارف إنها بتحبه ؟
* عارف ومطنش
* خلاص مدام مطنشها تطنشه

أدرك ماترمى إليه  . كانت عيناها تفضحها ، وهو يضع المجلة جانبا فى هدوء قائلا :

* باين عليك شاطره فى عمل البروفرات اليدوى ………..
* يعنى
* خلاص ممكن تعمليلى بروفر غرزة ………………
* طبعا …. على الأقل تبقى تفتكرنى هناك ……………
* معقوله أنسى بنت خالتى وتلميذتى ……….

تركها وهو محمل بالهموم ، لم يكن يود كسر قلبها ولكنه يدرك أن صديقه راشد مولع بها ، يحبها بجنون ، ربما كرهته لأنه يود امتلاكها كدمية ، سمير يختلف عنه كثيرا كما تظن ، تركها وأخذ قلبها معه ، ربما يود أن لاتتعلق به ، إنه عازم على عدم العودة إلى مصر مرة أخرى . صديقه راشد يتابع أخباره فى الخفاء ، لديه علم بسفره ، فى لقائه الأخير معه شجعه وحرضه على ترك البلد بما فيها من مآس والعيش فى بلاد نظيفة …………. ، يستنشق فيها هواء الحرية ، فى محاولة لجس نبضه فاجأه :

* ممكن تخطب أختى نادية و………………

قاطعه :

* أنا مش ناوى أرجع تانى ……………….

كلماته الأخيرة كانت بردا وسلاما على قلبه ، لم يعد لديه شكوك بأنه لاينوى الارتباط بسميحة ، أصبحت خالصة له وحده ، سيحاول الضغط على أمها بطريقة أو بأخرى ، المهم أن يتخلص من شبح سمير الذى يطارده فى كل لحظة . بعد أن تركه أخذ يؤنب نفسه على اندفاعه وتهوره ، عيب عليه أن يعرض أخته على سمير فى عرف وعادات قريتهم ، أخذ يبرر الأمر بينه وبين نفسه :

* سمير ليس أكثر من أجير كان يعمل فى أرضه ، عبوديته منقوشة على جبينه ولن تمحوها الأيام لو امتلك الدنيا بأسرها

اتفق راشد فى رأيه مع الأسطى سيد النجار وإن كان الأخير أكثر حماسا بعد أن وعده سمير بفرصة عمل له بعد استقراره فى هولندا . الأسطى رأفت خالفه الرأى ناصحا له :

* ستخسر كثيراً لو سافرت ………….

ربما كان يردد كلمات زوجته نوسة دون أن يدرى ، أما ليلى زوجة رزق التى قابلها بالمطعم أخذ تقرعه وتعنفه :

* ناقصك إيه علشان تسافر وتسيب بلدك وأهلك و…………

لم تتغير حياتها كثيرا بعد زاوجها من رزق ، مازالت  تعمل بالمطعم ، زوجها لاينفق عليها إلا القليل ، يضيع معظم دخله فى المخدرات ، تشعر بخيبة الأمل ، استيقظ حبها لسمير ، سفره للخارج سيفقدها أمل رؤيته مرة أخرى ، ستنمحى صورته الحلوة من خيالها بعد سفره ، تظن أن هناك شيئا خفيا يدفعه للسفر ، لم يعد سفره خافيا على أحد فى بلدته ، لاكته ألسن ساخرة :

* ابن سكينة سيسافر بلاد الكفرة
* المصيبة إنه مربى دقنه طول كده …………..
* مريبها عيرة

تلك الكلمات تدمى قلبه الجريح ، تدفعه للإسراع من سفره وطى صفحات حياته البائسة ، لم ينجح فى تجميل صورته ، يظن أن تاريخ ميلاده الحقيقى عندما تطأ قدماه أرض هولندا ، وهو يودع سميحة بنت خالته ويأخذ منها البروفر التى صنعته له بدموعها ، أخبرها عن موعد سفره الحقيقى الذى أخفاه عن الكثيرين .

العصمة فى يدها ( 13 )

قلبه يدق بعنف وهو يصعد أدراج سلم الطائرة ، الخوف من المجهول يطارده ، لايصدق نفسه :

* سمير ابن سكينة بين ركاب الطائرة المتجهة إلى هولندا

حلقت الطائرة فى سماء مصر ، صوت داخلى يردد :

* فكوا الأحزمة

من المعلوم لديه أن الطائرة ستتوقف بمطار أورلى بفرنسا ( ترانزيت ) . قد تقله طائرة أخرى إلى هولندا ، ربما لجهله باللغة الفرنسية أو لعدم إلمامه وإدراكه قد يقع فى مأزق ، أول مرة فى حياته يسافر بعيدا عن بلده . كان يجلس بجوار النافذة على الرغم أنه لم يكن من المدخنين ، الطائرة تخترق السحب بثقة واطمئنان ، ربما انقطعت صلته بعالمه القديم ، نظرات غير مريحة تلاحقه . فشل فى تفسيرها . كان المصرى الوحيد بين ركاب تلك الطائرة ، لغط ولكنات مختلفة تهب من جوفها ، سألته المضيفة عن المشروب الذى يفضله ، بصعوبة :

* قهوة

لم يتعود على احتسائها ولكن النوم يداعب جفنيه ، منذ عدة أيام والأرق والسهر يسيطر عليه ، خاصمه النوم ، صوت داخلى يردد دائما :

* نحن على ارتفاع …………. الطائرة …………

وقعت عيناه المجهدتين على المضيفة وهى تدفع عربة صغيرة ذات عجلات محملة بصوانى الطعام ، فى ذهنه وصية صديقه هانى :

* مترجعشى حاجة من أكلك ………. ده من حقك

لم يشعر بالجوع وإن كانت بطنه خاوية ، سيأكل مضطر لسد رمقه أطول فترة ممكنة تجنبا لأى مأزق ، صينية طعامه التى وضعت أمامه نظيفة منمقة ، أطباقها مغلفة ، دفعه حب الفضول على فض أغلفتها فى التو ، أخذ يفكر فيما يبدأ به من طعام . شد انتباهه شرائح لحم حمراء خالية من أى دهون ، يظن أنه يفضلها عن غيرها ، أتى بها عن آخرها ، فجأة تذكر أنها تشبه لحم الخنزير ، إنه حريص على أن لايضعها فى فمه ، تذكر كلمات صديقه راشد التى يرددها دائما :

* الضرورات تبيح المحظورات …………….

بعد أن وصلت الطائرة أرض مطار امستردام بهولندا عزلوه عن بقية ركابها ، أحس أنه كالجمل الأجرب يخشون أن يسبب العدوى للمسافرين . كل ركاب الطائرة الذين كانوا معه أطلقوا سراحهم ، بل ركاب طائرات أخرى غادروا المطار ولم يحجزوا أحدا منهم ، أخذ ضابط الأمن يمعن النظر فى تأشيرة دخوله وصورته بجواز سفره والمقارنة بين قسمات وجهه ، اكتشف سمير مؤخرا أن صورته فى جواز سفره بدون لحية ، فسر النظرات التى كانت تغمد فى صدره من قبل بسبب تلك اللحية ، سأله ضابط الأمن بقرف :

* إنت جاى لمين فى هولندا

بعد صمت وتفكير قال على استحياء :

* آنسة إيفون ……………و …………..

خشى سمير أن يكون هناك تشابه فى اسمه مع مجرم خطير أو أن أحدا أبلغ عنه أنه ……….. ، فجأة أعطاه الضابط هاتف وقال له وابتسامة ساخرة تمر فوق شفتيه :

* مكالمة هاتفية من أجلك

أفقدته الدهشة تماسكه ، لايعرف أحدا بهولندا ولايملك هاتفا ……….. أو ……….. كانت المكالمة الهاتفية من إيفون ، هى الأخرى سألته فى البداية :

* من أعطاك عنوانى وهاتفى ؟
* هانى
* أنا ممكن استضيفك بعض الوقت ولكن عليك أن تدبر مكان تقيم فيه
* حسنا

فتشوا حقيبته تفتيشا دقيقا على غير العادة ، فاجأهم أنه يحمل بداخلها آثار مصرية فرعونية ، أعادوا محتوياتها من جديد بعد أن احتفظوا لأنفسهم ببعض تلك الآثار خفية ، شددوا عليه مررا وهو يغادرهم :

* لو غيرت عنوانك أخبر آنسة إيفون بعنوانك الجديد

لم يكن يدرى أن لحيته هذه ستسبب له تلك المصائب ، حمل حقيبته الثقيلة على غير هدى ، تلخبطت كل الأوراق التى كان يحملها فى رأسه ، انهار ماخطط له ، أحس بالضياع والغربة ، لايدرى أى طريق يسلكه ، سوف يغير مساره ، لن يكون هدفه إيفون أو أمها فى الوقت الحالى على الأقل ، هذا ماقرره أخيرا ، بعد أن استعاد هدوءه إتجه نحو المحطة التى ستقله إلى روتردام ، ستكون وجهته
” على الاسكندرانى ” ، أخذ عنوانه عن طريق صديق له ، الشارع واسع ممتد أمامه ، الضباب يسدل ستائره عليه ، على جانبيه أراضى زراعية شاسعة ، الشمس غارقة فى ثباتها معظم العام ، ليس ثمة فرق واضح بين ليلهم ونهارهم ، نفر قليل بمحطة الحافلات المتجهة إلى روتردام ، تذكر الحافلات بمصر والازدحام والصراخ والألفاظ البذيئة والقذف من الشبابيك . بضعة دقائق وكانت الحافلة أمامه ، مقاعد كثيرة خالية من الركاب . لم يلتزم بالطابور ليقل الحافلة  . أخذ يتأمل الركاب وهم يصعدون الحافلة و……………. حتى يجنب نفسه أى موقف يعرضه للنقد ، أغلقت الحافلة بابها وانطلقت على الفور ، أخذ مكانه بالصف ليكون أول راكب فى الحافلة القادمة ، فرائسه ترتعد ، ربما بسبب البرد أو الخوف  . ابن القرية المجهولة فى أقاصى مصر فى هولندا بشحمه ولحمه ، صعد الحافلة بعد أن أخذ تذكرة من سائقها ، لم يكن هناك محصل كما هو معروف لديه ، استغرقت الحافلة حوالى ثلاث ساعات حتى وصولها روتردام ، وضع حقيبته بالمحطة كأمانات متبعا تعليمات صديقه ليتحرك بحرية ، استقل تاكسى للوصول إلى الفندق الذى يقطن فيه على الأسكندرانى ، بضع دقائق وكان أمام الفندق ، من حسن حظه أن كان صديق صديقه متواجدا بحجرته ، أخبره على الفور :

* لقد أتيت لك من طرف …………….
* إنت لسه واصل دلوقتى ؟
* آه ولدى بعض الأشياء الخاصة بك من ……………

على الفور عاد معه إلى المحطة مصطحبا إدريس المغربى صديق على الإسكندرانى ويقيم معه فى نفس الفندق ، اتخذوا شارعا جانبيا ، المسافة قريبة بين الفندق والمحطة . على الفور تذكر سمير :

* الغريب أعمى ولو كان بصير …………..

على مقربة من الفندق حديقة واسعة ، يقابلها نهر كبير . احتفل الجميع بقدوم سمير . معظم نزلاء الفندق مصريون ومغربيون وجزائريون و…………. . شارك سمير إدريس المغربى فى حجرته ، وعده بأن يبحث له عن فرصة عمل ، إنه يعيش فى هولندا منذ أكثر من خمسة سنوات ، لديه عمل حكومى ثابت كعامل نظافة ، فى الصباح ذهب لعمله كغيره من نزلاء الفندق ، استيقظ سمير من نومه على إثر ضربات خفيفة على باب حجرته ، فاجأته خادمتان لتنظيف الغرفة ، إحداهن مكتظة اللحم وقصيرة ، قد ترجع أصولها إلى أصول روسية ، تحمل مكنسة كهربائية ، الأخرى نحيفة ، آثار السنين بادية عليها ، مرقا لتنظيف الحجرة ، عيونهم نهمة جائعة ، يغنيان بمرح بأغنية أجنبية تعذر عليه فهم لكنتها ، انزوى فى ركن قصى من الحجرة ، يحاول تفسير مايدور أمامه ، ربما لم يكن لديهما علم بتواجده بالحجرة ، المرأة السمينة تمسك بنهاية خرطوم المكنسة لتصوبه نحو الأخرى فى أماكن حساسة ، النحيفة تهرب من أمامها بعد أن تضربها فوق مؤخرتها بحنان ، تتعالى ضحكاتهما الماجنة ، أصبحا على مقربة منه ، احتكت به السمينة من الخلف ، تسمر مكانه ، يظن أنه أخطأ المكان ، اضطرت المرأة السمينة أن تحضنه لعلها تنال منه ولو قبلة طائشة ، هرب من بين يديها كفأر مذعور ، عندما عاد إدريس من عمله أخذ يحكى له عما جرى له . أخذ إدريس يقهقه قهقهات عالية وكاد يسقط على الأرض من فوره لعدم تحكمه فى نفسه ، بعد أن تماسك وعاد إلى هدوئه قال له وابتسامة خفيفة تمر على شفتيه :

* انت لسه شوفت حاجة!

سمير يتناول طعامه مع صديقه إدريس الذى يجهزه بنفسه ، لايلجأ إلى المطعم إلا نادرا ، يأتى بكل حاجياته ومتطلباته من طعام وشراب وخلافه خلال عطلته الأسبوعية ، يحتفظ بها داخل ثلاجته ، رافقه سمير إلى ” السوبر ماركت ” ، يود شراء دجاجة ويطهيها محاولا تقليد إدريس ، جر عربة صغيرة متبعا خطوات إدريس ، أوقفها أمام ركن للدواجن المذبوحة ، فى ذهن سمير اختيار دجاجة صغيرة رخيصة ، إدريس يراقبه بدهاء ، بعد أن انتهيا من تجوالهما داخل السوبر ماركت اتجه نحو المحاسب ، تلكأ إدريس مبتعدا عن سمير الذى دخل طابور المحاسبة ، عندما جاء دوره أخرج كل أغراضه التى اشتراها ليفرشها أمام المحاسب ، استوقفه ثمن الدجاجة الصغيرة . كان ثمنها يعادل ثمن ديك رومى ، أخذته الدهشة ، يتلفت حوله بحثا عن إدريس . كان يراقبه فى الخفاء ، توقف الطابور ، سمير غير قادر على التعبير عما يدور بداخله ، لايود تلك الدجاجة اللعينة الباهظة الثمن ، سأله المحاسب :

* نيى خت ” ليست جيدة ”

الصمت والدهشة يسيطران عليه ، إدريس يتابعه بخبث دون أن يتدخل ، تصاعد الحوار بين سمير والمحاسب دون التوصل إلى حل يرضى الطرفين ، صرخ سمير بأعلى مافى صوته :

* ياولاد الكلب مش عايز فرختكم ………….

فى تلك اللحظة تدخل إدريس لفك اللبث وإزالة الغموض ، أعاد الدجاجة المختلف عليها فى مكانها وأتى بدجاجة أخرى بدلا منها ودفع ثمنها وانتهى الأمر . سمير حتى الآن لم يعرف المشكلة الحقيقية ، الدجاجة التى أتى بها إدريس أكبر بكثير من الدجاجة الأولى وأقل ثمنا ، فى الطريق وضح له الأمر :

* الدجاجة الصغيرة التى أتيت بها ليست دجاجة وإنما هى نوع من أنو اع الطيور أقرب للغربان ………..

أحس سمير فى تلك اللحظة أنه مازال ابن القرية الصغيرة المجهولة ، هذه التجربة جعلته يتوخى الحذر بعد ذلك . فى صباح اليوم التالى وجد صديقه على الأسكندرانى يطرق على باب حجرته طرقات متتالية يصاحبه رجل باكستانى ،غليظ القسمات ، لم يحس سمير براحة نحوه بمجرد أن وقعت عيناه عليه ، صديقه على الإسكندرانى بادره بكلمات :

* تعالى اشتغل معانا بالميناء ياسمير

وافق سمير دون أن يعرف طبيعة هذا العمل ، صديقه على هو الآخر أصبح بدون عمل بعد انتهاء موسم جنى ثمار العنب ، تبعا الباكستانى فى صمت . كانت سيارة ميكروباص فى انتظارهما أمام الفندق ، وقعت عينا سمير على بعض المصريين المقيمين معه بالفندق . كان الباكستانى هو السائق وهو متعهد أنفار للميناء لتنظيف قاع السفن من البقايا البترولية . توقف الباكستانى أمام الميناء ، ملابسه رثة ، شاربه كث ، ضخم الجثة ، كرشه ممتد أمامه ، ملأه الشعور بأن هذا الرجل الباكستانى من تجار الرقيق ، مرق سمير الميناء هو ومن معه من عمال ، تغلب عليهم الهوية الباكستانية ، يستخدمهم متعهد الأنفار كعيون له على الجنسيات الأخرى . على الأسكندرانى يرافق سمير فى العمل بقاع السفينة ، عمل مضنى ومقزز ولكن أجر يوم واحد يكفيه سكن ومعيشة أسبوع ، ربما بعد أن يسافر الطلبة إلى بلادهم ستكون فرصته أفضل ويعمل طوال الأسبوع ، سيصبح الفندق خاليا من النزلاء ، الآن فى أوجه ازدحامه ، ملتقى كل المصريين وربما العرب فى روتردام أو غيرها من المدن ، حتى المتزوجين من هولنديات من رواده فى المساء ، يتحول إلى مسرح فكاهة ، النكات والقفشات والفرحة تعم القلوب ، كل عنصر من عناصره معروف لدى الآخرين ، هذا بخيل وهذا زير نساء وهذا …………… ، سمير لم يتم تصنيفه بعد بينهم ولكنه يشارك فى هذا المنتدى الدائم والمستمر ، قد يفتح أبوابه بالنهار للعاطلين الذين يبحثون عن فرصة عمل أو تركوا عملهم قسرا ، يكونون قمة ازدهاره فى العطلات الرسمية .

العصمة فى يدها ( 14 )

سمير غير راض عن عمله المقزز المنفر ، خيبة الأمل تغتاله ، ليس أمامه غير تحدى الظروف الصعبة والبحث عن فرصة عمل أفضل. يعتقد أنه يملك امكانيات ضخمة تؤهله إلى أفضل ماعليه . يمكن العمل بصيانة السفن فى مجال اللحام بدلا من تنظيف السفن من النفط ، بصعوبة توصل إلى مسئول الصيانة عن طريق صديقه على الإسكندرانى ، عملوا له اختبارا صعبا ، اجتازه بنجاح ، أحس بالزهو ، لم تكتمل فرحته ، عندما أخذ المسئول يتفحص جواز سفره أخذ يقلب صفحاته بقرف شديد ، توقف عند صفحة بعينها ، بفزع قفز كالملدوغ وهو يردد :

* إيخيبت ( مصرى ) !

سرعان ماألقى بجوازه وفر هاربا من أمامه وكأن قنبلة موقوته تكاد تنفجر فيه ، لم ييأس سمير ، عاود تلك المحاولة فى أماكن أخرى ، فى كل مرة يتأففون وينزعجون لكونه مصرى الجنسية ، أصابه اليأس والقنوط ، لم يكن يدرى أن هولندا مكتظة باليهود ، يشكلون دعائم قوية باقتصادها ، عندما انتصرت إسرائيل عام 1967 على العرب عمت الفرحة هولندا بأثرها ، أخذوا يقومون الحفلات لأسبوع كامل كما أخبره إدريس ، أحس سمير بالبغض لتلك البلدة ، يفكر فى الرحيل منها إلى جارتها ألمانيا أو حتى أستراليا مهاجرا ، المهم أن لايعود إلى مصر مرة أخرى مهزوما ، إدريس يطمئنه دائما :

* اصبر …………… انت عندك فرصة كبيرة للعمل فى …….

تلك الكلمات تنزل على صدره بردا وسلاما ، لايود أن يلجأ إلى إيفون أو أمها برناديت ، حتى عمله بتنظيف السفن تضاءل عما قبل ، العمالة الباكستانية قد عادت من بلادها بعد قضاء عطلتها ، الخوف من المجهول يطارده ، يتذكر كلمات أمه :

* يابنى رب هنا رب هناك ………..

انقطعت صلته بها وببلدته كلها ، قد يظنون به الظنون ، النوم خاصم جفنيه ، يظل يتقلب على فراشه حتى الصباح ، أحيانا يراقب شخير صديقه إدريس المتصاعد وكأنه فى سباق مع الزمن ، يعدل رأسه لأكثر من مرة لعله يتوقف عن شخيره ، قبل أن يعتدل على سريره يعود إدريس لشخيره الزاعق بأعنف مما كان عليه من قبل ، البرد القارص أيضا يزيد من توتر سمير وقلقه ، الدفاية التى تلاصق سريره غالبا ماتتوقف أنفاسها الحارة ، ربما أدرك الآن سمير سبب تهرب المصريون من مشاركته حجرة نوم واحدة ، يخشى مصارحته أو ترك حجرته ، على أمل أن يساعده فى الحصول على فرصة عمل ، إدريس أرق ، يغفو لبضع دقائق ثم يستيقظ من نومه مفزوعا ، تبدل شخيره بآهات مكتومة تسبق صحوته . ظن سمير أن هناك مشكلة عويصة تؤرقه أو أشباح تطارده فى نومه . اختلفت تلك الليلة عن الليالى السابقة . إدريس شارك سمير أرقه وسهده ، فى الصباح تحولت الآهات إلى صرخات ، ألم قاس كاد يمزق جنبه ، استنجد بسمير ، اصطحبه إلى المستشفى ، جال بخاطره أن تكون الزائدة الدودية أو المصران الأعور كما يقولون . المستشفى لاتبعد كثيرا عن الفندق ، استقلا تاكسيا ، تم حجز إدريس بالمستشفى ، على سمير  أن يعود إلى الفندق وحيدا ، لم يكن يتوقع ذلك ، لسوء حظه خرج من باب آخر للمستشفى غير الذى دخل منه مع إدريس ، اختلفت الأماكن بمخيلته ، قادته قدماه على غير هدى ، لم يحتفظ بجواز سفره وعنوان الفندق الذى يقيم فيه ، أخذ يبحث عن تاكسى ، أكثر من تاكسى يمر عليه لايحمل أى زبائن ولكنه يأبى الوقوف لتوصيله رغم إلحاحه الشديد له ، وقع نظره على محطة بنزين :

* ربما يصادف وجود تاكسى بها وهو يمون مايحتاجه من وقود

أدرك أخيرا بأن عليه أن يطلب تاكسى ليأتى به للمكان الذى حدده . قام بتلك المهمة الصعبة صاحب محطة الوقود مقابل إعطائه قيمة المكالمة الهاتفية . كل يوم يعرف جديداً عن نظام وعادات الهولنديين . صديقه إدريس مكث بالمستشفى أكثر من أسبوعين ، زاره سمير أكثر من مرة بصحبة صديقه على الأسكندرانى ، مازال يعمل بانتظام فى نظافة السفن بالميناء ، ربما يكون المصرى الوحيد مع جحافل الباكستانين ، سمير أدرك الآن سبب تخلى مقاول الأنفار الباكستانى عنه ، أصبح عاطلا على عكس ماكان يتوقع ، يخشى أن تنفذ أمواله فيتعرض للمهانة أو …………. أو ………….. ، لازم إدريس بعد خروجه من المستشفى وهو فى حالة نقاهة ، يحتاج لمن يساعده . كان يعمل بالبلدية ، يتعاطى أجراً كبيراً، عمله ليس مرهقا ولكن الكثيرين من الهولنديين يتأففون أن يعملوا فى هذا المجال ، معظم العاملين مع إدريس فى النظافة أجانب ووافدون من بلاد أخرى ، البلدة نظيفة للغاية ، الكل يحافظ على نظافتها متبعا النظم والتعليمات ، لاحظ سمير أن حذاءه لم يتسخ منذ أتى إليها ، الشوارع نظيفة واسعة ممتدة ، مقسمة إلى عدة أقسام ، طريق للسيارات السريعة وآخر للسيارات البطيئة وللمشاة والدراجات و…………… . بينما إدريس يرافق صديقه سمير مستغلا فرصة عطلته للنقاهة لمساعدته فى البحث عن فرصة عمل فإذا بسيارة ضالة غيٌرت مسارها من الطريق البطيىء للسريع فجأة ، ربما كان سائقها ثملا ، ارتطمت فيها عديد من السيارات من الخلف ،على الفور تم حمل المصابين وتنظيف مكان الحادث من زجاج وخلافه ، فى دقائق معدودة كان المرور بالشارع عاد مسيرته الأولى وكأن شيئا لم يكن ، تعجب سمير ، سأل صديقه إدريس
مستنكرا :

* لم يأت أى شرطى أو ضابط لتعيين الحادثة و …………

قاطعه :

* بص فوقك

تطلع سمير تجاه أصبعه ولم يلاحظ أو يفهم مايرمى إليه صديقه ، أضاف إدريس :

* الكاميرات صورت كل شىء ………..

أخذ يقارن فى مخيلته بما دار أمامه وما يحدث فى بلدته ، أشياء مخجلة تراءت له أمام عينيه سواء من شرطى المرور أو …………… أو ………….. . كان إدريس دليله ومعلمه فى تلك البلدة . حينما كانا متجهين لتناول جيلاتى أشار له على سيارة تمرق من أمامهما فى نفس الشارع :

* الملكة جوليانا ……………..

بدهشة سأله :

* من غير حرس و………………

سيارة الملكة تتبختر فى الشارع الرئيسى بثقة واطمئنان ، العمارات الشاهقة على جانبى الطريق تحرسها ، الحركة سريعة ومتجددة ، لفت اتنباهه راكبو الدراجات من الجنسين ، الأجسام فارعة ، الدموية تكاد تنفجر من وجوههم ، امرأة مسمرة على ناصية شارع جانبى متماسا مع الشارع الرئيسى تطقطق قطعة من العلك فى فمها ، نظراتها شبقة متوحشة ، ملابسها تظهر كثيرا من مفاتنها ، أخذ سمير يتطلع إليها بدهشة واستنكار وأفكاره تدور هنا وهناك . فاجأه إدريس الذى كان يقرأ أفكاره :

* مومس ومصرح لها …………..

اكتشافات جديدة متلاحقة لسمير تجمع بين السلبيات والإيجابيات من وجهة نظره البحتة ، على بعد خطوات قليلة من تلك المرأة دكان فخم لبيع الجيلاتى ، الهولنديون مشهورون بصناعة الألبان وكذلك بتربية الزهور بكل أنواعها ، يصدرون العطور المستخلصة منها لكثير من دول العالم ، تلك المعلومات كان قد جمعها سمير عن هولندا قبل سفره ، مقابل دكان الجيلاتى كنيسة ضخمة فى الجهة الأخرى ، لم تكن الكنيسة الواحدة بتلك المدينة بينما لايوجد بها غير مسجد واحد أسسه وبناه المغاربة على نفقتهم الخاصة ، بين المغرب وهولندا علاقات تجارية متميزة . كان من حق المغاربة العمل فى هولندا بمقتضى اتفاق مبرم بينهما ، إدريس يعمل بالحكومة ويتمتع بميزات كثيرة . بعد أن تناول الجيلاتى تذكر إدريس فجأة موعدهما مع صديق جزائرى . كان قد وعده بإيجاد فرصة عمل بمصنع للمخللات لصديقه سمير ، على أى حال أفضل من العمل بالميناء كعامل نظافة للسفن . كان المصنع قريبا من ميناء روتردام  شدٌَه جمال وروعة روتردام ، الأنهار والجداول الصغيرة والكبارى المميزة تخترقها ، لأول مرة يكتشفها سمير ،. كان صديقهما الجزائرى ينتظرهما بالقرب من كافتيريا تطل على نهر ، على شاطئيه أسراب كثيرة من البط ، تتبختر بخيلاء ، تهتز أردافها الثمينة الممتلئة بانتظام ، أسراب أخرى منها تسبح وتستحم بالنهر ، ألوانها زاهية ، اقترب منها سمير كثيرا يتفحصها بإعجاب شديد ، خطفت لبه ، عاد بقريته متذكرا الأوز والبط الذى يملأ ترعتها الصغيرة ، كل سرب منها يأوى إلى بيته آخر النهار قبل أن يحل المساء ، لايتوه ، يعرف طريقه جيدا ، هذا البط مستقر بالنهر وعلى جانبى شاطئيه ، تذكر أنه لم يذق طعم البط منذ أن أتى هولندا . على مقربة منه رجل عجوز ينثر حبات الذرة أمام سرب من البط ، التفوا حوله ، يبدو أنهم تعودوا على ذلك ، لم يعرف الخوف قلوبهم . العجوز وهو يشيح بوجهه وقعت عيناه على سمير ، توقفت نظراته فوق لحيته الكثيفة ، انحدرت إلى أسفل تفتش داخل جسده عن شىء ما ، لم يشعر سمير بالراحة تجاهه منذ أن وقعت نظراته عليه ، عينا العجوز الشرهتان تقلقه ، عندما مد يده على عضو حساس ………… أدرك بغية العجوز فى الحال وإن كان غير مصدق أن ………….. و…………….. ، بهدوء وبساطة عرض عليه مبلغا من المال مقابل ……………… ، انتفض سمير مذعورا ، فر هاربا من أمامه ، لم تكتمل الصفقة ، يفضل أن يعود إلى بلدته ولا يفعل مثل هذا المنكر . كان إدريس مازال يكمل حديثه مع صديقه الجزائرى ، أصبح سمير على مقربة منهما ، ربما يود لفت انتباههما له ، عندما ثبت نظراته فوق قسمات وجه الجزائرى تذكر أنه قد التقى به من قبل بالفندق ، لم يعرف عنه المزيد ، قدمه إدريس له للتعارف :

* صديقى الجزائرى …………….
* المهندس سمير ………………

سمير أخذ وعدا أكيدا من صديقه إدريس بعمله فى مصنع المخللات اعتبارا من أول الأسبوع ، تركهما فى عجل من أمره . كان على موعد مع صديقته الهولندية ، ربما تكون هى نفسها صاحبة مصنع المخللات . العجوز الهولندى تبع سمير أملا فى أن يعرض عليه عرضا آخر أفضل من عرضه الأول ، ربما يكون انجليزيا وليس هولنديا ، قسماته توحى بذلك كما يظن سمير ، تجاهله ، أعطاه ظهره ، عاد سمير متابعة حديثه مع صديقه إدريس ، يود معرفة المزيد منه عن حكاية البط الذى يشغل ذهنه ، فكرة طائشة أخذت تداعب خياله ، باغت إدريس متسائلا :

* عرفنى حكاية البط هذه ؟
* بط الملكة جوليانا
* يعنى ممكن نصطاد منه …………….

قاطعه :

* ممنوع صيده وإلا تعرض نفسك للسجن و………… انطلق سمير وصديقه عائدين إلى الفندق بعد أن أضناهما التعب من المشى ، تراجع العجوز عما فى رأسه تاركا فريسته الصعبة المنال . سمير عزم الأمر على اقتناص هذا البط اللذيذ ، عرض الأمر على صديقه على الأسكندرانى ، هو أقرب المصريين إليه . كان قد أخبره عن الكثير عن حياته ، له روح فكاهية محببة للجميع ، بعد صمت وتفكير قال له :
* انت بتعرف تدبح ؟
* أنا كنت بدبح لأمى كل حاجة ، بط ، رومى …………..
* خلاص ندبحه هناك و نيجى ننضفه ونطبخه و…………….
* بس خذ بالك دى بط الملكة ………… يعنى فيه سجن لو ضبطونا
* ياعم البط ده للأكل ………………… وبعدين لاعايزين يشغلونا ولايأكلونا بطهم

أحكما خطتهما ، استطاعا اصطياد حقيبتين من البط المخدوع . كان أحدهما يمد الحبوب تجاه البط والآخر يقتنصها  ليذبحها ، نجحا فى تنظيفه وطهيه بعيدا عن العيون ، سمير فاجأ كل من فى الفندق :

* أنا عازمكم اليوم على عشاء فاخر

سخروا كثيرا منه فى أول الأمر :

* انت لاقى تأكل نفسك علشان تعزمنا !

عندما وضعت أمامهم مائدة ضخمة من البط ظنوا أن سمير فقد عقله ، أخذوا يفكرون كيف حصل على تلك الأموال ، بعضهم راح به خياله إلى أنه تعرف على صديقة ……….. أو …………. أو ……………… ، سأله البعض عن نوعية هذه اللحوم . كان قد أعد الإجابة مسبقا لهذا السؤال :

* بط أسبانى

أضاف صديقه على الأسكندرانى :

* والله تعب على ماجابه
* يعنى مابيتبعشى فى السوبر ماركت ؟
* نادر و……………….

أكد الجميع أن طعمه شهى ولذيذ ، بعد أن انتهوا جميعا من طعامهم وانتابهم كسل وخمول صرح لهم على الأسكندرانى :

* إنتم عارفين انتم كلتم إيه ياأولاد الكلب
* يعنى هيكون لحم حنزير
* ده بط الملكة جوليانا …………….

بعد أن خيم عليهم الصمت للحظات أخذوا يقهقون قهقات هستيرية ، توجهت الأنظار نحو على الأسكندرانى ، مالبث أن أخذ يبرىء نفسه :

* أنا ماليش دعوة ………… سمير هوه اللى عمل كل حاجة
* كل ده يطلع منك ياأزهرى
* وياخويا مربى ذقنه طول كده

العصمة فى يدها ( 15 )

توقف العمل بمصنع المخللات الذى يعمل به سمير ، عمله موسمى مرتبط ببعض المحاصيل كالخيار والبصل و…………. ، بذلك أصبح سمير خالى الوفاض بدون عمل ، سافر معظم الطلبة إلى بلادهم ، لم يتبق منهم غير صديقه على الأسكندرانى ومصرى أسكندرانى متزوج من هولندية ، غير موفق فى زواجه منها ، يهرب منها دائما منضما إلى فندق المرح والحرية كما يطلقون عليه ، يشكى همومه لبلدياته ، أحيانا تصاحبه زوجته إلى الفندق ، يرافقها مرغما ، تعرفت على كثير من نزلائه العرب ، فى الخفاء يتهامسون عنها :

* قوية عليه ،الكلمة كلمتها ……….

كان قد وعد سمير بايجاد فرصة عمل له منذ أول لقائه معه ، سمير لايثق فى وعوده ، لم يعلق عليه آمالاً ، يفكر فى اللجوء إلى إيفون وأمها برناديت ، متردد ، متخوف ، فى حيرة من أمره ، أخيرا عرض الأمر على صديقه على الأسكندرانى ، على الفور صرخ فى وجهه معاتبا :

* فرصة لاتضيعها من يدك
* فى المطار خوفونى ……………..
* إجراءات أمنية شكلية وليس أكثر …. أكيد إيفون قلقة عليك وتنتظر قدومك الآن
* ده كلام شرطة ………….. أكيد إيفون منتظراك ……………

سمير أخذ بنصيحة صديقه على الأسكندرانى ، اتصل بها هاتفيا ، حدد معها موعدا لزيارتها . كانت تقيم بمدينة روتردام ، ارتدى أفضل ماعنده ، أخذ يُعد الكلمات القاطعة عند لقائها ، يفضل أن تكون قليلة معبرة ، لايطلب منها أى شىء فى هذا اللقاء ، عندما وقع نظره عليها عرفها . كانت أجمل من صورتها بكثير ، تبرز مفاتنها بسخاء ، تجر خلفها كلب صغير ، ضئيل الحجم ، نظيف للغاية . لاحظ سمير خلال فترة وجوده بهولندا أن الكلاب لها دور كبير فى حياة الهولنديين ، متعددة الأشكال ، متباينة الأنواع ، يظهرون ولاءهم لها وتعاطفهم معها بشكل ملفت للنظر . فى تلك اللحظة تذكر سمير كلبه الذى تركه بالبلدة ، ربما حجمه يعادل خمسة أمثال حجم كلب إيفون . كان قد اقتحم بيته عنوة فارا من مطاردة الأطفال له عندما كان صغيرا لاحول له ولا قوة ، لم يكسر سمير بخاطره ويطرده ، تركه فوق السطح ليعيش مع الطيور ، تعودوا على وجوده معهم ، كبر وترعرع بينهم ، أصبح واحدا منهم ، لم يعتد على أحد منهم ، ربما وثقوا بينهم معاهدة صداقة ومحبة ، تعاهدوا على الإخلاص ، يعتمد الآن على نفسه  ، لم يعد يستقر فوق السطح إلا للمبيت أحيانا ، أطلقوا عليه مؤخرا كلب الحى بعد أن كانوا يطلقون عليه كلب سمير ، ذكى ، لماح ، لايسمح لأى غريب باقتحام البيت . ربما يكون هناك تشابه بينه وبين كلب إيفون فى اللون وإن اختلفت درجته ، إضافة إلى سلسلة طويلة ثمينة وطوق جلدى يحمل أرقام ميزت كلب إيفون عنه ، يلعق بلسانه دائما . فجأة هب مندفعا تجاه سمير ، ربما لم ترق له لحيته التى مازال متمسكا بها ، إرتدت السلسلة المسمرة فى إيد إيفون وحالت دون وصول الكلب إلى سمير . أخذت تقهقه قهقهات عالية معاتبة كلبها :

* عيب ياروزا …………مستر سمير ضيفنا

توقف نباحه الخافت فى التو ، انفرجت شفتا سمير عن ابتسامة ساخرة وهو يتطلع إلى كلب إيفون باحتقار ، أخذ يردد بصوت خفيض :

* إسمه روزا !

تذكر أن كلبه  لم يكن يحمل إسما ، يناديه دائما :

* كشكش    كشكش ……….

يندفع نحوه ملبيا النداء أملا فى أن يعطيه بعض الطعام ، لم يكن يعتمد على سمير أو غيره فى ملء بطنه . الترعة الصغيرة التى تبعد عن بيت سمير قليلا فيها مالذ وطاب من الطيور النافقة ، يدبر شئونه بنفسه ، ظنت إيفون أن كلبها أخاف وأرهب سمير ، حاول أن يوضح لها الأمر بعد أن أمرته بالجلوس على المقعد المجاور لها :

* كلبك لم يخيفنى ولكننى أخشى النجاسة

بصعوبة فهمت مايرمى إليه ، همس فى أذنى أمها برناديت التى لحقت بابنتها إيفون مؤخرا وهو يسلمها رسالة المهندس عاطف ، أمعنت النظر فيها قليلا ثم مالبثت أن هزت رأسها قائلة :

* اطمئن سأجد لك عملا مناسبا

بعد تلك الزيارة جمعتهم عدة لقاءات ، أحيانا سمير وإيفون أو سمير مع أمها أو ثلاثتهم معا ، سمير تشبث بإيفون ، أمها برناديت تشبثت بسمير ، وجدت له عملا بمصنع العطور ليكون بجوارها ، تنفرد به أحيانا فى عدم وجود ابنتها إيفون ، نظراتها الشبقة تفضحها ، عرضت عليه أن يسكن معها بالطابق الأول . كانت فرصة سانحة ليحدثها عن ظروف صديقه على الأسكندرانى ، وافقت على أن يعمل معه فى مصنع العطور إرضاء له ، أحس بكرمها معه ، أيام سريعة جمعتهما معا فأزالت كل حواجز الحياء والخوف بينهما ، أخذت تطلق مفاتنها المسعورة نحوه ، تدعوه للسهر معها ، اسثأثرته لنفسها على مرمى ومسمع من ابنتها إيفون التى لاتعبأ بسمير أو غيره ، قلبها مازال متعلقا بصديقه هانى ، حينما يجمعهما لقاء تتحدث عنه كثيرا ، تود معرفة المزيد عنه ، إنه حبها الأول ، أمها برناديت ، تركته لها من قبل تستمتع به . تظن الآن أن سمير من حقها ، فى كل مرة تختلى به تعرض عليه الخمر ، يتأفف ويمتنع ، أخيرا تعاطاها تحت سلطان سحرها ونفوذها الأنثوى الجامح ، وجد نفسه ثملا بين أحضانها ، عندما أفاق إلى نفسه كان عاريا من كل ملابسه ، وقعت نظرات إيفون عليه عندما مرقت حجرة أمها برناديت بدون قصد ، تمنى أن تبتلعه الأرض ولا تراه إيفون بين أحضان أمها ، جرجر رجليه فى تخاذل ، بعدما انفردت إيفون بأمها أخذت تعنفها على فعلتها صارخة فى وجهها :

* يعنى ضاقت الدنيا فى وجهك ولم تجدة غير سمير
* من حقى استمتع بحياتى كما يستمتع والدك بحياته مع صديقته فى أمريكا
* منذ تلك اللحظة وسمير يتحاشى نظرات إيفون له ، ضاعت كل آماله وطموحاته تجاهها ، تجددت لقاءاته مع أمها مجبرا على مرأى ومسمع من صديقه على الأسكندرانى

كره سمير بيت برناديت ، يتمنى الهروب منه ، يفكر فى السفر إلى أى دولة أخرى ، بدأ يتردد على السفارات المختلفة فى الخفاء ، أصابه الإحباط واليأس عندما قررت إيفون السفر إلى والدها فى أمريكا فجأة ، فشلت أمها فى محاولة ثنى عزيمتها أو حتى تأجيل سفرها ، سمير ترك نفسه لأمها تعبث به كما تريد ، أصبحت تقرر شئونه ، حل محل إيفون فى حجرتها بالدور العلوى ، يتعامل مع أمها كزوجة وعشيقة ، ضاع بين الخمر والحسرة ، أحيانا يفيق إلى نفسه ، شريط حياته يمر أمامه فى لحظات ، يتذكر قريته ومدينته وأمه . أخذته الحمية ، قرر الهجرة إلى أستراليا ، قصد سفارتها بهولندا ، عرض عليهم الأمر ، طلبوا منه ملء استمارة متضمنا عنوانه الحالى بعد الإطلاع على جواز سفره ، أكدوا له أنهم سيتصلون به لعمل مقابلة فى القريب العاجل ، أصبح يعيش على أمل ، لم يكن لمدام برناديت علم بذلك . إنها غارقة فى امتصاصه ، كل الأموال التى كسبها عن طريقها أو غيرها فى حوزتها ، هى بنكه وأمين سره ، تطلبه لنفسها وقتما تشاء ، تلفظه إن لم يكن لديها الرغبة أو تكون مشغولة فى عقد صفقة تجارية أو قضاء بعض الوقت مع صديق لها ، اعتاد سمير ذلك ، علاقته بها عبد لسيده ، أحيانا يكون عشيقها صديقه على الأسكندرانى بعد أن استدرجته مؤخرا إلى حظيرتها الشهوانية ، ربما يخفف العبء عن صديقه سمير . يحتفظ بأمواله فى جيبه على عكس صديقه ، يود أن يكون لديه رصيد كاف ينفقه وقت الضيق عندما يتم تجنيده بالجيش ، مازالت إسرائيل تسيطر على ضفة القناة منذ عام 1967 . الجيش المصرى فى حالة تأهب ، لن يتنازل عن شبر واحد من أرضه ، ربما أكمل استعداده لخوض معركة فاصلة ، إسرائيل محصنة بمواقع عديدة منها خط بارليف ، متفوقون بسلاح الطيران ، يرددون دائما :

* الجيش الذى لايقهر ……………….

سمير لن يكون جنديا أو طرفا فى تلك المعركة بعد حصوله على إعفاء من تأدية الخدمة العسكرية ، معظم زملائه على الجبهة بسلاح المهندسين . إنه يعيش معركة أخرى شرسة مع برناديت ، تمتص رحيقه ، يود التحرر منها . كان شهر رمضان على الأبواب ، ظن أنها فرصة سانحة للفرار منها ، استوقفته ذكرياته بقريته ، دفعته إلى عقد هدنة مع مدام برناديت ، هجر بيتها ليعود إلى الفندق مرة أخرى . هى تعرف شهر رمضان وقدسيته تجاه المصريين ، على مضض وقعت معه هدنة شفهية منحة منها ، بعد مضى تسعة أيام من هذا الشهر كان قد تم إعلان الحرب بين مصر وإسرائيل . الجميع يتابع أخبار المعركة . كانت مبشرة . أكدت عبور الجيش المصرى قناة السويس وتدمير خط بارليف الأسطورة ، الجيش الإسرائيلى يستغيث و يستنجد بحلفائه وعلى رأسهم أمريكا ، تم أسر اللواء عساف ياجورى . سمير قلق مضطرب على أمه وأهله وما تم بشأن هجرته إلى أستراليا ، لم يتصلوا به حتى الآن ، يود مراجعتهم ، لم يسعفه الوقت . كان قد تم محاصرة الفندق الذى يسكن فيه ليأخذوه أسيرا هو الآخر . اللواء عساف ياجورى أسير فى مصر وهو أسير بهولندا بعد استجوابه

:

* إيخيبت ! ( مصرى ) !
* أين جواز سفرك ؟

لم ينتظروا منه جوابا . كانت سيارة الشرطة فى انتظاره بالخارج ، دفعوه داخلها تحت تهديد سلاحهم ، قادوه إلى معتقل خاص ، لم يعرف السبب الحقيقى وراء اعتقاله . أخيرا وجد نفسه فى زنزانة ضيقة بمفرده ، لايغادرها إلا وقت فسحة المساجين المحددة لهم ، حراسة خاصة أمامها ، بينما جندى الحراسة يسلم ورديته لجندى آخر أخذ يهمس وهو يشير على سمير من العين السحرية الخاصة بزنزانته :

* المصرى كوماندوز

يبتسم سمير بسخرية ومرارة . كان قد تم تصويره أكثر من مرة بأبعاد مختلفة ، نظراتهم مركزة دائما فوق لحيته ، لايدرى ماذا فعلوا بتلك الصور ، ربما نشروها فى صحف أو مجلات مختلفة ، كل السجناء العرب تعاطفوا معه ، دائما يرسلون له الطعام والشراب الذى يأتى به زوارهم ، لم يكن لديه أى زوار ، صديقه على الأسكندرانى لم يستطع الوصول إليه ، لم يكن متواجدا أثناء اعتقاله . كان يقضى ليلة فاجرة مع مدام برناديت ، انقطعت علاقتها بسمير ، بعد إلحاح منه سمحوا له أخيرا بالاتصال بالسفارة المصرية ، حكى لهم قصته ، طمأنه المسئول قائلا :

* اصبر ………….. نحن فى حالة حرب ………………

كاد ينتهى شهر رمضان ، أخرجوه من زنزانته الخاصة لينضم إلى المساجين العرب فى عنبر واحد ، توقفت الحرب بين مصر وإسرائيل . سمير ينتظر أن تتدخل السفارة المصرية لإطلاق سراحه ، لم يكن يعرف تهمته الحقيقية ، عادت ذاكرته للوراء محاولا كشف الغموض الذى يحيطه ، يحس بالإخفاق والفشل ، فى كل مرة يشك فى شخص بعينه ، لم يتوصل إلى خيط يوصله إلى أى شىء ، فجأة وجدهم يقتادونه داخل سيارة شرطة مرة أخرى مكبلا بالأغلال ، إنها من نفس فصيل السيارة الأخرى التى اعتقلوه فيها من قبل . أخذ يتطلع إليهم فى حيرة ونفاذ صبر ، شرطى عن يمينه وآخر على يساره ، خشى أن يسألهم عن مصيره ، السيارة تندفع إلى المجهول ، عيونهم تثير خوفه ، تسارعت دقات قلبه كما تسارعت خطوات السيارة ، ربما يقتادونه إلى المحكمة لتوقيع العقوبة عليه ، تساءل بينه وبين نفسه :

* هل سيعدمونه دون أن يكون هناك دفاع عنه و ………

السيارة تنهب الطريق إلى هدفها المحدد ، الوقت يمر بطيئا ثقيلا ، أخيرا وجد نفسه داخل مطار أمستردام ، أودعوه داخل صالة منزوية به ، مغلقة على نفسها ، فى تلك اللحظة أيقن أنهم سيرحلوه إلى بلده . مطار القاهرة مازال مغلقا ، قبل أن يدخل من باب الطائرة الهولندية تم فك قيده واستلام جواز سفره ، وهو يتفحصه أدرك أنه أصبح من المبعدين عن هولندا ، توقفت الطائرة فى مطار بيروت ، أقلته حافلة إلى طرابلس ومنها إلى مصر . تعرف على كثير من العائدين معه ، منهم سيد عبد الرحيم الطالب بكلية الطب . كان يحمل فى وجهه لحية كثيفة  هو الآخر ، يتاجر فى لعب الأطفال ، لم يفق سمير إلى نفسه إلا وهو أمام بيت صديقه هانى .

العصمة فى يدها ( 16 )

صُدم هانى بعودة سمير المباغتة من هولندا ، كانت قد انقطعت عنه أخباره منذ فترة ، الإرهاق والتعب باد عليه ، قبل أن يفاتحه هانى أخذ سمير يحكى له عن رحلته واعتقاله وانقطاع صلته بالعالم و …… ، لم يعقب هانى ، انصب تفكيره فى تلك اللحظة أن يخرجه من رداء حزنه ، المحبوك عليه تماما ، على الفور اتصل هاتفيا بأمه ليطمئنها على وصوله ويحدد موعد زواجه من روحية أخته ، كادت أمه تطير من الفرحة ، سيكون سمير بجوار أخته ليلة عرسها ، تفتخر به أمام الجميع ، صديقه هانى أصبحت فرحته فرحتين ، عودة صديقه سمير والإفراج عن موعد زواجه الذى كان مرهونا بعودته ، لن تؤنبه أم سمير بعد ذلك :

* انت اللى سفرته ياهانى رجعه تانى ……………

هانى يمازح سمير :

* الجماعة الهولنديين دول عملوا أكبر خير لما رجعوك مصر

سمير يفرج شفتيه عن ابتسامة خفيفة مقتضبة ، فى الصباح غادر القاهرة متجها إلى بلدته ، يسوقه الشوق والحنين إلى ترابها . كان من قبل يتقزز ويتبرأ من طرقاتها الموحلة ومبانيها و…………………. وكل شىء فيها . يتخفى من ماضيه البائس و……………… و ………………. ، استقبلته أمه بحفاوة والدموع تنهمر من مقلتيها وهى تردد :

* كدا ياسمير تعمل كده !

سافر دون علمها ، فاجأها بعودته المباغتة ، ربما عدم توفيقه فى رحلته يرجع لغضب أمه عليه كما أخبره هانى من قبل . بضع ساعات مرت وقد علم أهل بلدته بعودته ، توالت الأفواج للاطمئنان عليه ، بعضهم أتى بدافع حب الاستطلاع وتكرار تجربته إذا كانت موفقة ، لم يخبرهم سمير عن أى تفصيلات مشينة عنه ، تذرع بعودته لاستلام عمله الحكومى بمجلس المدينة كما أخبرته أمه فور وصوله :

* جالك خطاب تكليف للعمل بمجلس المدينة ……………

تلك الكلمات أزاحت عن كاهله الكثير ، التفاف أسرته حوله أعاد بعض الثقة إلى نفسه المهزومة ، أخوه صادق يرمقه بنظرات جانبية ، فجأة أخذ يردد فى تواصل :

* سمير الصايع جه ………………

انفرجت شفتا سمير عن ابتسامة صافية ، أخذ يحضن أخاه صادق بحرارة ، يرفعه عاليا فى الهواء مزهوا به ، أصبح يجيد الكلام ، مخارج ألفاظه صحيحة ، لايعرف فارق السن أو النفاق ، يكرر كلمات كالبغباء أحيانا دون معرفة أبعادها ، تغلب عليه فطرته ، سمع تلك الكلمات من أمه عندما سافر أخوه سمير فى الخفاء ، احتفظ بها داخله ليخرجها بتلقائية . أخذوا يقهقهون ويضحكون ، الجميع مسرور بعودة سمير ، صديقه راشد لم يأت لزيارته ، ربما بسبب تدهور  العلاقة بينه وبين سميحة بنت خالته . كان قد هددها فى غيابه :

* لو تزوجت سمير سأجعل حياتك جحيم

أخبرته سميحة بذلك عند أول زيارة لها بعد عودته من هولندا ، كادت تلتهمه بعينيها الجائعتين المتعطشتين للقائه ، وجهها متورد بالدماء ، فرحتها بلقائه تكاد تفقدها توازنها ، خالته شاركتها نفس الشعور ، بدت أكثر حفاوة وكرما معه عما قبل ، تمنت داخلها أن يكون سمير من نصيب ابنتها سميحة ، تكررت لقاءاته ، فاجأته سميحة ذات مرة وهما وحدهما :

* أنا تعاقدت بدولة الكويت وأتمنى تخطبنى قبل ما أسافر ………….

لم تكن مفاجأة له ولكن هى التى تخطبه لنفسها هو الذى أدهشه ، خجله يحول دون رفض طلبها ، بعد أن تمالك نفسه قال لها :

* ربنا يسهل

شغله هذا الأمر كثيرا ، أخذ يقارن عما حوله من فتيات بمخيلته ، ربما كانت سميحة أفضلهن لأنها تحظى بموافقة أمه وقد ألحت عليه من قبل للارتباط بها . كانت قد أغلقت ملف راشد فى غياب سمير معلنة أمام الجميع :

* الحمد لله خلصت منه ومن قرفه و ………………..

أسرها راشد فى نفسه ، يظن أن صديقه سمير وراء تمرد سميحة عليه . كان قد تم استدعاءه إلى أمن الدولة ، أخذته الرجفة ، ظلت أفكاره المشتتة تدور هنا وهناك ، يحاول أن يربط بين الأمور وبعضها ، لايدرى من وراء تلك الدسيسة :

* ربما بسبب إطلاق لحيته وانتمائه للسنيين …………….

على الفور جال بخاطره صديقه راشد الذى سبقه فى هذا المجال وأن لحيته تكاد تلتهم وجهه كله و…………….. ، مرغما قادته قدماه إلى مبنى أمن الدولة بالمدينة ، قد يستطيع فك هذا اللغز الذى يحيره . قبل أن يدلف مبنى أمن الدولة فوجىء بصديقه راشد يمرق من بابه الرئيسى ، حرص أن لايقع نظره عليه ، تساءل فى نفسه عن وجوده ، إزدادت حيرته :

* هل راشد طرفا فى ……………….

بعد أن أدار ظهره مختفيا بعيدا عنه مرق سمير مبنى أمن الدولة ، مد قدماه صاعدا أدراج سلمها بارتباك . كان أشبه بفيلا ، توقف أمام الطابق الثالث والأخير منها ، بعد أن سلمهم خطاب الاستدعاء أمروه أن ينتظر بصالة واسعة من هذا الطابق ، تتناثر بعض المقاعد بها ، ظل ساعات على قائمة الانتظار ، لم يكن بالصالة غيره ، الصمت القاتل يجثم عليها ، بين الحين والحين يقتحم أذنيه رنات هاتف مميزة ، أشبه ماتكون بالصرخات ، أخيرا سمحوا له بدخول حجرة مميزة واسعة ، بها عدة مقاعد ، مكتب فخم يختفى خلفه شبح يجلس فوق مقعد دائرى ، يخفى عينيه خلف نظارة سوداء ، خرج منه صوت حاد وكأنه أتى من إنسان آلى ، أمره بالجلوس على مقعد قريب من مكتبه ، أذعن له بارتباك وفوضى ، تيار بارد يهاجمه من كل اتجاه ، فى تلك اللحظة تذكر ليلة القبض عليه فى هولندا ، بعد صمت وتفكير سأله الضابط مباغتا :

* أين جواز سفرك ؟

كان قد أحضره معه من باب الاحتياط هو وبطاقته الشخصية ، مده نحوه بيد مرتعشة :

* تفضل

أخذ يتصفحه على مهل وهو يهز رأسه باستهتار، أضاف كلمات قليلة يظن سمير أنها خرجت من أنفه وليس من فمه :

* انت أخذت بلاك لست وممنوع دخولك هولندا مرة أخرى
* يظنون أننى فدائى
* ما السبب الحقيقى وراء سفرك هولندا ؟
* العمل

ظل يلاحقه بأسئلة لاحصر لها ، امتدت إلى كل أصدقائه ومعارفه بما فيهم أبناء بلدته ومدينته ، واجهه بأشياء كادت تغيب عن ذاكرته عندما كان طفلا ، ربما لايعرفها غير صديقه راشد ، بعد أن استعاد هدوءه أدرك أن المحقق يحتفظ له بملف ضخم متخم بالأوراق ، يقلب صفحاته بين الحين والآخر ثم يوجه له الأسئلة ، ليست معدة من قبل ، يود الوصول إلى حقيقة بعينها كما يظن سمير ، أزاح المحقق نظارته من فوق عينيه بعد أن تصبب العرق فوق جبهته ، بدت قسماته غليظة ، عيناه ضيقتان ثاقبتان ، تميل للإحمرار ، فاجأه متسائلا :

* ما علاقتك بالسيد عبد الرحيم ؟
* قابلته بمطار بيروت بالصدفة

تساءل سمير . هل تكمن مشكلته فى سيد عبد الرحيم هذا . كان يطلق لحيته هو الآخر ، لايدرى إن كان من السنيين أو ينتمى لجماعة أخرى ، أطلقوا سراحه على أمل أن يستدعوه مرة أخرى ، هرول مندفعا إلى الخارج ، أحس بأنه كان سجينا منذ عشرات السنين ، أخذ نفسا عميقا ، هواء نقى ملأ رئتيه ، تمنى أن يفصح عما بداخله لصديقه هانى أو آخرين لعلهم يشاركونه محنته أو يكشفون ماخفى عنه ولكن المحقق حذره مرارا قبل أن يغادره :

* حذارى أن يعرف أحد عن تواجدك هنا …………..

حتى الآن لم يفهم سبب استدعائه :

* هل لحيته هى مصدر الخطورة والقلق أم ………………..

كانت نظرات الضابط مسلطة عليها دائما ، فى هولندا أصابه ما أصابه من جرائها ، هل يخفى داخلها صواريخ عابرة للقارات أم أطنان من الهيروين والكوكايين . يظن أن رجال الأمن يفكرون بطريقة مختلفة ، حتى الآن لم يفهم سبب إستدعائهم له . بعد بضعة أيام التقى بصديقه راشد بالجمعية الشريعة حاملا لحيته الكثيفة الممتدة المتشابكة ، لم تشكل له أى مصدر قلق أو مخاطر . كان عالم كبير من علماء الدين أتى إلى الجمعية الشريعة لإلقاء محاضرة ، لم يتفقا على هذا الموعد وإن كان كلاهما على معرفة بقدوم هذا العالم ، بعد أن انتهت المحاضرة والتقاء سمير بصديقه راشد قرر أن يواجهه بحكاية تردده إلى الأمن ولكنه تراجع بعد أن تذكر تحذير وتهديد ضابط الأمن له ، جمعتهما أحاديث مختلفة ، أخيرا اتفقا معه على مقابلته فى كازينو المعلم شعبان الذى جمعهما مرارا من قبل ، ربما يستعيدا ذكرياتهما معا فى لعبة الشطرنج ، لعل راشد يهزمه هذه المرة بعد أن توقف سمير عن لعبها ، صديقه راشد يمارسها مع آخرين وإن كانوا يصغرونه فى العمر بكثير ، ربما يلعب مع أحد تلاميذه الذين يدرس لهم مفتخرا بقدراته وإمكانياته ، لم ينجح مرة واحدة فى هزيمة سمير الذى يقرأ أفكاره ويحسب حساباته لعدة نقلات محسوبة مفترضة ، خط دفاعاته قوى ، هجومه المفاجىء على ملك صديقه راشد يصيبه بالشلل ، يتظاهر بعدم المبالاة لهزيمته وإن كان يغلى من داخله ، تشكك سمير فى أمر مقابلته له ، يظن أن الأمر متعلق بسميحة بنت خالته ، بمجرد أن تم ترتيب قطع الشطرنج على اللوحة وهو يجلس فى مقابلته فاجأه متسائلا :

* الشيوعيون كتروا فى البلد ………………  بيضموا كل يوم لهم شباب جديد
* وما هو المطلوب منى ؟
* نبلغ الأمن عنهم حتى يتابعهم ………..
* من أجل هذا السبب كنت فى أمن الدولة !

أصابته كلمات سمير ، امتقع وجهه ، تصبب عرقا ، قواه تنهار ،بعد صمت وتفكير استعاد بعض هدوئه ، سقطت منه كلمات متلعثمة :

* نعم وعرضت عليهم الأمر وكلفونى بمتابعة أخبارهم
* لذلك طلبت مقابلتى !
* نعم . واجبنا كسنين نقف ضد الشيوعيين

على الفور أخرج من جيبه كارت لضابط كبير بالأمن :

* مدحت بك أعطانى كارته ووعدنى بأنه سيقدم لنا خدمات ويذلل لنا أى مشكلة تواجهنا و ………..
* يعنى أشتغل مرشد ياراشد !
* ضد الشيوعيين والكفرة ياسمير
* من يقبل أن يعمل مرشدا على الشيوعين يمكن أن يصبح مرشدا على أمه وأخيه

سمير منذ تلك اللحظة فقط ثقته بصديقه راشد ، جز لحيته على الفور ، تبرأ من السنيين وأفعالهم فى صورة صديقه راشد ، تمزق ماتبقى من أواصر بين راشد وسمير ، أصبحت لقاءاتهما بالصدفة البحتة ، عندما دعاه سمير لعقد قران أخته روحية من هانى لم يلب الدعوة ، تزوج هانى وطار بها إلى القاهرة بعد حفل كبير ووداع حار من أمها  .

العصمة فى يدها ( 17 )

سمير شبه مستقر فى عمله بمجلس المدينة ، يعمل بقسم التراخيص الهندسية ، هجر العمل بورشة مدام نجاح ، يزورها كمهندس حقيقى وصديق وناصح و……….. بعد انتهائه من عمله ، أحيانا يقضى معها ليلة حمراء مستمتعا بأنوثتها بعد أن تزوجت أختها ورحلت عن عالمه ، إخفاقه فى رحله هولندا جعله يعيد تفكيره فى أمور كثيرة ، قطع علاقته بالجمعية الشريعة والسنيين بعد أن تخلص من لحيته الكابوسية ، إلحاح أمه أو الأسطى حنكش على زواجه لم يعد يلق داخله أى صدى ، دائما يردد :

* لما أكون نفسى

ليس فى حاجة إلى زوجة بقدر احتياجه لأموال تؤمن مستقبله كما يظن ، تناثرت من حوله الإشاعات وتوحشت من بعد ماأصبح مسئولا عن توزيع أراض للحكومة بالمنطقة الصناعية الجديدة . كان قد صدر قرار بوقف نشاط كل الورش بالمنطقة الصناعية القديمة ونقلها خارج المدينة بعيدا عن وسطها تجنبا للزحام والضوضاء وخلافه ، استغل تلك الفرصة كمهندس يعمل بالحى ، جامل كل من لهم دين فى رقبته فى اختيار أماكن مميزة لهم بالمنطقة الصناعية الجديدة وبأسعار مناسبة ، من أولهم الأسطى حنكش ومدام نجاح وسيد النجار الذى سافر مؤخراً لدولة الإمارات ويتمنى أن يكون صاحب ورشة ، سرعان مانهج نهجه رأفت زوج أخته نوسة التى رفضت استرداد المبلغ الذى منحته لسمير من قبل فى بداية التحاقه بكلية الهندسة ، كما أنها حبه الأول ، زوجها رأفت يعتبر معلمه فى مجال الخراطة ، سمير وضع كل تلك الاعتبارات فى ذهنه ، بذل كل ما فى استطاعته لأصدقائه ومحبيه . أما الأسطى كسبانى تجاهله تماما حتى فى الحد الأدنى من حقوقه بقطعة أرض لإقامة عليها ورشة كبيرة ، تجاهل طلبه كلية ، أخذ كسبانى يشهر به فى كل مكان :

* بيستغل منصبه لمصلحته ……………..

كسبانى لم يجد ما يصغى إليه من المسئولين أو يعطى اعتبارا لشكواه ، بعد أن تم توزيع الأماكن المميزة خصص له قطعة أرض فى ذيل المنطقة الصناعية الجديدة ، لاتتمتع بأى مميزات تذكر ، أثبت سمير وجوده بعمله كمهندس ناجح وتحقيق مكاسب لابأس بها فى الخفاء كما يظن البعض . ذاع صيته ، المقاولون والمستثمرون الذين احتكوا به وتعاملوا معه يرددون دائما :

* مهندس مرن ………. فاهم شغله …………

سميحة بنت خالته عادت من الكويت فى نهاية العام الدراسى ، محملة بالأموال ، فى أول لقاء معها ،عرضت عليه أمر زواجها منه مرة أخرى ، أزالت كل العقبات من أمامه :

* أنا بكسب من الدروس أضعاف أضعاف مرتبى وأنا مستعدة بثمن الشبكة وخلافه و……………

أدار سمير الأمر فى رأسه من كل جوانبه . قبل أن تنتهى سميحة من عطلتها الصيفية كانت قد اقترنت بابن خالتها سمير ، تم عقد قرانها عليها ، اتفقا على تجهيز كل شىء حتى منتصف العام الدراسى ليدخل بها ، قبل الموعد المحدد ، استطاع سمير الحصول على شقة مناسبة من الشقق التى يقوم الحى بتوزيعها ، أسسها بشكل ملفت للنظر ، تهامسوا فى حقه ومن أولهم كسبانى :

* بيلعبها صح

رفض مرافقة زوجته إلى الكويت :

* أنا بكسب فى بلدى أحسن من السفر للخارج …………

سافرت سميحة وحدها ، لم يشعر زوجها سمير بفرق واضح بين عزوبيته وزواجه ، يحس بالفتور نحوها حينما تجمعها حجرة واحدة ، هرب من عش الزوجية بعد بضعة أيام من زواجهما ، يسهر لوقت متأخر خارج بيته ، يشعر وكأنها امرأة أخرى وليست سميحة التى تزوجها ، رائحة فمها العفنة تُنفره منها ، أحيانا يتراءى له أنها تحمل شكل قرد ، لايدرى إن كانت تهيآت أم حقيقة ، تذكر كلمات راشد التى أعلنها فى الخفاء :

* والله لن يستمر معها شهر ويطلقها ……………..

راشد يظن أن سمير سرق سميحه منه ، لم يشاركه فى حفل زواجه ، علاقتهما معا أصابها الشلل . كان قد تم تعيينه مدرسا بالمعهد الأزهرى ، الدروس الخصوصية أخذت من وقته الكثير وإن كان يتابع كل أخبار سميحة فى الخفاء ، ربما يرتب لشىء ما . كانت قد سافرت سميحة إلى الكويت ، زوجها سمير يحس بأنه فى حاجة إليها ، عندما عادت إليه فى نصف العام الدراسى وجمعتهما حجرة واحدة من جديد عاوده شعوره القديم نحوها ، هذا الأمر شغل تفكيره ، لم تتوقف لقاءاته مع مدام نجاح وإن قلت ، يجد نفسه بين أحضانها ، غير راض عن حياته ، قلق ، حائر ، بينما هو ضائع فى تفكيره فى مكتبه أثناء عمله فإذا بصديقه على الأسكندرانى يقف أمامه بشحمه ولحمه ، لم يصدق عينيه ، وقف مشدوها ، لم يكن يظن أنه سيلتقى به مرة أخرى ، تذكر فى تلك اللحظة أنه أعطاه عنوانه من قبل ، بعدما انفرد به أخذا يستعيدا ذكرياتهما بهولندا معا . كانت هانم بنت الأسطى حنكش هى دليله إلى مكان عمله . ظن فى البداية أنها روحية أخت سمير ، لم يكن يدرى أنها تزوجت من المهندس هانى ، صحبه سمير إلى كازينو يفضله عن غيره ، يطل على النيل ، بعيدا عن العيون ، ملتقى لقائه دائما مع التجار أو المستثمرين أو تخليص مصالح . عندما وقعت عينا على الأسكندرانى على خاتم زواجه سأله مستنكرا :

* انت تزوجت يابشمهندس ؟
* آه  . عقبالك

تابعا حديثهما معا ، كلا منهما يريد أن يعرف كل شىء عن الآخر خلال الفترة الفائتة ، توقف كثيرا أمام اعتقاله بهولندا ، حتى الآن لم يتوصلا إلى من وشى به ، استعرضا كل الأطراف والشخصيات من إيفون وأمها حتى مسئول الأنفار الباكستانى ، أضاف سمير لصديقه طرف جديد لم يكن لديه علم به وهو السفارة الاسترالية بهولندا ، لاقى هذا الأمر تحيزا من وجهة نظر على الاسكندرانى :

* كلهم يهود ويجاملون بعضهم على حسابنا …………..

أضاف سمير لصديقه حكاية أمن الدولة وصديقه راشد وزواجه من سميحة وأشياء كثيرة متداخلة فى رأسه ، يظن أن راشد هو الذى أرشد عليه ليتم اعتقاله بهولندا وليست السفارة الاسترالية ، استنكر على الاسكندرانى متحيزا لرأيه :

* وكيف لراشد وهو لم يغادر مصر أن يشى بك للأمن بهولندا ؟
* لاأدرى
* لحيتك كانت السبب فى كل المشاكل والحمد لله انك تخلصت منها

اتفقا الصديقان أخيرا بأن برناديت لم يكن لها دخل فى اعتقاله ، تبخرت كل الشكوك من رأس سمير حينما أخرج على الأسكندرانى مبلغا من المال ليسلمه إلى صديقه سمير :

* بقية فلوسك التى كانت مع برناديت …………..

بعد صمت وتفكير قال له :

* يعنى انت جاى ترجع فلوسى وليس للاطمئنان على
* الاثنين معا وليتنى زرتك من قبل
* لم أفهم قصدك ؟
* بصراحة أختك هانم دخلت مخى و ………..
* هانم بنت الأسطى حنكش ….. روحية أختى تزوجت المهندس هانى و …….
* المهم تدبر أمر زواجى من الأنسة هانم
* بسيطة ……. الأسطى حنكش لن يرفض لى أى طلب
* بصراحة كنت أبحث عن عروسة ووجدت طلبى فى الأنسة هانم

على الاسكندرانى لم يغادر بلدة سمير إلا بعد أن اطمأن على مشروع زواجه من هانم ، بينما صديقه سمير يوصله إلى المحطة مازحه قائلا :

* يعنى تسيب بنات أوربا واسكندرية وتيجى تتزوج من الفلاحين !
* ياحبيبى أنا أصلا صعيدى وهانم مناسبة تماما لظروفى

بعد أن سافر على الاسكندرانى اتصل هاتفيا بصديقه سمير ليطمئنه ، لم يستطع أن يصبر أو يتحمل الانتظار لإسبوع كامل كما اتفقا معا من قبل . كان سمير قد أنهى كل شىء بمساعدة أمه ، فاجأه قائلا :

* مبروك …………..

أخذ على الاسكندرانى يهيىء نفسه للزواج . كان قد استلم عمله بمصلحة الجمارك مؤخرا ، تم كل شىء فى عجالة غير متوقعة ، الأسطى حنكش فخور بزواج ابنته هانم ، وكلته فى كل شىء أمام الجميع ، مازال يتذكر زواج ابنه رزق وما أصابه من مهانة ، ابنه رزق العاق جنى ثمار عناده وجحوده له مؤخرا . كان كسبانى تحرش بزوجته ليلى أثناء غيابه ، لطمته على وجهه وطردته من شقتها فى وقت متأخر من الليل ، ثارت ثائرته ، أخذ يصرخ :

* بتطردينى من بيتى يابنت …… أنا اللى جوزتك و ………………

بعد أن عاد زوجها متأخرا من المقهى أخبرته بكل شىء ، لم يستوعب الأمر جيدا  إلا بعد أن أفاق من خدره  ، أخذ يستعيد الأمور فى مخيلته ، قصد على الفور الأسطى كسبانى ، الشرر يتطاير من عينيه ، لاتدرى زوجته ليلى فيما يفكر فيه ، يبدو أنه اتخذ قرار حاسما لارجعة فيه ، على الفور هبت لوالده الأسطى حنكش ، أخبرته بكل التفاصيل ، ورشته قريبة من ورشة الأسطى حنكش ، قبل أن يقصد ورشة كسبانى أمر ليلى بكلمات صارمة :

* روحى إنت لمى حاجتك من بيت الكلب ده وهتيها عندى فى بيتى …………..

قبل أن يصل الأسطى حنكش باب ورشة كسبانى فاجأته صرخات وهرج ومرج ، خشى أن يكون فعلها ابنه رزق مع كسبانى . بمجرد أن دخل الورشة تكشفت له الأمور . وقعت عيناه على رزق وهو يحاول خنق كسبانى ، على الفور قفز ناحيته مخلصا كسبانى من ابنه رزق وهو يردد بأعلى صوته داخل ورشة كسبانى أمام أسطواته وصبيانه :

* إنت هتضيع نفسك فى كلب

بعد أن التقط كسبانى أنفاسه أخذ يبرىء نفسه :

* والله ليلى هيه اللى  ……………….
* اخرص يانجس بدل ما أخليه يخلص عليك

إلتف الكثيرون من الأهالى والزبائن حول ورشة كسبانى ، الشىء الملفت للنظر لم يتدخل أسطوات كسبانى أو صبيانه أو أسطوات الورش الأخرى لإنقاذه ، أخذوا يلعنوه ويسبوه :

* طول عمره ديله نجس …………. وكان ……………..
* لعنة الله عليه راجل ناقص ………………. هوه من الأول حاطط عينه عليها

أخذ يمسح كسبانى فى دمائه المتجلطة فوق وجهه ، بعد أن حاول استرداد بعضا من شجاعته ، صرخ بأعلى ما فى صوته موجها كلماته للأسطى رزق :

* حسك عينك تدخل ورشتى أو تعتب بيتى

الأسطى حنكش هو الذى تولى بالرد عليه هذه المرة :

* ورشة إيه يامعفن ياقليل الأصل ………….. ورشته موجودة
* الأسطى رزق كادت تنهمر الدموع من عينيه فرحا مبتهجا بوقوف والده بجانبه فى هذا المأزق . انزوى كسبانى داخل ورشته ، مطأطأ الرأس ، فقد الكثير من مؤيديه ، يتجنب ملاقاة الأسطى رزق فى أى طريق أو أى محفل سواء مقهى أو ورشة . أصبح مسئولا عن ورشة والده حنكش بعد أن قبل يده ورجليه معترفا بعقوقه له :
* سامحنى ياوالدى ……………….

المهندس سمير كان حمامة السلام بينهما ، أصبح تواجده نادرا ببيت الأسطى حنكش بعد أن استقرت ليلى فيه هى وزوجها ، يخشى انفراده بها أو …………… ، على الرغم من ذلك لم يسلم من كلمات الأسطى كسبانى البذيئة التى يشيعها فى كل مكان :

* البت ليلى عملت التمثيلية دى علشان ترجع لحبيبها القديم

كذلك أخذ يقلب الأوضاع ضده فى عمله بإرسال مزيد من الشكاوى لكل المسئولين لتشويه صورته ، لم يبال سمير أو يهتم بذلك ، زوجته سميحة عادت من الكويت لقضاء العطلة معه ، تود أن يرافقها للكويت لتبعده عن مشاكل كسبانى وغيره ، أصبحت حاملاً فى شهرها الأخير ، رحلته الفاشلة الخاسرة إلى هولندا مازالت ماثلة أمامه ، لايود تكرارها مرة أخرى ، بعد صمت وتفكير قال لها :

* وتسافرى ليه ؟ إحنا الوقتى مش محتاجين للسفر
* وأسيب الفلوس اللى نازلة علينا زى المطر لمين ؟

كانت ترسل له كثيرا من أموالها ، اشترى منها العديد من الأراضى للبناء فى الخفاء مستغلا نفوذه بعمله ، هى الأخرى تحتفظ بمبلغ لابأس به لنفسها ، تخشى أن تعود إلى الفقر والعوز مرة أخرى ، لولا أموالها لما فكر سمير بالزواج منها كما تظن ، سافرت الكويت بعد أن وضعت مولودها وأسمته حمدى ، تركته لأمها لتتولى رعايته .

العصمة فى يدها ( 18 )

سميحة تلح على زوجها مرارا للسفر معها إلى دولة الكويت ولكنه يرفض بإصرار وعناد شديدين ، لن يحقق ما يحققه من مكاسب ، دخل فى لعبة جديدة . كانت معظم أراضى بلدته الزراعية المتاخمة للمدينة كادت تتحول إلى أراض للبناء ، تاجر بها فى الخفاء ، لايظهر بوجهه الحقيقى أمام الزبائن ، يتم كل شىء عن طريق شركائه فى الخفاء ، يمتلك الآن أراضى مؤهلة للبناء إذا أراد ، يطوع القوانين لصالحه ، جمع الأموال أصبح شغله الشاغل ، حياته الزوجية شىء جانبى . يكفى لقاؤه مع زوجته فى العطلات الدراسية إضافة إلى رسائله الملتهبة لها بكلمات الحب والغرام ، تنسيها الكثير من شقائها وحرمانها ، يشعرها دائما بالحاجة والعوز فى مكالمته الهاتفية لها ، سرعان ماتنكشف مشاعره بمجرد أن يجمعهما فراش واحد ، ينفر ويتأفف منها ، فشلت فى إرضائه أو جذبه نحوها مستخدمة كل أنواع العطور الثمينة والإسراف فى إظهار مفاتنها أو اللجوء إلى كلمات الغرام الفجة ، تشككت فى أن يكون على علاقة بأخرى أو أنه واقع تحت تأثير سحر ، بعد عدة سنوات من زواجهما تذكرت تهديدات راشد لها :

* سأجعل حياتك جحيماً لو ……………….

زوجها سمير لايؤمن بالسحر ، سيسخر منها لو أخبرته بما يدور بمخيلتها ، ابنها حمدى قارب العامين من عمره ، أمه الحقيقية فهيمة جدته كما يظن . سميحة تأتى إليه محملة بالهدايا واللعب حتى تعوضه عن فقد حنانها له ، لايأبه بها ، تتمنى أن يجمعهما سقف واحد مع والده ، كلما تعرض عليه السفر معها إلى الكويت يثور ويصرخ فى وجهها :

* قلت لكى ألف مرة لن أسافر الكويت أو أى بلد أخرى …………… أنا جربت حظى فى السفر وخلاص

فى الخفاء قصدت الشيخ حلاوة لعلها تجد حلا لما يؤرقها وينغص عليها حياتها . كان يسكن فى بلدة بعيدة عن بلدتها ، دلتها عليه زوجة الأسطى رزق التى لم تنجب ابنها إلا بعد أن عمل لها وصفة سحرية ، بصعوبة اهتدت إلى بيت الشيخ حلاوة ، قبل أن تمرق إلى حجرته الخاصة استقبلتها سيدة عجوز تعمل خادمة له ، أخذت تسألها عن مشكلتها وأشياء كثيرة عن حياتها ، جمعت عنها كل المعلومات التى تهمها ونقلتها على الفور للشيخ حلاوة دون أن تشعر سميحة أو أمها ، سمح لهما بالدخول عليه ، تقدمت أمها ، أخذ الشيخ حلاوة يهلل ويصيح :

* تفضلى ياأم حمدى ياغالية……………….

تهلل وجه أمها عندما أخذ الشيخ حلاوة يلوك اسم ابنتها سميحة ، أطلق البخور معبئاً الحجرة ، تعثرت الرؤية ، أمر الشيخ حلاوة خادمته بإحضار إناء كبير مملوء بالماء ، كانت تخفيه فى أحد أركان الحجرة ، وضعته أمامه ، بعد أن انقشع الغبار أخذ الشيخ حلاوة يرمى سميحة بوابل من الأسئلة أمرها أن تكون صادقة فى كل إجابتها له :

* زوجك ينفر منك دائما ؟
* بالضبط ياشيخ حلاوة

بكلمات مرتعشة تتساقط من سميحة كلمات مقتضبة على أسئلته حتى قال :

* إنت معمول لك سحر بالنجاسة وسيكلفك الكثير
* لايهم التكلفة المهم أن نبطله
* هذا السحر ده معمول على ذيل قرموط بحارى

سألت الأم الشيخ حلاوة مستفسرة :

* ومن الذى عمله ياشيخ حلاوة ؟

بعد صمت وتفكير وهو يتطلع للسماء :

* حد جاركم ……………. صاحبكم …………… قريبكم …………… المهم له علاقة ببلدكم

بحزن وأسى قالت الأم :

* ليس غير المشكوك ………….

بلهجة آمرة وجه الشيخ حلاوة كلماته لسميحة :

* ركزى عينيك فى إناء الماء هل يوجد به أى شىء!
* لا أرى شيئا

على الفور أشغل البخور مرة أخرى بشكل مكثف عما قبل ، أخذ يتمتم بكلمات غير مفهومة ممزوجة بصراخ وتشنجات ونظراته متجهة نحو السماء :

* بحق شيخ الجان الأحمر الملتهب أن تأتوا بالسحر حالا

لم يأت شيخ الجان بالسحر ، يشتد غضب الشيخ حلاوة ، يعاود إشعال نوع آخر من البخور ، يدغدع كلمات بين شفتيه بأسماء أخرى من الجان :

* شمروخ ……………… زرزور ………….. حنوش ……………

بيأس أو يتظاهر بذلك وبصوت خفيض :

* مخبيين السحر فى مكان عويص

علقت سميحة على كلمات الشيخ حلاوة الأخيرة :

* قل لهم يدوروا عليه بتركيز ياشيخ حلاوة ………….
* اطمئنى يامدام سميحة شيخ الجن كلف أربعين جن فتوات سيقلبوا المنطقة عاليها وواطيها ليأتوا بالسحر حالا

فجأة اقتحم أذنى سميحة ارتطام مدوى بالإناء ، طرطش على وجهها ، انقشع البخور ، ظهر السحر بالإناء مغلف بالقطران ، أفاقت سميحة على كلمات الشيخ حلاوة وهو يوجه إليها كلمات :

* مدى إيدك خذى السحر من الإناء

على الفور مدت يدها سميحة مستخرجة السحر من الإناء ، عينا الشيخ حلاوة تلمع بالانتصار ، بصعوبة فض أغلفة القار المشغولة حوله ، أخذ يقرأ الطلاسم المكتوبة عليه بمهل :

* معمول لك سحر بأن زوجك يراك قرد فى عينيه و …….

أمها أطلقت الزغاريد فجأة مبتهجة الحصول ابنتها على السحر الذى نغص عليها حياتها وكاد يكون سببا فى طلاقها ، على الفور وضع الشيخ حلاوة يدها على فمها كاتما زغاريدها المجلجلة وهو يلومها :

* العفاريت لم ينصرفوا بعد ………. ممكن تحرقينا بزغاريدك هذه …………

أخذت سميحة السحر وهى تقفز فرحا بعد أن دفعت المطلوب منها وزيادة ، ستستعيد حياتها الزوجية من جديد ويسافر معها زوجها سمير إلى الكويت ، فى الطريق تشاورت سميحة مع أمها بشأن السحر ، أخذا يستعرضان كل الأقارب والأصدقاء ، استقرا رأيهما مؤخرا على المشكوك راشد بعد تأكيدات سكينة :

* راشد طول عمره واطى

سميحة لم تخبر زوجها عن حكاية الشيخ حلاوة والسحر ، ربما احتفظت بهذا السر لإخراجه وقت الحاجة . كانت أجازتها قد انتهت وتجهز نفسها للعودة إلى الكويت ، أصبح لديها رصيد بالبنك تخفيه بعيدا عن زوجها ، هو الآخر اشترى أراض ويعمل فى التجارة وإن كانت هى الأخرى غافلة عنه . فى ليلة سفرها كان راشد يعقد قرانه على مدرسة من بلدة أخرى بعد أن رفضته الكثيرات من أهل بلدته ، ربما بسبب حكايات رددتها الألسن بالبلدة أبرزها أن راشد :

* مرشد للحكومة و………..

انتقلت تلك الإشاعات إلى مكان عمله ، زملاؤه يعاملونه بحرص وخوف بالغين ، شيخ المعهد نفسه بدأ يعمل له ألف حساب . نفس المعهد الذى يعمل فيه الآن مدرس من قبل كان طالبا فيه ، يحصل على كل المزايا من حوافز ومكافآت وغيرها دون أدنى تعب وبطريقة ملفتة للنظر جعلت زملاءه الأقدم منه فى تلك المهنة يهمسون فى حقه بالخفاء :

* كوسة …………. اللى له طهر مايضربش على بطنه ……………

زوجته الغريبة عن البلدة لاتعرف عنه أى شىء ، يظن الكثير من أهل البلدة أنها لن تطيق معاشرته بعد أن تعرفه على حقيقته . ربما كان زواجه مؤخرا سببا مباشرا فى نزع فتيل الصراع بينه وبين سمير وطى الماضى ودفنه . هو تزوج ، سميحة أنجبت من سمير ، كذلك انشغاله فى عمله كمدرس ودروسه الخصوصية جعل كل منهما فى واد . المهندس عاطف أخذ يلح على سمير مرارا أن يشاركه فى الاستيراد والتصدير ، فى كل مرة يردد :

* بعدين يابشمهندس عاطف
* العمر بيجرى …………. حاول تعمل حاجة …………… إحنا فى عصر الانفتاح

ما ينطق به لسان سمير قد يكون مغايرا لما يدور بمخيلته ، عندما تقابل معه فى مصر مؤخرا فى عزاء والد صديقه هانى اختلفت الأمور لديه ، سال لعابه عندما عرض عليه المهندس عاطف فجأة :

* ما رأيك لو تدخل معى شريك فى الشركة ياسمير ؟

بعد صمت وتفكير :

* ماهو المبلغ المطلوب منى ؟
* حسب المبلغ الذى تدفعه تكون نسبة أرباحك …………… على فكرة أنا أجهز لصفقة كبيرة مع إيفون ووالدها

كانت إيفون حلت محل والدها فى تجارته بعد سفرها إليه مباشرة ، مجرد ذكر اسمها أمام سمير يفقده توازنه وتماسكه ، سوف يتذرع ويختلق الأسباب لمقابلتها ، باندفاع دون تفكير :

* موافق يابشمهندس عاطف

مازال قلبه مشغولا بها ، يود تحسين صورته أمامها . قرر سمير أن يدخل مناصفة مع عاطف فى تلك الصفقة . أخذ يجمع الأموال التى تؤهله لذلك . باع الأراضى التى يمتلكها فى الخفاء . كان قد ارتفع ثمنها بشكل جنونى ، إضافة لما لديه فى البنوك المتفرقة والمختلفة كنوع من التمويه ، استغرق هذا الأمر بضعة أسابيع ، سافر إلى مصر بحجة زياراته لأخته ، لم تعلم شيئا هى وزوجها هانى عن أمر تلك الصفقة ، كثرت زيارته لإخته على غير عادته ، شيرين زوجة المهندس عاطف هى الوحيدة التى تعرف أمر هذه الشراكة ، أصبح سمير شريك بالشركة وليس كضيف أو زائر ، العاملين بالشركة بين مندهش ومستنكر ، يشمون رائحة غريبة ، غير مدركين لما يدور حولهم ، يبحثون عن شىء ما فى مخيلتهم . سافر سمير إلى أمريكا مع المهندس عاطف ليكون معلمه ومرشده فى كيفية إدارة اللعبة كما قال له بالحرف الواحد ، التقى سمير وجها لوجه مع إيفون حبيبته مرة أخرى بشكل مختلف عما قبل . تمت الصفقة بشكل مرضى كما كان يتوقعه المهندس عاطف .

العصمة يدها ( 19 )

عادت سميحة من الكويت فى عطلة الدراسة السنوية مثل كل عام ، تظن أن زوجها سمير قد تغير بعد إبطال السحر ، أحضرت قمصان نوم وملابس داخلية وأشياء أخرى مثيرة للقائه الجديد ، سيعود إليها مشتاقا ، عندما فاتحته بشأن السحر أخذه الذهول والدهشة . عاد بذاكرته للوراء ، يظن أنه كان يراها فى عينيه بصورة قبيحة حقا ، أيضا رائحتها المنفرة التى تنبعث من فمها حقيقة ساطعة لايمكن إنكارها حتى الآن ، قد يكون السحر هذا حقيقة ، تداخلت الأمور فى رأسه ، أيقنت زوجته سميحة من عينيه أنه غير مستوعب أو مصدق ، على الفور أظهرت له السحر التى احتفظت به من أجل تلك اللحظة ، أخذ يمعن النظر ويقلب فيه ، يستعرض كل أقربائه بمخيلته ، قد يكون الجانى فلانة أو فلان ………… ، فجأة توقفت أفكاره عند صديقه راشد ، فى لقائه الأخير معه قبل زواجه حذره قائلا :

* إذا تزوجت سميحة ……………

ظن أنه يحاول إدخال الشك داخله من جهتها ، لم يشك أنه سيعمل له سحرا . عندما التقى بزوجته سميحة فى الفراش تغيرت الأمور عما قبل ولكن مازال هناك حاجز ونفور منها ولكنه يحاول إرضائها ، أدخل فى روعها بأن إحساسه وشعوره قد تغير من ناحيتها بعد إبطال السحر ، لايود أن تتبٌَع عوراته خشية أن تكتشف ما يخفيه عنها سواء علاقته بمدام نجاح أو الشراكة بينه وبين المهندس عاطف . كان قد حقق مكاسب كبيرة فى الصفقة الأخيرة التى تمت مع إيفون ، يظن أنها خطوة موفقة فى الاستيراد ولكنه من خلال عاطف وزوجته شيرين ، يفكر فى عقد صفقات لصالحه ، استحسن تلك اللعبة ، على الفور اتجهت أفكاره نحو صديقه على الأسكندرانى ، إنه يعمل بجمارك الأسكندرية وله نفوذه وسلطانه ، لاضير أن يكون له نسبة فى الأرباح مقابل تسيهلات فى الجمارك وتخليص البضاعة من ميناء الأسكندرية ، أصبح يمتلك سيارة بعد أن أحس أنها ضرورية لتنقلاته ولمظهره الجديد ، شيد بيتا متميزا بقريته يطل على الشارع الرئيسى . كانت أغلب الأراضى الملاصقة للمدينة دخلت حيز البناء ، تحولت من أراض زراعية إلى أراض قابلة للبناء ، معظمها عشوائيات ، لم يتدخل مجلس المدينة فى تنظيمها وتنسيقها أو اختيار شوارعها الخاصة بها ، مُغيب عنها ، يغمض عيناه ويفتحها على قدر استفادة الموظفين والمهندسين والعاملين معه ، يتقاضون رشاوى ضخمة ، يحللون ويحرمون على قدر استفادتهم . الشارع الرئيسى الذى أطلقوا عليه مؤخرا شارع وسط البلد قد فرض نفسه على القرية هو الآخر بعد ردم الترعة الصغيرة التى كانت تمر من أمامه ، اندمج معا ليصبحا شارعا واحداً ، سمير من المهندسين البارزين المسئولين عن التنظيم بمجلس المدينة ، لم ينج من الألسنة الحداد :

* لص ، مرتشى ……………

انهالت الشكاوى ضده من كل مكان وإلى كل المسئولين سواء بمجلس المدينة أو المحافظة أو الوزارة نفسها بقيادة الأسطى كسبانى ، يزيل دائما فى نهاية شكواه مواطن صالح ، يتمنى أن يضبطوه متلبسا برشوة ، لم ينس له أنه كان سببا مباشرا فى أن تصبح ورشته بذيل الورش بالمنطقة الصناعية المهملة ، لم تثمر شكواه عن شىء . كان ينعت المهندس سمير بأنعت الصفات الدنيئة أمام الأسطوات والزبائن بورشته ، أرسل له الأسطى رزق تهديداته مذكره بالماضى :

* إنت عامل زى المسمار المصدى ………… ميندقش اللى بالضرب فوق دماغه ……………..

أصبح رزق المدير الفعلى لورشة والده حنكش ، عدل عن تعاطى المخدرات ، أصبح شخصا آخر مطيعا لوالده ، معتزا ومقتنعا بآرائه وأفكاره ، يردد كلماته دائما التى يسب بها كسبانى :

* عمر ديل الكلب ماينعدل لو ……………. كسبانى النجس ……… و ………….

كسبانى نجح أخيرا فى توريط المهندس سمير بقضية رشوة محبكة . كان قد تم تسجيل حديث له وحوار وهو يتقاضى مبلغا من المال ، تم إطلاق سراحه نظير كفالة وإيقافه عن العمل ، لاكتة الألسن ، فى مقدمتها الأسطى كسبانى :

* أنا قولت لكم من الأول أنه لص ……………

آخرون أكدوا أنها قضية ملفقة وأن المبلغ الذى يدعى كسبانى أنه أخذه رشوة من ثمن قطعة أرض لمبلغ مستحق للمهندس سمير . على أى حال فقد اهتزت صورته أمام الكثيرين ، من أولهم صديقه راشد الذى وجدها فرصة ذهبية لطعن سمير :

* أخيرا انكشف على حقيقته …………. بيت النتاش عمره مايعلاش

عندما علمت زوجته سميحة بأمر اتهامه دافعت عنه بشراسة :

* سمير لايفكر يمد إيده على الحرام

استأجرت له محامى كبير ومعروف للدفاع عنه ، طمأنها أن القضية لصالح زوجها وسوف يحصل على البراءة ، المهند س عاطف بعد أن عرف بأمر قضيته هذه مازحه بكلمات :

* ليتهم يفصلوك من عملك حتى تتفرغ للعمل معى بالشركة

منذ تلك اللحظة وقد استقر سمير بمصر بعيدا عن العيون والقيل والقال ، العمل بشركة الاستيراد والتصدير شغل كل وقته واهتماماته ، المهندس عاطف يسافر لعقد الصفقات بالخارج وزوجته شيرين وسمير بالشركة لمتابعة العمل بها ، قفزت الشركة بأرباحها بعيدا فى وجود سمير ، أخذ يتردد على جمرك الأسكندرية ومحطة البضائع بمطار القاهرة ، فهلوى ، سلكاوى كما أطلقوا عليه مؤخرا ، محبوب من الجميع ، يحقق المصلحة بأقرب الطرق وأقل التكاليف ، أمسك بخيوط اللعبة جيدا ، اكتسب العديد من الأصدقاء ، أصبح يخلص البضائع بدون الحاجة إلى مستخلص ، انبهرت شيرين بأسلوبه بعدما عاملته عن قرب ، أدركت أنه لطيف وساحر ، لأول مرة تتأمل ملامحه وقسماته عن قرب ، لم يعد الفلاح الجلف الذى عرفته من قبل ، أحست أنه أصبح ابن المدينة ، كل النساء والفتيات اللاتى يعملن بالشركة معه مفتونات به ، بل اكتسب الكثيرات من الصديقات فى مختلف المصالح ، وطد علاقته مع المهندسين زملائه وخاصة الذين يعملون منهم فى أماكن حساسة تهم شغله فى الاستيراد والتصدير ، مجرد عزومة أو هدية أو خدمة بسيطة فى متناول يده ينفذ إلى بحر أطماعه الواسع ، شيرين تحاول التقرب منه ، أخذت تقارن فى مخيلتها بين زوجها عاطف العجوز وسمير المتدفق حيوية ونشاطا وفتوة . إنها بنت المدينة الكبيرة ذات الثراء والجاه والمتمردة فى ملبسها ومخبرها ، لم تكن متحمسة لزواجها من عاطف هذا ، هكذا تدور تلك الأفكار برأسها ، سمير هو الآخر مفتون برقة وعذوبة شيرين ، عطرها الفواح يشده نحوها ، أحيانا يتلصص فى الخفاء على نهديها اللذان يطلان من بلوزتها على استحياء ، البنطلون الجينز الذى يبرز عجيزتها يزيد من خفقان قلبه ، أخذ يقارن فى مخيلته بينها وبين مدام نجاح ، يظن أن مدام شيرين المتأججة بالشباب المتدفق يكون لها طعم آخر ، لايشعر بالوقت معها حينما تجمعهما غرفة واحدة ، مكتبها فى مواجهة مكتبه ، يكاد يحس بأنفاسها الحارة ، تمنى أن …………. ، زوجها عاطف أخذ يشيد هو الآخر بسمير ولكن فى اتجاه آخر ، تقاربت المسافات بينهما ، لم يعد يعامله كإنسان مسكين يحتاج لعطف بل مهندس مستثمر ناجح واعد واعى ومدرك لكل ماحوله ، أصبح يعتمد عليه فى كثير من الصفقات بأمريكا وغيرها ، فى كل مرة يسدى له النصائح :

* اسمع ياسمير ……… أنت شاب ممكن النسوان يضيعوك …………..
* لم تخلق بعد تلك المرأة التى تستطيع أن تلعب بى
* كلامك فكرنى بأيام شبابى و ……

أخذ عاطف يحكى له عن مغامراته وكيف بدأت حتى أصبح مدمنا للنساء . كانت البداية مدام برناديت زوجة صديقه شيمون من قبل ، استمرت تلك العلاقة فترة طويلة ، خلالها تعرف على أخريات ، غرق فى بحر النساء ، جره إلى أعماق النشوة واللذة المفرطة فى الصحة والمال ، لقد كسب أضعاف مالديه من أموال ولكن النساء أغرقته بين بحور شبقهن وأطماعهن . يظن أن شيرين هى القشة التى أنقذته من بحر ضياعهن . دائما سمير يأخذ كلماته ونصائحه موضع الجد والاهتمام . حريص على أمواله التى يكتسبها ،يود مضاعفتها فى أسرع وقت ممكن ، يعمل بعض صفقات خلسة بمساعدة على الأسكندرانى ، يفكر فى عمل شركة خاصة به وحده لمضاعفة دخله ولكن موقفه من عمله لم يتضح بعد ، ليس هو موظف حكومة ولا بدون عمل ، معلق فى الهواء ، قضية تعاطى الرشوة حكمت عليه حكم ابتدائى بالإدانة وغرامة استأنف محاميه الحكم ، من حسن حظه أن جواز سفره مكتوبا فيه خريج وليس مهندس ، فكر فى عرض رشوة على أحد القضاة لفض هذا الاشتباك ، تعرف عليه عن طريق صديق له ، توطدت العلاقة بينهما الآن ، عرض عليه الأمر مؤخرا، سأله على الفور :

* فى أى دائرة قضيتك ؟
* فى دائرة ……………
* أترك لى هذا الأمر مؤقتا حتى أتعرف على ملابسات القضية و …….

اطمأن سمير إلى براءته وإن طال الوقت ، أعاد تفكيره مرة أخرى بخصوص عمل شركة للاستيراد والتصدير خاصة به لكن باسم زوجته سميحة ، عرض عليها الأمر ، فاجأته مستنكرة :

* لن أترك الكويت حتى أخر نقطة نفط بها

فكر فى أن ينهى خدماته من عمله ليصبح حرا طليقا ولكن هذا الأمر سيسىء إلى سمعته ويؤكد إدانته ويؤثر عليه فيما بعد كمستثمر ، اكتفى مؤقتا بعقد صفقات خاصة به فى الخفاء إضافة إلى شريك بالشركة بعد أن ارتفعت أسهمه بها ، مدام شيرين لاحظت تغيرا واضحا فى سلوكياته ، اشترى سيارة جديدة فارهة ، شقة تمليك بمصر الجديدة ، سهرات خاصة هنا وهناك ، حدثت نفسها :

* من أين له بهذه الأموال !

زارته فى شقته الجديدة بحجة مباركتها له . كانت متعددة الحجرات ، مكيفة ، تحتوى على أثاث فاخر ، تطل على ناصية ، أدهشها حجرة نومها الكبيرة التى تحتفظ بحمام خاص بها ، أشبه بشقة داخلية وحدها ، فى جوار السرير منضدة صغيرة دائرية ، تحمل فوق رأسها طفاية سجائر ملفتة للنظر ، مكدسة بأعقاب سجائر أجنبية ، تظنها نفس نوع السجائر التى أصبح يدخنها مؤخرا ، لم تكن زوجته سميحة بنت القرية تعرف شيئا عن هذا التغير ، باغتة شيرين بنت المدينة الكبيرة متسائلة :

* زوجتك لاتفكر فى الاستقرار معك فى مصر ؟
* لايهم كثيرا وجودها معى من عدمه

تساءلت سميحة بينها وبين نفسها :

* أى إنسان يذوق طعم الزواج من الصعب التخلى عنه وعن ممارسة حياته الزوجية ويصبح أعزب مرة أخرى

إنها كأنثى تدرك هذه الأمور جيدا ، جرها تفكيرها إلى أن سمير له علاقات أنثوية خفية ، عليها جس نبضه واستدراجه بطرقها الأنثوية الخبيثة الملتوية . أخذت حواراتها معه وكلماتها شكلا آخر :

* الشغل بيتلخبط فى عدم وجودك و ……………….. ، مش عارفه من غيرك كنت هعمل إيه ………… بحس بالراحة و……………

إضافة إلى نظراتها الحنونة المعبرة التى أخذت تلهب خيال سمير المتأجج بجذوة أنوثتها المتعطشة ، تساقطت الحواجز واحدا تلو الآخر ، لم تتوقف نداءات شيرين الخفية ، سمير هو الآخر لم ينتظر سقوط الثمرة وحدها بعد نضجها ، أخذ يصب نظرات الرغبة المسعورة داخلها ، يظن أنها فاكهة نادرة محببة إلى نفسه ، مذاقها مختلف ، نظراتها الجائعة تفضحها ، أخذت تنتظر لحظة الانفجار ، تجلت فى سفر زوجها عاطف لعقد صفقة بالخارج ، فاجأت سمير بكلمات رقيقة ناعمة هامسة :

* أنا عزماك على العشا عندى فى البيت ………..

بحماس وحرارة :

* أموت فى عزوماتك ………….

أعدت نفسها لتك السهرة ، أحضرت له كل مايشتهيه من طعام وشراب ، مارس معها فحولته ، كلاهما فجر كل مكنوناته المكبوتة ، أحست شيرين أنها وجدت ماكانت تبحث عنه ………….

العصمة فى يدها ( 20 )

فى جنح الظلام يتجدد لقاء سمير مع شيرين ، فى البداية أحس بوخز ضميره ، سرعان مالقى ضميره حتفه تحت مشانق الوهم والخداع ، أخذ يبرر لنفسه استباحة حرماتها :

* بحبها و…………. و ……………..

زوجته سميحة غافلة عنه وعما يقترفه ، تتسابق مع الزمن  لجمع المزيد من الأموال ، ابنها حمدى أصبح تلميذا بالمدرسة الإبتدائية ، تحاول إرضاءه بالألعاب والهدايا والملابس الفاخرة عندما تأتى إليه كزائرة من الكويت ، زوجها سمير هو الآخر يكون كريما وسخيا معها على فراش الزوجية ، ربما يكون قد بطل السحر أو قد تكون محاولة لجز أى شكوك أو ظنون لعلاقته بأخريات غيرها ، لم تفكر يوما فى أن تفتش فى أوراقه او الجرى وراء إشاعات أشيعت عنه ، كل ما يهمنا الآن أن تظهر براءته أمام الجميع من التهمة الملفقة إليه كما تظن ، بضع سنوات مضت على اتهامه وهو معلق لايعرف مصيره . كان قد وعده صديقه القاضى مؤخرا بمساعدته للحصول على البراءة فى الجلسة القادمة . سمير أعد عدته لتلك الجلسة الحاسمة ، تواجد بقاعة المحكمة مبكرا ، لم ينم طوال الليل ، رافقته أمه وزوجها المعلم حنكش وأخوه صادق وآخرون من أهل البلدة ، لم تعد القضية قضية سمير وكسبانى ، أخذت شكلا ومنحى آخر صديقه راشد أتى فى الخفاء ، تعجب سمير بمعرفته بموعد الجلسة ، أخذ ينصت إلى كل كلمة من كلمات دفاع المحامى عنه . كانت محددة ومكثفة :

* ياسيادة القاضى طريق التسجيل للمتهم غير قانونية وأن المبلغ الذى ادعى عليه أنه أخذه رشوة هو دين مستحق له والأوراق تثبت ذلك

قرر القاضى أن يكون الحكم بعد المداولة وفى نهاية الجلسة ، راشد لم يغادر المحكمة إلا بعد أن نطق القاضى بالحكم :

* حكمت المحكمة على المتهم سمير …………. بالبراءة وحصوله على كل مستحقاته السابقة و…………..

اندلعت الزغاريد فى قاعة المحكمة ، هب الجميع وكأنهم على موعد مسبق بينهم ، رفعوا سمير عاليا بين الحشد المتوثب يهتف ويهلل :

* ياكسبانى يا وش القملة مين قال لك تعمل دى العملة

تقدم الموكب فرقة موسيقية ، اخترقت الشارع الرئيسى المؤدى للمدينة الصناعية حتى ورشة المعلم كسبانى ، أخذوا يتراقصون أمامها ، فر هاربا من الباب الخلفى دون أن يشعر به أحد ، كانت هناك مجموعة يتقدمها الأسطى رزق وأخوه صادق يلوحون بها مهددين ، سحب سمير العصى من أخيه صادق وهو يحتضنه :

* إنت مالكشى فى الحاجات دى يا حبيبى ………. انت لازم تكون دكتور أو مهندس
* لازم أموت كسبانى

أخذ الجميع يقهقه على حماس وثورة صادق ، ربما كان ذلك إعلانا لكل الأحباء والأعداء ببراءة سمير وعودته إلى عمله كمهندس شريف رد اعتباره وإهانته ، الأسطى حنكش فى اليوم التالى لبراءته قام بذبح عجل بقر ، قبل أن يذبحه علق عليه لافتة وهو يدور أمام الورش بالمنطقة الصناعية :

* سوف نذبح العجل كسبانى النجس اليوم ……………..

ضاع ماتبقى من هيبة واحترام الأسطى كسبانى أمام الجميع ، تمنى أن تبلعه الأرض ، سميحة زوجة سمير كانت تتابع الأخبار فى لحظتها ، أصرت أن تعود من سفرها فى أجازة سريعة لتشاركه فرحته ، قضى معها وقتا ممتعا كزوجة ، ربما يكون ذلك من المرات القلائل التى تذكرها طوال حياتها الزوجية ، الأسطى سيد النجار وزوج أخته رأفت أخذا يوزعان الحلوى والبيبسى ، نوسة أخذت هى الأخرى توزع “شوكولاتة” على الجيران والفرحة تملؤها عن آخرها ، تحتفظ بداخلها لسمير بصرح مشيد من الحب والإجلال والعشق ، ربما كان أول رجل يتذوق ثمرات شجيراتها الناضجة ، سمير عاود عمله مرفوع الهامة ، كل زملائه بالعمل سواء أعدائه أو أحبائه أخذوا يرددون :

* ربنا ينتقم من كسبانى و……………

لم يستمر سمير فى عمله كثيرا ، تقدم بأجازة بدون راتب ، تمت الموافقة عليها ، تفرغ لعمله فى الاستيراد والتصدير ، أصبح يسافر هنا وهناك بدون قيود ، ينفرد بشيرين كثيرا بعد أن تم اكتشاف مرض زوجها مؤخرا ، الأطباء أكدوا أن كبده تخاذل عن أداء واجبه ، ربما بسبب إسرافه فى الخمور ومعاقرة النساء من قبل ، زوجته شيرين لم تتأثر بمرضه كثيرا ، مشغولة بعشيقها ، تلتقى معه كما يلتقى الأزواج فى شهر العسل ، سمير يحس بذاته معها ، تمنى أن يتزوجها وتكون له وحده ، يلتقى معها فى وضح النهار دون أن يعتريه أى خوف أو اضطراب ، سيكون لقاؤه معها له طعم آخر ، عرض الأمر عليها :

* نفسى أتزوجك
* وعاطف !
* يطلقك
* انتظر………… يبدو أنه سيموت قريبا

كانت صحته قد تدهورت سريعا ، لازمته ممرضة فى بيته ، يبدو أن الفيروسات تمكنت من كبده ، استوطنت واستقرت بها ، لم يعد يقوى على النهوض ، ملازم لفراشه بالطابق الثانى من الفيلا ، أولاده بالدور الأرضى منها ، أكبرهم حاتم ، متأثر للغاية بمرضه ، يحبه كثيرا ، مدرك لخطورة هذا المرض الفتاك ، لم يتآلف مع سمير منذ أن وقعت عيناه عليه ، يكره أن يجمعهما مكان واحد معا ، الممرضة اتخذت حجرة لها بجوار المهندس عاطف ، أعدوها لها للراحة والنوم ، تتابع حالة المهندس عاطف أولا بأول . أحيانا تضطرها الظروف لقضاء ليلة أو ليلتين لمتابعة حالته دون مغادرة الفيلا . دائما يضيع فى غيبوبة ، تظل بجواره حتى يفيق منها . سمير يأتى لزيارته للاطمئنان عليه ، يتسامر مع زوجته شيرين بكلمات هامسة فى حجرة نائية بعيدة ، ربما يهزه الشوق والحنين إليها فيضاجعها ، لايشعران بنفسيهما . كانت الممرضة تراقبهما فى الخفاء ، حاسة  شمها الأنثوية  أهدتها إلى ذلك ، تدس عينيها متلصصة عليهما من خلف فتحة صغيرة من النافذة . كان زوجها قد مات فى الحرب العراقية الإيرانية الأخيرة ، لم تتزوج بعد ، جال بخاطرها فكرة مجنونة ، اقتحمت حجرتهما وهما فى حالة تلبس ، ظلت مسلطة نظراتها عليهما للحظات وهما عاريان من ملابسهما و …………….. ، دلفت خارجا دون أن تنبس بكلمة واحدة ، أخذا يتطلعان إلى بعضهما بدهشة واستنكار ، دارت برأسيهما الظنون ، تحاورا معا فى أمر الممرضة المغيرة :

* أخشى أن تفضحنا و …………….
* سوف تحاول مساومتى من أجل مزيد من المال …………….

كانت صحة المهندس عاطف متأرجحة ، أحيانا يبدو فى عداد الموتى وحينا آخر يبدو فى كمال صحته وعافيته ، اقترح سمير على شيرين :

* ممكن نضع له سم ونخلص منه و…………
* أصبر ………… بيقضيها أيام …………..

عندما اختلت الممرضة بسمير فاجأته :

* يا بشمهندس افتكرنا بأى حاجه ……….. إحنا جدعان ونعجبك

سألها وابتسامة واثقة تمر على شفتيه :

* يعنى عايزه كام ونفض الموضوع ده و …………….

قاطعته بضحكة رنانة ساخرة ثم مالبثت أن قالت :

* أنا مش عايزه فلوس …………. الست شيرين مش مخليانى محتاجة حاجة

بدهشة واستنكار :

* أمال عايزة إيه ؟
* أنا وحدانية بالشقة بتاعتى ومحتاجه قلب حنين يرعانى و ……………
* مش فاهم قصدك
* إحنا دم ولحم يابشمهندس

قالت ذلك وابتسامة ذات معنى تنساب بين شفتيها ، بعد صمت وتفكير قال لها :

* انت ساكنه فين ؟
* ساكنة فى …………..
* يعنى قريبة منى و ……………
* أوى …………. وخليها حبة فوق وحبة تحت ….. وبناقص حبة من الست شيرين ……….. والمصلحة واحدة
* بسيطة ……….. أنا تحت أمرك ياقمر

سمير دون أن يدرى أخبر شيرين عما دار بينه وبين الممرضة ، ربما أراد من ذلك أن يظهر إخلاصه لها ، اشتعلت الغيرة داخلها ، شيرين لاتقبل أن ينازعها أحدا فى حبيبها ، بعد أن حاولت السيطرة على أفكارها هبت نحو زوجها عاطف القابع فوق فراشه :

* الممرضة دين إيدها طويلة و…………..
* دى طيبة وأمينة
* إنت متعرفهاش على حقيقتها ………. أنا شفتها ………. و ……….
* لو عايزة تغييرها غيريها ……….. بس مش هتلاقى ممرضة زيها بسهولة
* خلاص أنا هشوف ممرضه تانية بمعرفتى

فى التو أخذت تبحث عن ممرضة أخرى ، الأمر ليس هينا كما كانت تظن ، الشكوك بادرت الممرضة ، تفكر فى أن تخبر المهندس عاطف بعد أن حنث سمير بوعده ، عاتبته :

* إحنا مش قد المقام ولا إيه ! إنت لو جربتنى هتنسى شيرين و………..
* أنا عارف … بس كنت سافرت أمريكا لعمل صفقة مهمة
* يعنى مستكتر عليه ساعة ؟ أنا لعند دلوقتى مافتحتش بقى

وخذته كلماتها الأخيرة ، أحس أنه تهديد مباشر أكثر منه عتاب ولوم ، أخذته الأفكار :

* يعنى لو ريحتها مرة أو مرتين هخسر إيه ؟ المصلحة عايزة كده …… بس لو شيرين عرفت هروح فى مصيبة ….. فلوسى كلها ………

أخذته الحيرة ، أخيرا رمى بكلماتها عرض الحائط ، اشتعلت الممرضة غضبا وغيظا ، تساءلت بينها وبين نفسها مستنكرة :

* يعنى شغال مع شيرين وبتهرب منى !

أخذت تتحين الفرص ، ظلت تراقبهما بخبث ودهاء حتى كانت الفرصة الحاسمة الفاصلة ، فاجأتهما ، اقتحمت عليهما الغرفة وهما غارقان فى بحر اللذة بكلمات تشبه الصراخ :

* أنا عايزة حقى
* أنا بعطيكى فوق مرتبك مرتب تانى
* أنا عايزة حقى التانى
* انت زودتيها على الآخر ……… اخفى من قدامى ……….
* براحتك

فرت الممرضة من أمامها هاربة ، أدركت شيرين أنها وقعت بين فكى الرحى ، لاتدرى ماذا تخبأه لها الممرضة . تفكر فى طردها من بيتها بأى طريقة حتى لو ظل زوجها عاطف بدون ممرضة .

العصمة فى يدها ( 21 )

سمير أغفل طلب الممرضة نهائيا ، قد يلقى المهندس عاطف حتفه فى أى لحظة ، لو تعذر عليه الأمر يمكن أن يخطئ عمدا فى تعاطى الدواء له سواء بزيادة كميات وتجاهل كميات أخرى تؤدى الغرض المطلوب ، سيحل محل السم ، يمكن تنفيذ ذلك بعد طرد الممرضة دون الانتظار بقدوم الممرضة الجديدة . شيرين خيبت آماله حينما عرض عليها ما استقر رأيه وفكره عليه :

* لازم نخلص من المهندس عاطف بأى طريقة و……………..

قاطعته :

* صعب أضع سم لزوجى الذى …………… و…………….
* ليس أمامنا حل آخر ………………

ضاعت شيرين فى أفكارها  :

* لم يسىء لى يوما واحدا …………. أحسن عشرتى ………….. أنجبت منه و…………..

شيرين فى حيرة من أمرها ، الخوف يملأها عن آخرها لإقدامها على تلك الفعلة ، فجأة صرخت فى وجه سمير :

* لن أضع له السم ………

بعد صمت وتفكير قال لها :

* دعينى أتصرف بطريقتى

شيرين لم تعطه جوابا قاطعا ، تفكر فى طريقة لتتجنب لسان الممرضة وينتهى الأمر على ذلك ، لم تأت الممرضة الجديدة بعد حتى تسهل عليها مهمتها الصعبة ، لاتود أن تخسر سمير ، إبنها حاتم يشك فى أن ثمة علاقة آثمة تجمعه بأمه ، أصبح ناقما وثائرا على سمير ، لم يعد يطيق رؤيته ، يتجهم فى وجهه دائما ، كلماته قاطعة حادة معه إذا جمعهما لقاء إجبارى ، الممرضة هى الأخرى يئست من مماطالة سمير وتنفيذ وعده لها ، أخبرت المهندس عاطف بما رأته ، تشكك فى كلماتها ، عادت تؤكد له :

* لقد رأيتهما بعينى أكثر من مرة …………

اتفقا معا على كشف خداع وزيف زوجته شيرين وعشيقها سمير ، بعد بضعة أيام من اتفاقهما أخبرت الممرضة زوجته شيرين :

* إلحقى المهندس عاطف الظاهر أنه فى حالة طلوع الروح …………

كان سمير قد بٌَدل دواءه فى الخفاء مستبدله بداء آخر فى نفس العلبة القديمة دون معرفة شيرين بعد أن تخلص من الدواء القديم . جال بخاطره على الفور أن الدواء قد أصاب قلبه ، ضاع فى أحلامه ، سيتزوج من عشيقته شيرين . كانت الممرضة تتظاهر بقياس ضغط المهندس عاطف والحزن يعتصرها ، بكلمات خفيضة مترنحة أخذت تتساقط منها :

* يستحسن نقل المهندس عاطف للمستشفى أو ………….

قاطعتها شيرين :

* وعكة وستزول

ارتسمت على وجه سمير ابتسامة واثقة بصعود روح المهندس عاطف إلى بارئها وتسوية الأمور بصورة هادئة ، استرخى على فراش عش الزوجية منتظرا اللحظة الفاصلة . على مقربة منه شيرين . ابنها حاتم لم يكن متواجدا ، مشغول بدراسته ، الامتحانات على الأبواب ، الصمت يسود المكان ، الآذان مفتوحة على مصراعيها لسماع صرخات مباغتة وكلمات حزينة خاشعة :

* المهندس عاطف توفى ………….

لعب الشيطان برأسيهما ، الشهوة المجنونة سرت فى عروقهم ، لم يكن فى نية سمير مضاجعتها ، فقد قدرته على التحكم فى نفسه ، لايدرى أو يظن أن الممرضة تراقبه فى الخفاء . بخفة ونشاط تسللت إلى غرفة العشق والهيام ، تطلعت من خلف ثقب ضيق من النافذة ، لم يكن باب الحجرة موصدا ، جرت نحو المهندس عاطف كما هو متفق عليه ، لم يصدق عينيه . كانت زوجته فى وضع شائن ، كادت أنفاسه تتوقف من هول المفاجأة ، فكر فى اقتحام الغرفة ولكنه تراجع ، وهو يتصبب عرقا أخذ يتمتم فى أسى وحزن :

* بتعض الإيد إللى اتمدت لك ياسمير  ! تستغل ظروف مرضى و………….. وانت ياشيرين إيه الفرق بينك وبين برناديت أو …………….

صحبته الممرضة إلى فراشه خائر القوى ، تسارعت نبضات قلبه ، كاد يسقط من فوره ، بالكاد وصل إلى فراشه ، يخيل إليه أنه قطع تلك المسافة فى مئات السنين ، أدرك فى تلك اللحظة رغبة شيرين الملحة بطرد الممرضة ، الأرض تدور به ، ارتفع ضغطه فجأة فقد وعيه ، أخذ يهذى  :

* شيرين ………….. سمير ……………….

الممرضة عاجزة عن فعل أى شىء له ، أفاق من غيبوبته ، أنات وحشرجات تتصاعد منه ، أقلقت سمير وعشيقته . كانا قد أفاقا إلى وعيهما ، اندفعا نحو المهندس عاطف وآمال وتمنيات تداعب خيالهما ، يظنان أنه يعانى من سكرات الموت ، عندما وقعت عيناه على شيرين أشاح بوجهه الباهت بعيدا عنها . الممرضة تحاصر شيرين بنظرات مسمومة ، ترعرعت الشكوك داخلها ، رن جرس هاتفها المحمول . كانت الممرضة الجديدة :

- آلو   ……..تعالى …….. أنا فى انتظارك الحين …………..

انشغلت الممرضة فى قياس ضغط المهندس عاطف مرة أخرى ، ضغطه مرتفع ، يأبى أن يعود إلى رشده على الرغم من تناوله الدواء ، ضاع فى غيبوبة مرة أخرى ، أخذت الممرضة تردد بإلحاح ورجاء شديدتين :

* لازم ننقله للمستشفى حالا ………… الحبوب والحقن فشلت فى هبوط ضغطه و ………….

قاطعتها شيرين :

* هذا أمر لايخصك .
* الممرضة الجديدة على وصول وتعرف واجبها يادكتورة ….. نحن مستغنين عن خدماتك الجليلة

تطلعت الممرضة إلى المهندس عاطف فى صمت وهى تهز رأسها بأسى واستنكار ، سرعان ماأخذت تلملم أشياءها من حجرتها ، قبل أن تغادر الفيلا كانت الممرضة الجديدة قد وصلت وحلت محلها ، ظلت تحدق فى قسماتها ، تعود بذاكرتها للوراء ، ربما تعرفها أو تقابلت معها من قبل ، ذاكرتها تخونها ، حملت حقيبتها بفوضى وكأنها تحمل عارها وآثامها فوق كاهلها الضعيف ، بسخرية قذفتها شيرين بكلمات :

* ماتبقيش تنسى الجوابات …………….

أدارت لها ظهرها الممرضة وبكلمات متأنيه صارمة :

* لن تحتاجى إلى خطابات بعد ذلك . المهندس عاطف عرف كل الفضائح

واصلت الممرضة خطواتها دون الالتفات خلفها ، عندما أفاق زوجها من غيبوبته أخذ يقذفها بنظرات حادة ملتهبة ، كادت شكوكها تتحول إلى حقيقة . كان زوجها عاطف قد أصيب بشلل أثر على نطقه ومخارج كلماته ، تجاهلها تماما وهى تردد كلماتها الملاحقة مشيرة إلى الممرضة الجديدة :

* الممرضة هربت وسابتك ودين الممرضة الجديدة

يتطلع إليها بإشمئزاز وقرف ، منذ تلك اللحظة وقد منعت عنه الزيارة حتى أقرب الأقربين إليه بما فيهم ابنه حاتم بحجة أنها تخشى عليه من أى إنفعال ، أصبح سجينا داخل حجرته ، جلبت له طبيب علاج طبيعى حتى تثبت أمام الجميع أنها لم تقصر فى حقه ، امتنع عن تناول الدواء ، كره الحياة مستسلما للموت ، لم يكن أحد يعرف الحقيقة غيرها هى وسمير والممرضة القديمة ، حاولت مرارا  الاتصال بالمهندس عاطف ولكن شيرين حجبتها عنه وعن كل العالم الخارجى ، تذكرت أخيرا اسم الممرضة الجديدة التى حلت محلها . كانت تعمل بمستشفى الحكمة القريب منها . بصعوبة حصلت على عنوان بيتها وهاتفها ، أيضا توصلت إلى عنوان سميحة بالبلدة ولكنها أدركت أنها تعمل بالكويت . كل ما يشغل تفكيرها فضح شيرين وعشيقها أمام الجميع . ظنت أن الضربة القاضية لو ابنها حاتم عرف الحقيقة ، إنها تعرف مدرسته ، على الفور قصدتها ، ستخبره بكل شىء ، عندما قابلت الأخصائى الإجتماعى بالمدرسة سألته :

* حاتم منقطع عن الدراسة منذ بضعة أيام بسبب وفاة والده

هربت الممرضة كالملدوغة قبل أن ينكشف أمرها ، أحست أن الحظ العسر يلازمها ، مات عاطف وماتت معه الحقيقة كما تظن ، بعد أن هدأت أعصابها ومضى أكثر من شهر على وفاة المهندس عاطف فكرت فى ملاقاة المهندس هانى ، حكت له كل ما تعرفه ، استوقفته خيانة صديقه سمير له ، يظن أنه يحمل مبادىء وقيم الفلاحين ، أخته روحية عفيفة النفس ، طاهرة ، احتفظ بهذه الهواجس داخله دون مكاشفته ، يظن أن الأيام القادمة هى التى ستكشف له كل ماخفى عنه ، جال بخاطره فجأة أن سمير متزوج إسما ، لايتعامل مع زوجته سميحة كزوج إلا فى العطلات ، لم يفكر فى هذا الأمر من قبل ، انفراده بأخته شيرين بالشركة وخلافه قد يوقعها فى جريمة الزنا ، الموظفون تهامسوا عليها فى الخفاء :

* شكلها غير متأثرة بموت زوجها
* لن ينقضى عام وستكون تزوجت غيره

الجميع يتطلع إليها بترقب ، حب استطلاع الكثير منهم يدفعهم إلى البحث والتنقيب عن المجهول ، عندما سافر سمير إلى أمريكا لعقد صفقة مع مستر شيمون دارت الهمسات بين موظفين الشركة :

* من غيره قاعدة لواحدها لايصة
* والله بينهم حاجة

سمير وجد نفسه أمام إيفون وجها لوجه ، نضجت بما فيه الكفاية ، ربما قطفها آخرون غيره ، سمير ينسى نفسه حينما يجمعهما معا مكان واحد ، يتضاءل أمامها ، مازال يتذكر أنها ضبطته عاريا من ملابسه مع أمها ، النساء الأجنبيات لهن تفكير مختلف كما يظن ، ظل يتأمل إيفون وكأنه يراها لأول مرة فى حياته ، أخذت كثيرا من قسمات أمها ، ظنونه وشكوكه جعلته يقارن بين قسماتها وقسمات المهندس عاطف فى مخيلته ، لايستطيع أن يؤكد ذلك ، إضطرابه يفقده الحقيقة . أمها كانت عشيقة المهندس عاطف من قبل ، أسعدت سمير هى الأخرى بأحضانها الدافئة عندما سافر إلى هولندا ، قد تكون إيفون امتداد لها ، لايدرى سبب انجذابه نحوها ، ظلت مسيطرة على شعوره وعواطفه حتى عودته لبلده ، إستقبلته شيرين بحرارة ، موت زوجها لم يوقف تيار الشهوة الجارف داخلها ، أحس أنها ملاذه ، نسى إيفون وسميحة ومدام نجاح والعالم كله وهو يكتشف رحيقها الأنثوى الجامح ، بعد قضاء عدتها عرض عليها سمير الزواج منها :

* لازم نتزوج رسمى أمام الناس

انتظر بعض الوقت حتى لاتنهشنا الألسن .

العصمة فى يدها ( 22 )

بعد عام فاتح هانى أخته شيرين فى أمر زواجها من سمير ، تظاهرت بأن الأمر كان مفاجئاً لها ولم يكن فى الحسبان ، بعد صمت وتفكير سألته :

* وإيه اللى فكرك بالموضوع ده دلوقتى ؟
* سمعت كلام حرق أعصابى وجيت أحسم الموقف
* من مين ؟
* من الممرضة و…………..

تغير وجه شيرين فجأة ، أعادتها تلك الكلمات إلى الماضى السحيق ، مازالت نظرات زوجها المرحوم عاطف العاتبة الناقمة ماثلة أمامها ، فى أيامه الأخيرة كان يشيح بوجهه بعيدا عنها حتى لاتقع نظراته عليها ، بعد أن أفاقت شيرين من أفكارها الطاحنة قالت لأخيها هانى :

* أنا لا أفكر فى الزواج بعد المرحوم
* ولكن الحى أبقى من الميت
* أنا غير مهيأة نفسيا بالإضافة إلى مشاكل الأولاد و ……….

قاطعها :

* المهم المبدأ ، أى مشكلة سنحاول تذليلها لأنه لايجوز أن تختلى بسمير و ……

قاطعته :

* تقصد زواجى من المهندس سمير ؟
* نعم
* فرضا لو وافقت على سمير فأنا لاأعرف شعوره ناحيتى
* بصراحة انا عرضت عليه الأمر وخيرته بين الشراكة وزواجك
* اترك لى بعض الوقت لأفكر فى هذا الأمر

فى الخفاء أخذت تسرد لعشيقها سمير مادار بينها وبين أخيها هانى

قاطعها :

* كنت وافقتى وانتهينا من المشكلة
* لو كنت وافقت فى الحال لظن بنا الظنون ثم إننى أود أن ألزمه بإقناع الأولاد وخاصة ابنى حاتم

كانت معاملة ابنها حاتم لها تغيرت كثيرا عما قبل ، متمرد عليها ، لايقبل منها أى نصيحة أو مجرد كلمة عادية ، يصرخ فى وجهها ، ثائر عليها ، الممرضة زرعت فى نفسه الشكوك والظنون داخله تجاهها ، دائما منزوى داخل حجرته أو ملازم لخاله هانى أو فى زيارة أقاربه ، نظراته الحادة تمزق أمه من الداخل ، فشلت فى إرضائه ، عندما أدار سمير كلمات شيرين فى رأسه قال لها

:

* عندك حق ………… إنت أستاذه وأنا تلميذك

بعد حوالى أسبوع سأل هانى أخته شيرين :

* فكرتى فى موضوع زواجك من سمير ياشيرين ؟
* بصراحة متخوفة من حكاية الأولاد
* اتركى لى هذا الأمر ………. المهم توافقى
* موافقة ………… إنت تعرف مصلحتى أكثر منى ………….

هانى قام بدور إيجابى متميز ، حاتم يقدر خاله ويحترمه ، لايرفض له طلبا حتى لوكان ضد مشيئته ، وفق بين كل الأطراف ، أٌعلن زواج سمير من شيرين رسميا أمام الجميع ، أصبح عش الزوجية الظاهرى هو الفيلا والخفى هو شقته ، لم تتغير حياتهما كثيرا ، التغيير الوحيد هو أن أولاد شيرين يتخذون موقفا عدائيا ضدها وضد زوجها بقيادة حاتم ، لم يمض عام وقد أنجبت شيرين من سمير ، أسمت مولودها باسم “وائل” ، سمير سعيد بهذا الطفل ، يظن أنه وطد جذوره مع شيرين ، زوجته سميحة غائبة عن تلك الأحداث ، حتى أن قابلت الممرضة التى سعت إلى لقائها بكل الطرق المختلفة ،بذلت جهودا مضنية حتى توصلت إليها وعرفت مكان بيتها ، حكت لها عن علاقة زوجها سمير المشينة بشرين ، لم تكن تعلم بأنه أصبح زوجها ، صرخت سميحة فى وجهها مهددة وطردتها من بيتها فى الحال :

* انت جاية تخربى بيتى !

أقسمت لها بأغلظ الأيمان وأنها لاتريد غير مصلحتها ولكن سميحة لم تتوقف عن ثورتها حتى فرت من أمامها ، عندما عادت سميحة لهدوئها وانفردت بنفسها لعبت برأسها الظنون :

* كيف يقضى زوجها حياته طوال العام بدونها ، أيضا عند عودتها لم يكن متلهفا نحوها كزوج ……….

لاتنكر أن أداءه منها قد تحسن كثيرا بعد أن أبطلت السحر ولكن ليس كما تتمنى أو ……….. ، جال بخاطرها على الفور الشيخ حلاوة ، هو منقذها ، سوف تعرف منه كل شىء ، سواء إن كان له علاقة بشيرين أو غيرها ، إنه شيخ مكشوف عنه الحجاب ، أيضا قررت أن تنجب منه أطفالا آخرين حتى تربطه وتوثقه بها ، سوف تحتفظ بأموالها لنفسها بعيدا عنه . قصدت الشيخ حلاوة ، استقبلتها خادمته قبل أن تدخل عليه ، ظلت تلاحقها بأسئلتها حتى عرفت منها الغرض الذى أتت من أجله ، كالعادة أعطته كل المعلومات التى عرفتها منها للشيخ حلاوة ، خرجت من حجرته لتخبرها بأنه سيكون جاهزا لاستقبالها بعد أن يرتشف قهوة السحر ، سألتها أم سميحة مستفسرة :

* وهل للسحر قهوة مخصوص ؟
* وأكل مخصوص وأشياء أخرى مخصوصة

تداعى إلى آذانهم صوت الشيخ حلاوة وهو يأمرهم بالدخول . كان البخور يعبئ الحجرة ، أخذ ينقشع رويدا حتى ظهر الشيخ حلاوة بشحمه ولحمه وهو يجلس على حصيرة قديمة ، باغتها بسؤاله :

* لقد أتيتى بخصوص زوجك سمير ياسميحة
* الظاهر إنه تزوج غيرى ياشيخ حلاوة
* حتى نعرف الحقيقة سيحتاج الأمر إلى مجهود ومصاريف كثيرة
* مهما يتكلف سأدفع ياشيخ حلاوة

على الفور أخذ يتمتم :

* ياملك الجان الأعظم أحضر لى حالا الجن منحوس لأمر مهم وعاجل ………

أخذ يتمايل برأسه يمنة ويسرى ، يصرخ مرة وبصوت خفيض مرة أخرى ثم مالبث أن أشار بيده بالقرب منه وبصوت مسموع :

* تعالى هنا ياجن منحوس

واصل كلامه :

* الست سميحة اللى قاعدة قدامك عايزة تعرف مين اللى عايز يخطف جوزها منها ………. بسرعه خلص المهمة دى …………. انت لسه واقف قدامى ……….

مالبث أن وجه كلامه لسميحة وأمها :

* نائب الملك الجان الأعظم سيحل مشكلة سميحة بنفسه
* وأين ملك الجان  ؟
* واقع فى حب جنية صغيرة فوكل نائبه عنه لأنه يعزنى قوى و…………..

قالت أم سميحة :

* والله فيه الخير ياشيخ حلاوة

أضافت سميحة :

* والجن عندهم مشاكل فى الحب أيضا………..
* ياسميحة الجن عالم مثلنا بالضبط ……….

فجأة شهق شهقة عالية بعد أن حدث دوى صدى صوت مكتوم ثم قال :

* انت جيت بسرعة ياجن منحوس !
* وجبت لك كل الأخبار اللى تهمك ياشيخ حلاوة

بدى صوت الشيخ حلاوة مختلفا عما قبل ، رسم على وجهه الوقار والهيبة ، انطلق الجن منحوس فى تواصل قائلا :

* فى واحدة بتلف على سمير وعايزة تخطفه من مراته ……….
* والعمل ياجن منحوس ؟
* يلزمها حجاب سحرى يحميها ويحمى جوزها
* خلاص انصرف ياجن منحوس وبلغ سلامى الحار لملك الجان الأعظم
* يوصل ………….

انقشع البخور من الحجرة ، هم الشيخ حلاوة من فوق الحصيرة ليتكأ على مقعده الخاص به ، انشغل فى عمل الحجاب السحرى الذى يبدو أنه كان معدا من قبل ، وهو يسلمه لسميحة قال لها :

* الحجاب ده هيبعد عنك كل المصائب انتى وجوزك

ظل ينصحها ويعطيها كل التعليمات الخاصة بالحجاب وإخفائه تحت وسادة زوجها و………….. ، انصرفت سميحة وأمها بعد أن دفعت المعلوم المتفق عليه من قبل ، لم يتبق من أجازة سميحة إلا القليل وتعود للكويت مرة أخرى ، أخذت أمها وهى فى الطريق تشدد وتؤكد عليها أن لاتترك زوجها بعيدا عن فراشها فى الأيام المتبقية من سفرها بعد أن هجرت وسائل منع الحمل لعلها تنجب منه وتربطه بها . زيادة فى الاطمئنان اتجهت إلى خالتها سكينة وأخبرتها بحكاية شيرين لتضغط على ابنها سمير وتضمها إلى جانبها ، حكت لها عما أخبرتها به الممرضة والدموع تنساب من مقلتيها ، انفرجت شفتا خالتها عن ابتسامة مطمئنة لسميحة ومؤكدة لها :

* لاشيرين ولا ألف زى شيرين يملو عين سمير ابنى
* أصل بتوع البندر مايصين ياخالتى
* سمير لا يحب غيرك ولا تستطيع أى واحدة تأخذه منك

أحست سميحة بالثقة فى نفسها واطمأن قلبها ولكن هناك وساوس تؤرقها :

* لماذا تتحمل الممرضة عناء السفر ومشقته لتأتى إليها وتخبرها عن زوجها ………..

تظن أن فى الأمر شىء مختفى عنها ، فرضت على زوجها سمير أن لايتركها الليالى المتبقية ليقضيها معها بعد أن فشلت فى إقناعه لمرافقته لها للكويت حتى ولو زيارة مؤقتة ، تذرع بحجج مختلفة منها الشركة وخلافه ، اضطر أخيرا سمير لمقابلة الممرضة التى تثير المشاكل ضده ، الحرب مشتعلة بينهما لاتتوقف ، بكلمات قاطعة والشرر يتطاير من عينيه :

* أنا لاأعرف ماذا تريدين منى بالضبط !
* أكشفك على حقيقتك
* وما الفائدة التى ستعود عليك ؟
* شيرين ليست أفضل منى ؟
* هذه الأمور ليست عنوة ومن مصلحتك أن لاتخسرينى

سمير بعد هذه المقابلة أيقن أنه أنهى ملف هذه الممرضة ، كذلك فى نيته إنهاء قضية مدام نجاح التى أصبحت خاسرة كما يظن ، سيحاول مقابلتها لتطييب خاطرها ولو بكلمات ، لايود أن يفتح عليه جبهة أخرى ، ينوى أن يتفرغ لشيرين وحدها ، أخذت مدام نجاح تؤنبه وتعنفه عندما قابلها تحت إصرار زوج خالته شهبور التى استخدمته حربة للنيل من سمير :

* ماكنشى عيش وملح يابشمهندس سمير !
* والله غصب عنى وظروف العمل وانتى حبيبة عمرى ولايمكن أن أنساكى و…………

وابتسامة ساخرة مستنكرة تمر على شفتيها :

* طيب افتكرنا ولو ساعة ……..
* عمرى مانسيتك وفى أقرب وقت سأكون عندك و…………

سمير أصبح يرى مدام نجاح كالبطة العجوزة ، لم يعد يشتهيها أو يرغبها كما كان من قبل ، أشياء كثيرة تتغير وتتبدل ، لاتثبت على حال واحد ، يعتقد أن شيرين يمامة صغيرة وادعة تؤنسه وتغرقه فى بحور حنانها وعطائها الغير محدود ، سافرت سميحة واستقرت الأمور لزوجها ، لم تعد هناك رياح أو أعاصير تنغص عليه حياته ، حبه لمولوده الجديد يجعله أكثر تعلقا بشيرين ، عندما يسافر لعقد صفقة بالخارج يعود متلهفا مشتاقا إليه ، فى الغالب مايكون السفر إلى أمريكا ، المرور على إيفون وقضاء بعض الوقت معها ومسامرتها والاستمتاع والتبرك بحديثها العذب وجمالها الخلاب شيىء مقدس وواجب حتمى ، منجذب نحوها دائما ، هناك شىء خفى يشده نحوها ، يميزها عن شيرين وسميحة ، يحاول اكتشاف هذا السر الخفى ولكنه يفشل دائما ، إيفون لم تتزوج بعد ، سعيدة ومستمتعة بوقتها مع أصدقائها وصديقاتها . يتمنى أن ينال رضاها ولكن علاقته المشينة بأمها تشكل عقبة وجسر منيع بينهما كما يظن .

العصمة فى يدها ( 23 )

سميحة لم توفق فى أن تحمل من زوجها ، فى كل عطلة من عطلاتها تمنى نفسها أنها ستصبح حاملا ولكن أملها يخيب ، يبدو أن موانع الحمل التى أسرفت فيها من قبل كانت حائلا لحملها ، أخبرها طبيبها مؤخرا أن الحمل لم يتم إلا بعد ملازمة زوجها لها بالكويت حتى تستقر حالتها النفسية ، ليس هناك موانع عضوية ، لحظة الاندماج التى يتم فيها الحمل لم تتوفر بعد ، زوجها يرفض مرافقتها للكويت رفضا قاطعا ، أصبحت مضطربة عن أى وقت مضى ، مرتبات المدرسين بها لم تعد أفضل من أى دولة خليجية نفطية أخرى ، كذلك لم تعد تشعر بالألفة والانسجام مع المقيمين بها ، اكتشفت ذلك مؤخرا بعد ما انصهرت معهم وأصبحت أكثر اقترابا منهم ، تظن أنهم مصابون بأمراض نفسية كثيرة فى مقدمتها الغطرسة و……….. و…………. ، تخشى على ابنها حمدى منهم لو رافقها وعاش معها فى الكويت بينهم ، لولا الدروس الخصوصية لما مكثت فيها هذا العمر المديد ، ليس من حقها كما هو معمول بقوانينها ، لو تم ضبطها لأنهوا خدماتها ، الطلبة الكويتيات يدركن ذلك جيدا ، إحداهن استطاعت خداعها ، تآمرت ضدها لحساب أخيها وآخرين . كانت تليمذة بفصلها ، بعد الانتهاء من اليوم الدراسى همست فى أذنيها :

* لو سمحتى ياأستاذة سميحة بنت خالتى محتاجة درس رياضيات خصوصى و……………
* وأين بيت بنت خالتك ؟
* سوف أوصلك له أول مرة وبعد ذلك تذهبين بنفسك و…………….

كان الموعد اليوم التالى من اتفاقهما معا ، أوصلتها الطالبة إلى البيت المتفق عليه ، تركتها بعد أن تناولت معها فنجان القهوة . كان به مخدر ، تركتها الطالبة لمصيرها بعد أن بدأ المخدر مفعوله ، اغتصبوها ، تناوبوا عليها بقيادة أخيها ، قاومتهم بكل ماتملك ، لم تعفيها تلك المقاومة من اغتصابها بسهولة ويسر ، عندما أفاقت من خدرها وجدت نفسها وحدها شبه عارية من ملابسها ، تحمل هموم الدنيا وحدها ، تقاوم الإنهاك والذل والمهانة ، العرق ينز منها ، الذهول يسيطر عليها ، غير مصدقة لما حدث لها ، يخيل إليها أنها تحلم وليس حقيقة ، عادت لسكنها بشق الأنفس ، ضاعت فى سباتها بدون طعام وشراب حتى اليوم التالى ، لم تقو على النهوض للذهاب إلى مدرستها ، قدمت على الفور طلبا لإنهاء خدمتها ، لم يوافقوا عليه إلا بعد انتهاء العام الدراسى ، تم نقلها إلى مدرسة آخرى بعد إلحاح شديد منها حتى تقضى عقوبتها لآخر العام ، أصابتها حمى ، انطوت داخل نفسها ، الشرود والحزن أصبح طابعها المميز ، تعجبت زميلاتها من أمرها ، لم تلفظ بكلمة واحدة عما أصابها ، أو تفكر فى الذهاب للسفارة المصرية بالكويت لعرض مشكلتها ، لن يعيد لها شرفها وكرامتها ، العقد المبرم بينها وبين وزراة التربية الكويتية ينص على عدم إعطاء دروس خصوصية ، أصبحت معتلة دائما ، الإجازات المرضية أخذت نصيبا وافرا من أيامها المتبقية لها بالكويت . كان قد تم نقلها بمدرسة قريبة من حدود العراق . كان الرئيس صدام العراقى يهدد باحتلالها لخلافات بين الحكومتين ، تمنت سميحة داخلها أن يغزوها حقا ويستطيع القبض على هؤلاء المجرمين المغتصبين ويرميهم بالرصاص ، ازداد كرهها لكل الكويت ، صورة سوداء قاتمة طٌبعت بمخيلتها ، غادرت الكويت وهى تبصق عليها ، نسيت كل ذكرياتها الحلوة ودنانيرها ، لم يتبق لها غير سرقة شرفها بالإكراه ، زوجها سمير فوجىء بأنها أنهت خدماتها فجأة ، بدهشة واستنكار سألها :

* انت كنت بتقولى مش هسيب الكويت حتى آخر قطرة نفط فيها ، إيه اللى حصل ؟
* أنا لاحصلت متجوزة ولا مطلقة وانت رافض تعيش معايا فى الكويت و………….
* بصراحة هيه بلد مناخها قاسى وغالبية سكانها قاسيين و…………

سمير لم يكن راضيا عن عودتها من الكويت وإن لم يظهر ذلك ، يظن أنها ستحبس حريته وحركته ، قد تعرف حكاية زواجه من شيرين وإنجابه منها بعد أن اتصلت به الممرضة مؤخرا :

* الآن لاتستطيع أن تنكر زواجك منها !
* من أين لك بهذه المعلومات
* لقد حصلت على صورة قسيمة زواجك منها وشهادة ميلاد ابنك و ……….
* هذه خصوصياتى وحدى وأنا أحذرك من التدخل فيها ولا تجبرينى أن أستخدم معك أسلوب البلطجة

سمير يفكر فى مصارحة زوجته سميحة قبل أن تخبرها الممرضة ، الوقت ليس فى صالحه ، سوف يتذرع لها بالأسباب والأعذار من بعدها عنه وخوفه من الانزلاق فى الخطيئة و…………. لعلها تتقبل الأمر بسهولة . أخذ يتحين الأسباب ولكن حملها المفاجىء أخرسه وأجل كل شىء إلى أن تضع مولودها ، سميحة نفسها متشككة فى هذا الحمل ، لم يسعدها بل أشقاها ، من قبل كانت تتمناه وهى بالكويت والآن تتشكك فيه ، ترقب الأيام والشهور بتوجس ، قبل أن تضع حملها فاجأتها الممرضة باتصالها الهاتفى :

* زوجك تزوج عليك………….
* إنت كذابة
* أنا لدى الدليل ……………..

صدمتها تلك المكالمة الهاتفية ، أحست أن الأرض تدور بها ، أخذت تناقش هذا الأمر فى رأسها مرارا ، دائما يعلو فوق ذاكرتها أن حملها سفاحا ، أخفت عن زوجها ذلك الحمل كما أخفى عنها زواجه من أخرى ، سألته على استحياء :

* انت تزوجت على ياسمير ؟

فقد توازنه ، ضاعت منه الكلمات على الرغم من أنه كان مستعداً ومجهزاً الرد على سؤالها هذا ، بعد صمت وتفكير قال لها بكلمات متلعثمة خافتة :

* كنت مضطر بسبب بعدك عنى و………

قاطعته :

* يعدنى لدرجة تخلف منها !
* تورطت فى موضوع الخلف ولاأظن أن زواجى سيستمر معها و ………..
* يعنى تقصد جواز مصلحة !
* بالضبط …………… أنا لم أحب غير سميحة و ……..
* يعنى لو خيرتك بينى وبينها ؟
* أختارك طبعا

كلمات زوجها سمير أرضى غرورها ، البركان الذى كاد يقتلعها هدأ ونام ، قد يستيقظ فى أى لحظة ، زوجها سمير أيقن أنه نجح فى تخدير وخداع زوجته بكلماته المعسولة ، لن يخضع لابتزاز الممرضة له ، انتشر خبر زواجه من شيرين كالبرق ، أخذت تلوكه الألسنة :

* سميحة العاقلة الكاملة تتزوج عليها !
* بنات مصر ممرقعين

صديقه راشد من أول الشامتين والمروجين لإشاعات وأقاويل اخترعها من خياله حتى يؤكد وجهة نظره فى سمير للآخرين :

* سميحة أخذت فيه مقلب …….. لم تسمع لنصائحى

بعد أن أنجبت سميحة أفاقت من غيبوبتها ولوعتها . كانت طفلتها تشبه سمير كثيرا ، ماتت كل شكوكها ، هى من دمه وليست من سفاح ، أراح قلبها ذلك كثيرا ، زملاؤها بالمدرسة أخذوا يقلبون عليها المواجع :

* والله أنا لو منك لكنت خيرته بينك وبينها و……………..

تلك الكلمات لفتت انتباهها إلى أشياء أخرى لم تكن فى حسبانها ، من بينها تغيبه عنها فى مصر لأسبوع أو أكثر دون أن تعلم عنه شيئا ، الغيرة تأكلها ، تتخيل دائما شيرين وهى بين أحضانه ، تظن أنها سرقته منها ، فكرت فى الشيخ حلاوة يعمل لها سحر بالكره لشيرين ، أمرها بأن تأتى بأثر لها ، طلبت من زوجها سمير فستان من فساتين شيرين بحجة أنها تود أن تعمل مثله . أسعد ذلك زوجها كثيرا ، ظن أنها تحاول إرضاؤه بتقليد غريمتها شيرين ، على الفور لبى طلبها ، جرت نحو الشيخ حلاوة ليعمل لها السحر ، فعل معها كما فعله بالسابق ، أعطته المعلوم مقابل حجاب ، أكد لها أن مضمون ومٌجرب من قبل وسيأتى بنتائج خطيرة . أخذت تنتظر وتترقب ، قد يفاجئها زوجها :

* لقد طلقت شيرين ………..

ربما لم يكتمل مفعول السحر بعد ، بركان الغضب والغيرة يفور أحيانا داخلها ، تتمرد على زوجها ، طالبته بأيام محددة لها فى الأسبوع ، تظن أنها كانت مغفلة خلال تلك السنين الماضية ، عندما استجاب سمير لطلبها ظنت أن السحر قد بدأ مفعوله ، أما شيرين فتظن أنها امتلكت سمير بعد إنجابها منه وتعلقه الجنونى بابنه ، أخذتها هواجس جديدة لم تفكر فيها من قبل ، تظن أن سمير سلب منها شركة زوجها فى غفلة من طيشها ونزقها ، سمير هو الآخر يعتقد أن الشركة قامت على أكتافه ، قفزت فى عهده بسبب ذكائه ومهارته وفهلوته ، هى من حقه ، حينما اكتشفت شيرين أنه يعمل صفقات مشبوهة لحسابه أخذت تعيد حساباتها من جديد ، واجهته مؤخرا :

* الصفقات التى تعملها مع على الأسكندرانى فى الخفاء و ………… أليس لى حق فيها ؟
* إنها من أموالى الخاصة ………… ثم أنها فى الأول والأخر لابننا وائل
* لاتنسى أن لك أولاد من سميحة ……………. و …………….. و…………..
* وأنت أيضا لك أولاد من المهندس عاطف و…………..
* إذن تعطينى حقى كشريك معك فى الشركة و……………
* تحت أمرك

شيرين اشتكت لأخيها هانى من زوجها سمير ، أرشدها إلى أن تنفرد بالشركة وحدها بعد أن ظهرت سميحة مكشرة عن أنيابها ،جال بخاطرها تستعين بابنها حاتم بالوقوف ضد أطماع سمير ، بدأت صفقاتها مع إيفون فى الخفاء عن طريق أخيها هانى ، مازالت إيفون متعلقة به ، تعامله كصديق بعد ان فشلت فى اتخاذه زوجا لها ، عرٌفها هانى بابن أخيه حاتم :

* حاتم مستثمر جديد أود أن تقفى بجانبه
* من عينيه ……………. كفايه إنه من ريحتك ……………

قالت ذلك وابتسامة ذات معنى تمر على شفتيها ، لم تنس أنه حبها الأول و………….. ، إيفون تبنت حاتم كمستثمر فى الخفاء . أخذ كثيرا من ملامح وقسمات خاله هانى ، لفت انتباهها من أول لقاء ، عندما تعاملت معه عن قرب خطف قلبها ، خشيت ان يكون بديلا لخاله هانى ، لاتود التسرع فى أخذ قرار خاطىء ، فوجىء حاتم بها أنها تعرف المزيد من اللغة العربية ، تزور مصر كثيرا ، توطدت علاقتها بحاتم وشيرين وآخرين . أصبح تواجدها بمصر أكثر من تواجدها بأمريكا ، قد تكون زائرة أو سائحة أو لعقد صفقات . سمير غير مدرك لما يدور حوله ، تائه مع صفقاته ، إيفون هى الأخرى أخفت عنه كل شىء ، عشقت مصر والحياة فيها ، اتفقت مع شيرين وهانى على إقامة قرية سياحية كعمل استثمارى بينهم ، ابنها حاتم ممثلا عن أمه وخاله هانى ، التحم بإيفون ، أخذت تقارن فى مخيلتها بينه وبين خاله هانى ، ظنت أن شباب هانى الحار الذى عرفته كحبيبة من قبل ، يتجدد مرة أخرى فى خيالها ، يسرق لبها قبل عقلها ، الأيام والذكريات تعيدها إلى تلك اللحظات ، تعلقت بحاتم كثيرا ، كل يوم تكتشف فيه جديداً ، اتفقت معه فى كثير من نزقه وجنونه ، عشقت مصر لعشقها لحاتم ، ارتباطها به فى مشروع القرية السياحية أضرم شعورها الكامن داخلها ، قد تنطلق شرارة الغوص الشبقية من داخلها دون أن تدرى ، سمير غارق هو الآخر فى أطماعه ، كل مايشغل باله الآن هو امتلاك الشركة وحده دون شيرين ، يتمنى أن يعطيها نصيبها ليصبح المالك الوحيد لها ، شيرين أصبحت عالة عليه وتطالب المزيد من الأرباح والمكاسب كما يظن . إنه الآن يدرك لعبة التصدير والاستيراد وكل خفاياها ، جال بخاطره أن يعمل فرعا مستقلا عنها مؤقتا .

العصمة فى يدها ( 24 )

إيفون تعمل مشروعا استثماريا مع سمير فى الخفاء ، تلعب بكل الأطراف ، ظن سمير أنه اقترب من شاطئها ، شجعته على أن يعاود طلبه من جديد :

* تتزوجينى ياإيفون ؟
* إنت متزوج
* ممكن نبقى أصدقاء
* فى التجارة وليس أكثر ………….

يتراجع سمير عما فى رأسه ، سيعاود معها الكرة مرة أخرى ، يظن مدخلها المال ، سينالها يوما ما ، الثمرة لم تنضج بعد حتى يخطفها ، يود أن يصبح من أكبر المستثمرين ، لحظتها ستركع تحت رجليه ، سيشترى عواطفها وقلبها ، دائما يردد : – - اللى ممعهوش قرش ميساويش قرش ………….

أيام طفولته وصباه مازالت محفورة فى ذاكرته . كل القوى كانت تستبيحه سواء قوة المال أو البلطجة أو ………….. . مازال يتذكر القاضى الذى يمثل القانون حينما قدم له زجاجة خمرة كهدية بداية معرفته به ، أفكار سمير تغيرت وتحولت وتوحشت لتواجه القوى والتحديات . لم يكن من أصحاب الذين لايساوون قرش كما يقولون ، سيلعب بكل القوى ليواجه التحديات . إكتشف فجأة أن زوجته شيرين تعمل صفقات لحسابها فى الخفاء ،  هى الأخرى تلعب نفس اللعبة ، القوى تتصارع مع بعضها ، يلعبان معا على المكشوف . كان قد بدأ فى عمل شركة لحسابه ولها فرع فى مدينته ، تديره زوجته سميحة فى الظاهر وابنها حمدى ، مجرد لافتة وليس أكثر . سميحة متحمسة للغاية ، تود أن تكون قوة باطشة ، لعبت برأسها روح التحدى والانتصار على غريمتها شيرين ، ليست أقل منها ، ابنها حمدى سيكون قوة ضاربة وسندا لها كما تظن . كان قد تجاوز المرحلة الإعدادية ، بعد أن يتم صقله وتدريبه سيكون مسئولا عن الشركة بعد ذلك ، فاجأ سمير زوجته شيرين :

* أنا من رأيى نصفى الشركة
* ليس لدى مانع
* ممكن تأخذى حقك أو آخذ حقى ………….
* نتفق على حقك الأول

عندما طلب مبلغا ضخما قالت له :

* أشاور أولادى

كان ابنها حاتم انتهى من دراسته وتخرج من كلية التجارة ، أصبح يمارس العمل بالشركة وعرف الكثير من خباياها ، روح التحدى والقتال ضد سمير نمت وترعرعت داخله . كانت الممرضة زرعت داخله بذور الشك من قبل ، صرخ فى وجه أمه عندما عرضت عليه الأمر ، أعلنها بكل وضوح وصراحة :

* زوجك سمير لن يأخذ أكثر من حقه

انطلق من داخله مايخفيه طوال السنين الفائتة ، أحس سمير بأن المارد خرج من قمقمه ، استسلم راضخا ومتجنبا براكين حاتم المدمرة ، أذعن وارتضى على مضض ماقرره حاتم بعد أن تلبسه الخوف ، بكلمات ناعمة ورسم ابتسامة عريضة فوق شفتيه فى محاوة لتجميل صورته :

* من أجل خاطر حاتم موافق على كل شروطكم
* كل واحد يأخذ حقه يابشمهندس سمير ………….

وخزته تلك الكلمات الحادة ولكنه تظاهر بالارتياح والرضى أمام حاتم ، أحنى رأسه أمامه صاغرا خشية أن تهتز صورته ، منذ تلك اللحظة وهو يفكر فى الانتقام ، شركته الجديدة لفتت الأنظار . كانت قريبة من شركة شيرين ، لم ينقطع عن زيارتها ، دائما يتقرب لها ولابنها حاتم بكلمات الود والثناء وتقديم النصائح له ، يتقبلها حاتم بحذر وحرص شديدين ، يظن أنه مخادع ، سمير يدرك ذلك ولكنه واثق أن عدوه وخصمه حاتم سيغفل ولو لحظة ، قد يكون بعد شهر أو عام ولكنها آتية ، أفعى الكوبرا القوية الباطشة لن تستطيع أن تظل رافعة رأسها إلى الأبد مستعدة ومتوثبة لبث سمومها كما يظن سمير ، ستخفض رأسها فى لحظات ، لم تتوقف نصائحه له ، أخذ يمهد إلى المصيبة التى أعدها له فى رأسه . تفكيره هداه إلى اللجوء إلى إيفون لجلب صفقة مشبوهة باسم حاتم ، لن تمانع فى توريطه مقابل عمولة لها كما يظن سمير ، عرض أمر الصفقة على حاتم . كان فى ظاهرها عسل مصفى وفى باطنها سم زعاف ، حاتم قطع شوطا طويلا فى التجارة والاستثمار ولكن البراءة والسذاجة تغلب على تصرفاته ، لم يعرف الأساليب الخفية الملتوية فى هذا العالم الغريب الأخطبوطى المتوحش ، سأل حاتم  وإن كانت تراوده بعض الشكوك :

* مانوعية الصفقة التى تقصدها يابشمهندس سمير ؟
* لحوم مجمدة و…………….

بعد صمت وتفكير :

* فكرة جيدة …………….موافق

سمير لم يفطن إلى أن علاقة إيفون بحاتم متينة وقوية ، أصبح صديقها المحبب ، وجدت فيه ماكانت تبحث عنه ، سمير يظن أن المال مدخل إيفون  ، عرض أمر الصفقة على إيفون :

* أود أن أورط الولد حاتم فى صفقة ………… و…………..

بعد صمت وتفكير :

* بسيطة ولكنها ستحتاج لدفع رشاوى و…………..
* سأدفع

لأول مرة تكتشف أن سمير خائن وغادر . كل يوم تٌفجع فيه ، أضافت تلك الصفحة السوداء إلى سجله الآثم ، مازالت تذكر علاقته المشينة بأٌمها ، بعد بضعة شهور من أتفاقهما كانت الصفقة قد وصلت إلى ميناء الإسكندرية ، سمير يتابعها باهتمام بالغ عن طريق صديقه على الأسكندرانى وآخرين ، أخبر السلطات بأن تلك الصفقة مهرب داخلها مخدرات وخلافه ، تم تفتيشها بدقة متناهية ، خاب ظن سمير . كانت مطابقة لكل المواصفات ، ربحت تلك الصفقة أضعاف ثمنها ، عندما لام سمير إيفون كانت الإجابة جاهزة فى رأسها ، بكلمات واثقة :

* الأغبياء وضعوا المخدرات خطأ فى صفقة أخرى ولكننى لم أعطهم غير العربون
* أنا لاأتكلم عن الفلوس ولكننى كنت أود ان أعطيه درسا قاسيا
* الجيات أكثر من الرايحات وربما حدث لصاحبنا حتى نعطه الأمان والثقة

إيفون أخبرت حاتم بكل تفاصيل الصفقة ، أحس أنه نجى من كارثة محققة بفضلها ، هى الأخرى ضربت عصفورين بحجر واحد ، خدعت سمير وأخذت منه العربون وكسبت حاتم إلى جانبها ، احتفلا معا بعيد صداقتهما ، علاقتهما أخذت شكلا آخر ، توحدا وانصهرا معا فى بوتقة الرغبة والاستمتاع ، سمير لم يجدد عرضه مع إيفون للانتقام من حاتم ، ربما تشكك أو غير مقتنع بكلماتها ، دائما يردد :

* سوء الظن بالناس ذكاء …………

قد يختلف الأمر مع إيفون حبيبته أو ربما هناك أمور جعلته يؤجل تجديد انتقامه لحاتم ، ربما انشغاله بفرع شركته الجديد فى مدينته الصغيرة ، التهم الكثير من وقته وتفكيره ، ابنه حمدى هو الآخر فى مرحلة قلقة ثائرة ، يشكل عليه عبئا وضغطا من نوع آخر ، متمرد عليه ، يحاول والده إرضاؤه بكل الطرق لاحتوائه ، حمدى لايعترف بوالده ، يظن أن والده الحقيقى هو جده شهبور ، شديد الجفاء والغلظة فى تعامله معه ، خط التفاهم والتواصل يكاد يكون مقطوعا بينهما ، اشترى له والده سيارة جديدة عربون صداقة بينهما :

* أنا اشتريت لك السيارة وإن كنت غير مقتنع خوفا عليك من تهورك ………..
* اطمئن سوف أستخدمها إستخداماً صحيحاً ………..

تتوالى مطالب حمدى ، يوافقه والده على مضض ، وقف متصديا له بكل ماأوتى له من قوة عندما أطلق للحيته العنان ، يخشى أن يكون قد انضم إلى جماعة دينية ، ذكره بتجربته الفاشلة وما جرته عليه لحيته من عذابات وويلات ، دخل معه فى أكثر من حوار عقيم حتى يثنيه عن رأيه ولكن دون جدوى ، قد تحول لحية ابنه حمدى عن تنفيذ طموحاته أملا فى تحقيق المزيد من المكاسب الشخصية  . لجأ أخيرا إلى أمه سميحة لعلها تستطيع التأثير عليه ، يرضخ ويذعن لها دائما ، لم يتزحزح حمدى عن رأيه أو تثنيه أمه عن ماهو ماض فيه ، يضطر والده أن يهادنه أو يرضيه بكلمات لعلها تجد طريقا إلى عقله :

* إنت شاب صغير لست فى حاجة إلى إطلاق لحيتك الآن …….. ثم أن الدين ليس بالمظهر

حمدى مثقف وواع ، كثير الاطلاع ، يعرف كثيرا من أمور الفقه والدين ، يفشل والده دائما فى إقناعه ولكنه لايمل :

* فكر فى تكوين مستقبلك …………. اللى ممعهوش قرش ميساويش قرش ………. أنا كل ما افتكر أيام ماكنت فى سنك و…………

يقاطعه :

* المادة مهمة ولكنها ليست كل شىء
* ياحمدى أنا يهمنى مصلحتك
* تفكيرنا مختلف ولن نتفق

اتجاه حمدى يقلق والده ، إنه يفكر فى أن يصبح عضوا فى مجلس الشعب سيكون معوقا فى طريقه ، يحاول تلميع نفسه قبل الانتخابات ، أمامه متسع من الوقت ، على الفور تبرع لعمل نادى للشباب ومخبز و…… و …… كرجل وطنى وللمساهمة فى أعمال الخير و………. و…………..  ، وطد علاقته مع كثير من القيادات فى أولهم المحافظ ، أخذ يشيد بالحزب الحاكم وما حققه من مكاسب ، بدأت الأضواء تتجه نحوه ، الكثير يعتقد أنه رجل وطنى وخيُر ، لم يعرفوا مايدور برأسه ، هادن الجماعات الدينية باعتباره خريج أزهر ، لم يفته عزاء واحد سواء فى قريته أو مدينته ، أظهر تواضعا وانكسارا على غير عادته ، يمد الكثيرين من الفقراء والمساكين بالمال حتى بما فيهم من بلطجية ، أصبح له رجاله ، يعملون لحسابه ، الأسطى كسبانى لم يتغير موقفه تجاهه ، أرسل إليه سمير إنذارا :

* أنا بحذرك للمرة الأخيرة …………. بعد ذلك لاتلوم إلا نفسك

كسبانى أدار تلك الكلمات فى رأسه ، أخذ يعيد تفكيره من جديد ، يظن أن سمير أصبح قوة باطشة لايستهان بها ، يمكن أن يكيد له فى الخفاء بطرق خبيثة غير تقليدية ، ربما التشهير به عن علاقاته النسائية المحرمة . كان قد جدد علاقته مع مدام نجاح بعد أن أصبح متواجدا بقريته ومدينته بصورة مكثفة ، يقابلها فى الخفاء ، يقضى معها وقتا ممتعا ولكن بشكل محدود وضيق ، استعاد علاقته مع الأسطى سيد النجار ورأفت وآخرين و…………. ، علاقته بزوجته شيرين ماتت أو كادت تلقى حتفها ، أصبحت فى حكم المطلقة ، على الجانب الآخر نشطت علاقته مع إيفون ، ازداد تعلقه بها ، شعوره نحوها يشتعل يوما بعد يوم ، عرض عليها الزواج مؤخرا :

* تتزوجينى ياإيفون ؟
* لايجوز ….. أنا يهودية وأنت مسلم
* نتزوج عادى وكل واحد يظل على دينه
* يمكن أتزوجك لو اعتنقت ديانتى

ربما تحاول إيفون تعجيز سمير فى طلبه ، قلبها متعلق بحاتم ، انحصرت طموحات سمير بإيفون داخل إطار ضيق ، على الأقل تصبح عشيقته .

العصمة فى يدها ( 25 )

إيفون أصبحت تجيد اللغة العربية ، عرفت المزيد من عادات وتقاليد المصريين ، شاركتهم فى أعيادهم ، التحمت بهم ، تداخلت مع فئات كثيرة منهم ، أخذت تبحث فى قضايا بعينها ، فى مقدمتها قضية الدين والتاريخ والتراث ، ربما استعانت بكثير من بحوث المستشرقين ، يخيل إليك أنها تدفعها رغبة قوية من داخلها لمعرفة شىء ما ، إن لم تكن على صلة ودراية بها لاتصدق أنها يهودية مستثمرة بل مصرية مسلمة ، بهرت الكثير بنجاحها الاقتصادى ، كادت أن تكون مصرية الطباع ، حتى لبسها تغير كثيرا ، لم يعد يظهر مفاتنها الصارخة ، استعمرت قلوب الكثيرين ، فى مقدمتهم المهندس سمير ، لم يستطع الفكاك من لهيب حبها ، يرضخ لأوامرها دائما ، تلغى عقلها حينما تكون بين أحضان حاتم ، تذوب داخله بكل كيانها ، تتفانى لإرضائه والتقرب إليه ، شاركته فى مزيد من الصفقات الناجحة المتميزة ، أصبح منافساً قوياً لسمير بك كما أطلقوا عليه مؤخرا ، تتمنى الزواج منه ولكنها تخشى اللائمين لها من أولهم أمه شيرين ، دائما تلح على ابنها بالزواج ، إيفون خارج حساباتها وتفكيرها ، لم تكن تفطن لعلاقته العميقة الملتهبة المتشابكة مع إيفون ، مازال متمردا عليها ، لن يصفو لها ، الوساوس تملأه عن آخره بشأنها وشأن سمير زوجها من قبل ، لن يهدأ له بال حتى يشفى غليله وينتقم من زوجها شر انتقام ، ملف سيرته الذاتية الأسود محفور داخل مخيلته ، أحيانا تراوده أفكار جنونية للخلاص منه ، سمير يبادله نفس الشعور وزيادة ولكنه ينتظر اللحظة المناسبة ، كل ما يشغل تفكيره الآن هو خوض معركة انتخابات مجلس الشعب . كان قد تم فتح باب الترشيح له ، لم يكن سمير مرشح الحزب الحاكم على الرغم من بذل جهود مضنية من أجل ذلك ، سجل نفسه مرشحاً مستقلاً ، مرشح الحزب الحاكم فى دائرته لم يكن منافسا قويا له ، مرشح حزب الإخوان هو الذى يشكل له خطورة حقيقية ، تم تقسيم الانتخابات على ثلاث مراحل . كانت دائرة سمير بالمرحلة الثالثة والأخيرة ، ربما كان هناك شبه إتفاق بين النظام الحاكم وسمير على أن يضحوا بمرشحهم والوقوف معه لخداع مرشح الإخوان المسلمين الشرس ، قد يعطيه الكثير من الناخبين أصواتهم نكالا فى الحزب الحاكم كنوع من التعبير لكراهية النظام . الانتخابات تميل للغدر والخداع . سمير كان قد جهز كثيرا من البطاقات الإنتخابية على نفقته الخاصة من قبل ، إضافة إلى الاستعانة ببلطجية سواء نساء أو رجال فى الخفاء ، أعد العدة كما يجب ، درس قواعد اللعبة بكل أبعادها المختلفة ، يظن أنها متشابهة مع قواعد الاستيراد والتصدير التى يجيدها تماما ، وقف بجانبه كل أقاربه وأصدقائه بما فيهم أخيه صادق الذى تخرج من كلية الطب ويقضى فترة الامتياز بمستشفى المدينة ، يحتك بكثير من المرضى وذويهم  ، يسخرهم لصالح أخيه سمير ، الأسطى حنكش علق لافتات بكل المنطقة الصناعية تؤكد نزاهة وأحقية سمير ، شدد على زبائنه وكل معارفه وأخذ منهم ميثاقا غليظا لينتخبوا المهندس سمير ، لايمنع أن كان له أعداء حقيقيون فى الخفاء ، على رأسهم الأسطى كسبانى ، أخذ ينقص من قدر سمير ويقلل من قيمته ساخرا :

* سمير ابن سكينة مرشح نفسه بمجلس الشعب …………. دا ماكنش لاقى ياكل

كذلك ابنه حمدى كان من المتعصبين لحزب الإخوان المسلمين . تعاون مع حاتم ابن شيرين فى الخفاء وإن لم يكن يميل إلى فكر الإخوان المسلمين ، الكثير يعتقد أنه علمانى ولكن الانتخابات لها شأن آخر ، المعركة بدأت ساخنة ، الحزب الحاكم بلى بخسارة فادحة فى المرحلة الأولى ، حزب الإخوان والمستقلون كانوا فى الصدارة ، لم يتدخل النظام بصورة سافرة بعد ، استخدم بعض الحيل والألاعيب ، منها اللعب فى قوائم الانتخابات سواء تغيير أماكنها أو بعض أسمائها الواثقون أنهم ضد النظام أو …………. أو ………….. ، لم يجد ذلك أو ينفع ، فى المرحلة الثانية ، تم تغير التكنيك ، استيقظ الموتى من رقادهم ليعطوا أصواتهم لمرشحى الحزب الحاكم ، أيضا العديد من العاملين بالقوات المسلحة و…………. و…………. . حقق الحزب الحاكم بعض التحسن ولكن ليس بالصورة المطلوبة ، لن يسمحوا بأغلبية غير حزبهم حتى لو اضطروا إلى التزوير بشكل علنى وسافر. كان ذلك من صالح المهندس سمير ، ضحوا فعلا بمرشحهم ليقفوا وراء المهندس سمير المستقل ويتصدى لمرشح حزب الإخوان المسلمين النشط والذى يلتف حوله الكثير ، لجأ النظام فى المرحلة الثالثة لطرق جديدة اختلفت عما قبلها ، أغلق دوائر انتخابية بعينها عن طريق الجيش والشرطة حتى يحد من شعبية المعارضة وخاصة الإخوان ، تعجب الكثير من موقف ابنه حمدى لموقفه المعادى لوالده ، سأله بدهشة واستنكار :

* إنت واقف مع مرشح الإخوان ضدى ياحمدى !
* أنت الآن مرشح ………. أما والدى شىء آخر

تلك الأفكار الجريئة وجدت رواجا بين كثير من الشباب ، أما إيفون وقفت بجانب سمير ظاهريا على الأقل ، ربما نظرتها كمستثمرة تحتاج لذلك . ظل مقر المهندس سمير الانتخابى سواء فى بلدته أو فى المدينة مفتوحا للجميع ، الشاى والقهوة وربما عشاء أو غذاء دون قيود لأنصاره ومعاونيه ، أنفق الكثير ولكنه يظن أنه بعد نجاحه فى مجلس الشعب سيعوضه وزيادة ، يكفى أنه سيحتفظ بالحصانة البرلمانية ، لم يفته أن يعد الجميع ويمنيهم بأحلام كبيرة وعريضة فرشها تحت أرجل مسانديه ومناصريه ، وعدهم بمحاربة الفساد وتحقيق العدالة والديمقراطية ، الكثير لم يستسغ تلك الكلمات الكبيرة ، يظنون أنها مجرد كلمات لملء الفراغ أو للإستهلاك المحلى ، لم يكن كريما فى حياته أكثر من هذه الأيام ، أيضا استعان بصديقه المستشار وزملائه ، من حسن حظه أنه كان هو المسئول عن دائرته ، ربما تكون مدبرة أو أتت بالصدفة ، هذه الأمور غير ظاهرة للعيان ، بعد نجاح سمير فى عضوية مجلس الشعب أكد الكثيرون بأن هذا القاضى قد قلب النتيجة رأسا على عقب ، أعطى أصوات مرشح الإخوان لسمير وقلب النتيجة ، قد يكون خطأ غير مقصود . كان من المعروف فى فرز الأصوات تقدم مرشح حزب الإخوان منذ البداية حتى النهاية ، تأخر إعلان النتيجة بسبب الحشود التى كانت تلتف حول مبنى فرز الأصوات ، أعلن القاضى النتيجة النهائية فجأة وهرب من باب خلفى بمساعدة الأمن ، لم تنفع أو تجدى احتجاجات المعارضين . شككوا فى النتيجة وأخذوا يرددون ويهتفون :

* تزوير …………. تزوير

طاردتهم قوات الأمن الجاهزة والمستعدة بأعداد كثيفة ، اعتقلوا بعضهم بحجة إحداث شغب ومقاومة السلطات وتهم أخرى كثيرة ، أهل البلدة أحست بخيبة الأمل عندما انضم سمير إلى الحزب الحاكم . كانت ظاهرة عامة . معظم المستقلين الذين نجحوا فى الانتخابات انضموا إلى الحزب الحاكم سواء بموافقتهم أو تحت وعيد وتهديد ، خاب أمل الكثيرين فيهم ، يظنون أن تحولهم من مستقل إلى الحزب الحاكم تزوير لإرادتهم ، بذلك أصبح الحزب الحاكم له الأغلبية المطلقة فى مجلس الشعب ، سمير أصبح له اسم جديد ، تنحنى الرقاب أمامه وهم يرددون :

* سيادة النائب راح سيادة النائب جه ……………

فى الخفاء يردد أعداؤه :

* سيادة النايبة …………………….

الأسطى كسبانى أيقن فى النهاية أنه لافائدة من الوقوف ضد التيار ويؤمن بالواقع والاستفادة منه ، تغير موقفه تماما من سمير بك ، أصبح من المؤيدين له ، يشيد به فى كل مكان ، تحول غريب لفت انتباه الكثيرين ، أخذ بعضهم يردد :

* صحيح راجل منافق ………….. قبل مايكون عضو فى مجلس الشعب …………

أصبح تواجد سمير بالبلدة أو المدينة نادرا ، مشاغله كثيرة ، لم تأخذه شيرين هذه المرة بل أخذته المصالح والصفقات ، أخذت زوجته سميحة تؤنبه وتلومه :

* من يوم مانجحت فى الانتخابات وانت فى مصر على طول
* مصالح ياسميحة و…………
* المهم متكونشى رجعت لشيرين تانى و …………..

قاطعها

:

* شيرين ! زواجى من شيرين كان جواز مصلحة وانتهت

لم تكن زوجته سميحة تدرى شيئا عن حكاية إيفون ، توطدت علاقات التصدير والاستيراد بينهما لكنه لم يرو ظمأه حتى ولو قبلة واحدة منها ، محتلة لقلبه ، أغدق عليها من الهدايا أضعاف ما أنفقه فى الانتخابات ولم يرق قلبها له بعد ، أخذ يفكر فى عرضها الأخير بأن يعتنق دينها لحين الزواج منها ، إنه واثق تماما من فحولته ، ستركع أمامه وتهتف بعد زواجه منها :

* أنت الرجل الذى كنت أبحث عنه و……………

تراجع مهرولا عن تلك الأفكار المدمرة . كيف له أن يترك دينه وهو أزهرى من أجل إمرأة لها سقطاتها وزلاتها و………………. ، يمكنه تحقيق مأربه لو أسكرها ، أخذ يتحين لها الفرص فى أكثر من مرة ينفرد بها بحجج كثيرة :

* عيد ميلاد …………. تحقيق صفقة

فى كل مرة يصبان فى جوفهما كؤوس الخمر فتفقده وعيه وإدراكه ، يفيق من ثمله ليجد نفسه وحيدا بائسا ، لم تتأثر إيفون بسطوة الخمر ، دائما تكون حذرة فى تعاطيها لها . أخذ سمير يتابع تحركاتها لعله يكتشف نقطة ضعف ضدها ، يود أن تكون خالصة له وحده ، مرة أخرى يعرض عليها زواجه منها ، تغيرت نغمتها عما قبل ، لانت بعض الشىء ، ربما يكون ذلك أسلوب جديد لاستنزافه :

* بصراحة لم أفكر فى الزواج بعد ……………. و أوعدك ستكون زوجى لو غيرت رأيى

يشتعل قلب سمير بحبها ، يشعر بأنه أصبح أكثر اقترابا منها عما قبل ، تكاد تفتح ذراعيها ليندس بين أحضانها ، ماض فى تحقيق هدفه مهما كلفه ، لأول مرة فى حياته تستعصى عليه امرأة وتعذبه وتشقيه بحبها ، تلعب بفؤاده وعقله ، مفتون بها ، أصبح يرافقها فى سفرها إلى أمريكا والعودة إلى مصر ، لديه حصانة برلمانية ، يعرف كثيرا من مراكز القوى ، مخلص للنظام كما هو مخلص لحبيبته إيفون ، يظن أن زوجته شيرين غافلة عنه ، لم يدرك أن علاقتها قوية ومتشابكة مع إيفون ، تحرك كل الأطراف لصالحها ، الكل فى حاجة ماسة إليها ولكنها أكثر حوجا وعوزا إلى حبيبها حاتم

العصمة فى يدها (26 )

سمير أصبح من الأعضاء البارزين فى مجلس الشعب ، لم يعد يهتم بمصالح دائرته أو حتى يأتى إلى بلدته إلا نادرا أو مضطرا فى جنح الظلام ، متهربا من طلبات أصحاب المصالح ومنسلخا من وعوده التى وعدها لهم من قبل ، حتى زوجته سميحة بدأت تضجر وتسأم من هذا الأمر ، أيقنت أن ارتمائه فى أحضان مجلس الشعب قد سرقه منها ، تزوج المصالح والمال والشهرة وطلقها طلقة بائنة . من قبل كانت تشتكى من ضرتها شيرين ، أصبح مجلس الشعب هو عدوها الحقيقى كما تظن ، لم تشك فى أن تكون له علاقة بامرأة أخرى ، الممرضة التى كانت تمدها بالمعلومات لم تعد تسمع صوتها منذ أن هاجمتها بقسوة فى آخر مكالمة هاتفية لها ، توقفت عن مطاردة سمير بعد أن أصبح عضوا مرموقا فى مجلس الشعب وأخذ موقعا جديدا قياديا به ، كل شىء يسير كما خطط له ووفق إرادته إلا إيفون ، لم تخضع لمشيئته ، فشل فى شراء قلبها ، احتار فى أمرها ، كل السبل والحيل أعجزته لكسب ودها ، عرض عليها الزواج مؤخرا والإحباط واليأس يسيطر عليه :

* ألم تفكرى فى الزواج بعد ؟
* ليس بعد أن أحصل على الجنسية المصرية

كانت إجابة مشجعة على غير توقع منه :

* بسيطة ولكن ماذا ستفعلى بالجنسية المصرية ولديك الجنسية الأمريكية

وابتسامة عريضة واثقة تمر على شفتيها :

* يمكن أرشح نفسى لمجلس الشعب أو أصبح وزيرة أو …………

لم تمر بضعة شهور إلا وقد حصلت على الجنسية المصرية بمساعدة سمير بك ، سرعان ماذكرها بوعده بأمر زواجها منه ، فاجأته :

* نتفق على المهر أولاً
* سأوقع لك شيك على بياض وتكتبى فيه الرقم الذى يناسبك
* مهرى تطلق سميحة وشيرين

جال بخاطره أنه يستطيع تلبية مطلبها وإن كان سيلاقى بعض الصعوبات . المهم أنها وافقت على الزواج منه مؤخرا ، أخذ يمنى نفسه بأمنيات عريضة بأن تدخل الإسلام وتترك دينها ، فضل أن يكون ذلك لاحقا وليس الآن ، فاجأها :

* موافق على دفع مهرك ……….
* المهم الشفافية والصدق

رنت كلمة شفافية وصدق فى أذنيه ، سدت الطريق أمامه ، تراجع عن تزوير أوراق طلاقهما كما كان ينوى ، أدار الأمر فى رأسه مرة أخرى  ، بعد صمت وتفكير قال لها :

* أتركى لى بعض الوقت حتى أدبر شئونى
* أنا لست مستعجلة

عندما انفرد بنفسه أخذ يدير الأمر من كل جوانبه متعجبا ومستنكرا طلب إيفون ، كيف غيرت رأيها ووافقت على الزواج منه فجأة وتترك دينها المتعصبة له ، لايدرى مايدور بمخيلتها ، حاول تبرير موقفها لصالحه :

* ربما أحبتنى بعدما عاملتنى ، وبعد الزواج ……………

واثق من فحولته وإن تباطأ نبضها عما قبل ، يخشى أن تكون قد أثرت عليه تلك الصراعات البغيضة التى تدور داخله ، تذكر أنه منذ أن أصبح عضوا بالبرلمان تهاوت قدرته الجنسية بشكل واضح ، ربما يكون تأثير نفسى وسيزول بزوال المؤثر ، لقد تهامس معه الكثيرون من زملائه فى هذا الأمر ، يشكون مر الشكوى بسبب تبدل أحوالهم ، أزواجهن تمردن عليهم ، المشكلة أنهن لايقدرن الأعباء والضغوط النفسية الرهيبة التى تقع على أزواجهم ، على أى حال فهو أفضل من زملائه بكثير وخاصة الذين فى عمره ، يظن أنه لو أخذ قسطا من الراحة سيعود كالحصان وأكثر ، ليس هناك مانع من أن يجرى بعض الفحصوات خشية أن يكون مريضا بالسكر ، يظن أن حلقه جاف دائما ، قبل ذلك عليه أن يخطط للخلاص من سميحة وشيرين بأقل الخسارة الممكنة ، سيكون الأمر صعبا مع سميحة كما يتوقع ، سيقف ابنها حمدى وأخته عثرة فى طريقه ، أصبحا يمداها بالقوة والتمسك بحقوقها ، سيفقد إحترامهما له لو طلق أمهما ، سيلوكون سمعته بالبلدة ، كذلك ابنه وائل من شيرين قد كبر وانضم إلى حزب المعارضة مع أخيه حاتم من الأم ، لم يعتنق أفكار حاتم العلمانية ولا أفكار حمدى الأقرب إلى اليمينية أو حتى ينسجم مع الأفكار اليسارية ، إنه معارض لوالده سمير وكفى . أفكاره متذبذة ، لم تتبلور بعد ، مزيج بين الاتجاهات المختلفة ، على أى حال فهو يشكل ضغط من الضغوط على والده سمير التائه ، الحائر بين زواجه من إيفون ودفع مهرها المتجسم فى طلاق شيرين وسميحة ، أخذ يبرر لنفسه :

- عندما تدخل إيفون الإسلام مقابل طلاق زوجتيه فهو صفقة رابحة ، ممكن

إعادتهما إلى عصمته فى الخفاء بعد زواجه من إيفون

تلك الفكرة حسمت كل الصراعات داخله ، الحظ وقف بجانبه أيضا فى أمر طلاق سميحة عندما سمع حوار بينها وبين صديقتها وزميلتها التى كانت تعمل معها مدرسة بالكويت . جاءت فى طلب المساعدة من زوجها سمير لإتمام التحاق ابنها بكلية الشرطة بعد اجتيازه كل الاختبارات المطلوبة ، متوقف قبوله بالكلية على كشف الهيئة أو “الوسطة” كما يقولون ، تأمل أن يكون زوجها سمير “وسطة” لابنها ، أخذت سميحة وصديقتها يثرثران معا عن أيام الكويت ، تطرقا إلى حادثة اغتصابها و………. ، أخذت سميحة تلعن هؤلاء الأفاكين من الشباب الكويتى و………. ، تطايرت الكلمات إلى أذنى سمير زوجها الذى كان متواجدا بالغرفة المجاورة لهما دون أن يشعرا ، علت فوق شفتيه ابتسامة ماكرة ، أيقن فى تلك اللحظة أن جاءه الفرج للخلاص من سميحة زوجته ويطلقها دون أى احتجاج منها أو تذمر ، عندما عرضت عليه خدمة ابن صديقتها أظهر تعاطفا معها على غير ماكانت تتوقع منه ، لم يخدم أحدا من أبناء دائرته منذ أن أصبح عضوا بمجلس الشعب ، أخذ من صديقتها كل البيانات اللازمة ورقم هاتفها وعنوان سكنها ، قرر أن يخدمها بحق ، هذا الأمر سهل وهين له وفى متناول يده ، عندما تقابل معها بناءً على موعد متفق عليه أخذ يفكر فى مدخل منطقى وطبيعى للاهتداء إلى بغيته :

* اطمئنى ابنك اعتبريه ضابط شرطة من الآن …………

أخذت تدعو وتثنى عليه إلى أن قالت :

* لن أنسى لك هذا الجميل ياسيادة النائب وربنا يقدرنى أوفى هذا الدين
* بسيطة ………. أنا محتاج منك توضيح بسيط مقابل خدمتى
* تحت أمرك

بعد صمت وتفكير وكلمات رصينة وهو يتطلع تحت قدميه :

* ماحدث لزوجتى سميحة أثناء وجودها بالكويت أنت الوحيدة التى تعرفينه …..

قاطعته :

* طبعا ياسيادة النائب ومازلت أتذكر ماحدث وكأنه الآن
* سميحة حكت لى كل شىء ولكننى أود أسمعها منك لكى أتأكد من شىء ما …………
* بصراحة سميحة زوجتك مظلومة و …………….

بعد أن انتهت من حكايتها قال لها :

* بصراحة نفس الحكاية اللى حكتها لى سميحة

تظاهر سمير بالارتياح لكلماتها بعد أن نثر مزيدا من عبارات الإعجاب والثناء بها كعادته مع النساء ، تركها وكل تفكيره منصب فى كيفية تنفيذ خطته ، خصص فرع شركة الاستيراد والتصدير بالبلدة لها وابنها :

* من اليوم انت مسئولة عن فرع الشركة انت وابنك
* ورأس المال …………

قاطعها :

* عامل حسابى كل الأموال التى أخذتها منك ومكسبها و………….

أعطاها شيك باسمها ، أخذت تتطلع فى الرقم المكتوب فيه بدهشة واستنكار ، بكلمات متباعدة قالت له :

* وما الذى ذكرك بفلوسى الآن !
* بخلص ذمتى من ربنا

تساءلت بينها وبين نفسها :

* ضميره لم يستيقظ إلا الآن !

عندما فاجأها بحكاية الاعتداء عليها بالكويت أخذت تربط بين الأحداث ، سألته :

* مين قال لك على الحكاية دى ؟
* مش مهم مين اللى قال لى …………. المهم خبيتى عليه ليه ؟
* يعنى كنت هقول لك إيه ؟

قاطعها وخاصمها مبديا حزنه وتأثره منها ، استقر بمصر ، فى آخر لقاء معها ألمح لها بالانفصال :

* أنا لاأستطيع الاستمرار معك كزوج بعد خيانتك لى
* لم أخنك

اتفقا أخيرا على أن يتم الطلاق بينهما دون علم ابنها أو بنتها أو حتى أقرب الأقربين إليها ، بعد أن طلقها قال لها :

* حينما تستريح نفسيتى سأردك لعصمتى

انتهى سمير من طلاق سميحة بسهولة ويسر أكثر مماكان يتوقع ، الصدفة لعبت معه دوراً كبيراً ، يعتقد أن طلاق شيرين ليس بالأمر الصعب ، فى البداية كان زواج مصلحة وقد انتهت تلك المصلحة تقريبا ، المهم المدخل أو البداية التى يدخل بها إليها . كان حاتم ابنها تحادث معها فى هذا الأمر بطريق غير مباشر :

* الوقتى انت لاحصلتى متجوزة ولا مطلقة …………..

ضاعت فى أفكارها ، تذكرت خيانتها لزوجها عاطف من قبل ……….. ، بعد معاملتها لسمير عن قرب أحست أنها خٌدعت فيه وأنها ارتكبت جريمة لا تغتفر فى حق زوجها ونفسها ، شريط طويل من الذكريات أخذ يدور بمخيلتها والعرق يتصبب من جبهتها ، بعد أن أفاقت من أفكارها قالت لابنها حاتم :

* عندك حق …… ولكننى لو طلبت منه الطلاق سيساومنى و …………

لم يكن يعاملها معاملة الأزواج منذ أن فض الشراكة معها ، لولا ابنه  وائل لما اتصل به هاتفيا ، لم يكن متعلقا به كتعلقه بأمه وأخيه حاتم ، عندما انتابه مرض مفاجىء جمع بينهم جميعا فى فيلا شيرين ، باغتت سمير ساخرة حينما وقع نظرها عليه :

* ياترى إيه اللى فكرك بنا ؟
* جئت لأطمئن عليك وعلى وائل و…………
* انت أصلا لم تكن تعرف أن وائل مريض ! هات من الآخر

أحس سمير أن الفرصة مواتيه لتحقيق هدفه وإن كان الجو يسوده التوتر ، أخذ يردد كلماتها الأخيرة وكأنها أصابت قلبه وكرامته :

* أجيب من الآخر !
* أيوه هات من الآخر ………. إنت مبتجيشى إلا إذا كان لك مصلحة

بعد أن ارتدى ثوب الحزن الذى أحكمه عليه بدقة :

* أفهم من كلامك إنك معنتيش عايزه تشوفينى ؟
* أفهم زى ما تفهم

حاول سمير تثبيت كلماتها الأخيرة حتى لاتتنصل منها مرة أخرى :

* الظاهر انك أعصابك تعبانة وبتقولى أى كلام ………….
* بالعكس ….. أنا عمرى ماكانت أعصابى هادية زى الوقتى

بكلمات مفتعلة :

* أنا عندى كرامة ولا أقبل تلك الإهانة و ……………
* خلاص طلقنى

بعد صمت وتفكير مختفياً خلف قناع الهدوء والسكينة :

* لسانى ميقدرشى ينطقها ………….
* عايز كام وتطلقنى …………

قذفها فى وجهها وكأنه يثأر لكرامته المراقة :

- انت طالق بالتلاتة .

العصمة فى يدها ( 27 )

سمير أنهى أمر طلاق شيرين ، أعطاها بسخاء ، وهو يسلمها ورقة طلاقها قال لها :

* عموما أنا تحت أمرك لو حبيتى ترجعى ……………
* لاأظن

على الفور جرى نحو إيفون ليزف لها البشرى ، لم يكن يتصور أن الأمر سيكون سهلا وميسرا بهذه الطريقة ، تم كل شىء كما تمنى وإن كانت الظروف لعبت دورا حاسما معه ، وأسارير وجهه متهللة والفرحة تقفز من عينيه قدم لها قسيمتا الطلاق لكل من شيرين وسميحة :

* نفذت طلبك بالحرف الواحد
* تقصد طلبى الأول
* فى طلب آخر ؟ !
* نعم . توقع على معاهدة زواج حتى أضمن حريتى وعدم تحكمك فى بعد زواجى
* معاهدة زواج !

عرضت عليه بنودها التى كانت جهزتها مسبقا بدقة وعناية ، أخذ يقرأها على مهل ، أحس أنها مجحفة له ، بنودها فضفاضة ، يمكن تأويلها إلى أكثر من معنى ، غير مستوعب بزواجه بوصايه أو معاهدة ، لم يسمع عن هذا من قبل ، أمر جديد وغريب ، هونت عليه الأمر وهى تقرأ فى عينيه أمارات التردد :

* حاجة عادية …………. كل المتحضرين يفعلون ذلك و……………

وخزته كلمة المتحضرين ، لم يعد الفلاح إبن القرية ، هز رأسه موافقا :

* موافق ولكن يمكن تأجيل زواجنا بعد انتخابات مجلس الشعب و………….

الحزب رشحه واختاره ، لم يعد فى حاجة لعلاقات بعينها أو تقديم خدمات لكل من هب ودب ، سيصبح الأمر مقصورا على أقل القليل الذين لهم تأثير مباشر ، لم يهتم بأى منافس له حتى ولو كان من حزب الإخوان ولكنه لم يتوقع أن يجد ابنه حمدى هو منافسه الأول ، حاول ترضيته ليتنازل ولكنه رفض رفضا قاطعا . كانت أمه أخبرته بأمر طلاقها من والده على الرغم من تشديده لها . حمدى أصبح ولى أمرها فى كل شىء ، حقق نجاحات كبيرة فى الاستثمار بعيدا عن إيفون ووالده . سانده فى انتخاباته حزب الإخوان المسلمين القوى والنشط ، لافتاته سيطرت على كل شبر فى أرجاء الدائرة ، الكل يؤيده ويقف بجانبه ضد والده . كان قد خيب آمال الكثير من الذين أعطاه صوته من قبل ، شعبيا وجماهيريا الانتخابات فى صالح ابنه حمدى ، محبوب بين الجميع ، الكل يترقب اللحظة الحاسمة ، مرشحو الأحزاب الأخرى اتفقوا جميعا ضد سمير لكونه يمثل النظام القائم ، لقد وعدوهم بأن الانتخابات ستكون نزيهة وشفافة . ظن الناخبون أن الأمر سيختلف عن الإنتخابات السابقة ولكنهم فوجئوا على غير ذلك ، تحولت مقار اللجان الانتخابية إلى ثكنات عسكرية لصالح مرشحى الحزب الحاكم ، تم تزوير كل شىء ليتقدم المهندس سمير المرشحين بجدارة ، أصوات السخرية والازدراء انهالت عليهم من كل صوب :

* طيب كانوا بيعملوا انتخابات ليه ! و ……………….

عاد سمير إلى مجلس الشعب بقوة ، فقد حبه وولاءه لأبناء دائرته وبلدته ، سقط فى نظر الكثيرين من أولهم أخيه الطبيب صادق . كان قد انضم إلى حمدى مؤخرا ، على النقيض من ذلك توطدت علاقة سمير بكسبانى ، أخذوا يهمسون :

* ما محبة إلا بعد عداوة …………. ، الطيور على أشكالها تقع ………………

لم يتبق لسمير إلا أن يتزوج بإيفون كما اتفقا من قبل ، تغيرت أفكار سمير بعد أن نجح فى مجلس الشعب :

* كيف له أن يقبل تلك المعاهدة الجائرة …………….

عزم على نقضها أو تعديلها على الأقل ، تولدت فى رأسه فكرة مباغتة ، ظن أن إيفون سترحب بها ، على الفور فاجأها :

* ما رأيك تدخلى الإسلام و…………….

قاطعته :

* ليس لدى مانع ولكن العصمة تكون فى يدى

لم يتوقع سمير ردها ، نسى أنها عرفت الكثير عن الإسلام وعادات وتقاليد المصريين و …………… ، على الفور عدل عن طلبه :

* خلاص كل واحد يفضل على دينه والعصمة تكون فى يدى

بعد صمت وتفكير :

* أنا أصلا قررت الدخول فى الإسلام سواء تزوجتك أو لم أتزوجك

فقد سمير توازنه ، لم يكن محاورا ذكيا ، انهار أمامها ،بعد أن استعاد هدوءه فكر فى الأمر من جديد . قفز فى مخيلته فجأة أن فحولته قادرة على تغيير كل شىء بعد زواجه منها ، كل اللاتى عاشراهن سواء مدام نجاح أو …………… حتى مدام برناديت أمها تشهد بكفاءته . مشهود له سواء بالداخل أو فى الخارج بحسن بضاعته و…………، ستركع إيفون تحت قدميه ………… تم إعلان زواجهما فى حفل ضخم حضره كثير من المستثمرين والمسئولين وأعضاء مجلس الشعب و …………. ، سالت الخمر أنهارا ، لم يتوقف الرقص والغناء من مغنين وراقصين وراقصات مشهورين حتى الصباح ، أخذ سمير يعلن بكل فخر بعد أن نالت منه الخمر :

* إيفون أسلمت …………. إسمها الجديد فيفى

التزمت ببعض قواعد الإسلام ، ملبسها لم يتغير كثيرا ، أحيانا تزور المعبد اليهودى و……………….  ، متأرجحة بين عادات وتقاليد المسلمين واليهود ، زوجها سمير يظن أن الأمر يحتاج لبعض الوقت حتى تصبح مسلمة حقيقة ، سيصبر عليها لبعض الوقت حتى يكسب فيها ثواب كما يردد دائما ، فوق ذلك هو يحبها وسيتغاضى عن بعض هناتها ، لايضجر من مداومتها لاحتساء الخمر داخل بيتها وفى الحفلات وأثناء عقد صفقات تجارية فقط فى وجوده طبعا ، إنه مسيطر على كل شىء مادامت الأمور تجرى أمام عينيه ، يتبرع بجزء من مكسب هذه الصفقات فى أوجه الخير ، ما يقلقه فحولته ، لم تصبح كما كانت من قبل ، يبدو الإسراف فى تناولها أو تقدم العمر به ……………… ، أو هناك أشياء خفيه لايدركها ، لجأ إلى المنشطات مضطرا ، لم تظهر تقدما ملموسا ، يبدو أن بئر فحولته قد نضب ، أصبح يواجه كارثة حقيقية لم تكن فى حسبانه ، يظن أن رأس ماله الخفى قد سٌرق منه . كان يعلق عليه آمالا عريضة ، لايستطيع مفاتحتها الآن فى البنود السرية من معاهدة الزواج أو حكاية العصمة أو ………….. . تذكر فجأة المرحوم المهندس عاطف وإغراقه فى بحور الشهوة والجنس وما آلت إليه خيانته من زوجته شيرين قبل رحيله على يديه ، اضطر سمير إلى تناول طعام بعينه ليمده بالقوة والنشاط ويستعيد كفاءته ، عكف على الراحة فى البيت ، أسند كثيرا من الأعمال إلى زوجته فيفى ليتفرغ لحبيبته ، مازال لسانه ينطق باسمها القديم إيفون دون أن يدرى ولكنه يتدارك خطأه فى الحال ، هى كذلك تشعر من داخلها بنفس الشعور ، الاسم الجديد لايلفت انتباهها أو يثير لهفتها ، اكتشفت ذلك مؤخرا . مضى مايقرب من عام على زواجها  ، لم تنجب ،  خشى أن يكون قد أُصيبت حيواناته المنوية هى الأخرى بالضعف والخنوع ، يتمنى أن تنجب منه حتى يحفظ اسمه وأمواله ، هى الأخرى تتمنى أن تنجب من حبيبها وعشيقها حاتم . العلاقات قائمة بينهما ولم تنقطع ولكن فى الخفاء . زوجها سمير مجرد إطار مذهب يبهر الناظرين إليه ، أصبحت سيدة مجتمع بارزة ، مصرية مسلمة ، ظاهرها يدور فى فلك زوجها سمير ، يتطلعون إليها بنظرات إعجاب وتقدير ، يحسدون سمير لاقترانه بها و …………. ، أحيانا سمير يواسى نفسه :

* أنا أفضل من غيرى ، زملائى المستثمرين …………….. و …………… وأصدقائى  و………………

سرعان ماترتد أفكاره لتؤكد أن قدراته أصبحت محدودة ، قبل هزيمته على مضض ، انزوى داخل نفسه ، ركبته الهموم ، ركن إلى زوجته إيفون لإدارة شركته ، اليأس والإحباط يلازمه ، إيفون تدرك ما يدور بمخيلته ، لعبت على ذلك الوتر ، تشعره بوجوده وكيانه وتشجعه من خلال كلمات رنانة بعينها ، تغمره السعادة ، بينما هى بين أحضانه فى حالة صفاء همست له فى أذنيه :

* اعمل لى توكيل عام لإدارة أعمال الشركة و ……………

دون تفكير وقع لها . كل الأوراق كانت جاهزة ومعدة لتلك اللحظة ، فى الصباح سحبته إلى الشهر العقارى لإتمام المهمة ، لم يكن واعيا أو مدركا لما يدور حوله ، تم كل شىء وكأنه فى حلم . بعد أن انتهت من مهمتها طمأنته :

* لما تحس إنك رجعت لنفسك نلغى التوكيل و  ………………..

بهمهمات متقطعة :

* آه ……………أكيد ………….. و ………………

انعزل سمير عن شركته وعمالها وموظفيها  و……………….. ، تهامسوا فى حقه بكلمات ساخرة :

* هو شغال ست بيت اليومين دول ……….

إيفون أو فيفى بعد التعديل حققت مكاسب ضخمة . كانت تستعين بنفوذ زوجها ، انضمت هى الأخرى إلى الحزب الحاكم ، التف حولها الكثيرون والمشجعون ، أخذت شمسها تبزغ ، نشاطها مع حاتم يتصاعد بنفس الوتيرة أو أكثر ، سواء عمل صفقات مشتركة أو الارتواء من فحولته المتدفقة  فى الخفاء ، زوجها سمير محا من ذاكرته منافسه حاتم ، لم يعد يطارده فى خياله بعد أن تزوج من إيفون ، شبع منها حتى الامتلاء ، يمتلكها فى أى لحظة كما يظن ، لم تعد اللعبة الثمينة التى كانت تبهره كما كان من قبل ، اكتشف كل أسرارها ، تحول عنها لمطاردة الفتيات الصغيرات ، يظن أنه من الممكن أن يجد نفسه معهن ، أخذت ترمى فى طريقه العديد منهن بحنكة ودهاء ، حينما تضبطه متلبسا مع أحداهن تزغزغه بكلمات عتاب رقيقة وكأنها غافلة عما يدور :

* إحنا عجزنا ولا راحت علينا و………………..
* نفسى ماعت من الحاجات المسكرة قلت أغير طعم فمى بقطعة مخلل

أحس سمير أن إيفون لاتنزعج من خيانته لها ، تناسى معاهدة الزواج وبنودها السرية والعصمة التى فى يدها ، أدمن اللعب مع الفتيات المراهقات والخمر و ………….. ، يخيل إليه أنه بالجنة ، إيفون تظن أن كل شىء يسير وفق تخطيطها ، أصبح سهل الإنقياد ، خاضع لمشيئتها .

العصمة فى يدها ( 28 )

أصبح لكل من سمير وإيفون عالمهما الخاص وإن كانا يجمعهما مكان واحد ، حتى لو التقيا على فراش واحد فيكونان فى حالة سكر وتيه ، أصبح سمير يتعاطى الخمر بإفراط وإسراف شديدين أكثر من تناوله وجبات طعامه ، مازالت إيفون مقتصدة فى احتسائها الخمر ، دائما تكون مدركة لما حولها إلا فى حالات نادرة ، راضية وقريرة العين لغياب زوجها سمير وتغيبه ، أهملته ، تناسته ، أحيانا يلومها معاتبا فى لحظات إفاقته النادرة:

* أنا مشفتكيش من زمان و………………..

وهى تبتسم فى وجهه باستخفاف :

* أنا معاك كل يوم بس إنت دائما سكران ………..

ربما اختنق زواجهما ، تظن أن زوجها الحقيقى حاتم ، يظهر معها فى كل مكان بما فيهم شركة سمير ، اقتران إيفون وحاتم بذهن الكثيرين ، أحيانا تصحبه إلى فيلا الزوجية معها فى وجود سمير ، غالبا مايكون ثملا ، غير مدرك لما حوله ، قد تكون إحدى الفتيات بين أحضانه ، تنزوى إيفون مع عشيقها أمام عينيه فى حجرة خاصة بهما ، حاتم يرثى لحال غريمه سمير ، تعلو شفتيه إبتسامة ساخرة مغلفة بالشماتة والكره العميق ، كلمات الممرضة مازالت تسكن داخله ، لاتفارقه ، تدفعه دائما للانتقام من سمير التائه فى ملكوت الزيف ، اللاهث خلف النساء الشبقات ، حينما يقع نظره على حاتم يجهد ذاكرته فى محاولة لتذكره ، تخونه ، يسأله بكلمات متلعثمة :

* يخيل لى أننى رأيتك قبل ذلك ؟

حاتم ساخرا :

* فى مقهى المعلم حرنكش ……………….
* يمكن

يدير له ظهره  متسللا مع عشيقته ، سمير يتابعهما بنظرات زائغة ، يحاول اللحاق بهما ، تسقط من فمه كلمات ميتة :

* إنت رايح فين يا…………..

يحاول اللحاق بهما ، يفقد توازنه ، قد يسقط من فوره أو يعود لصب الخمر فى جوفه ، حاتم وإيفون يمارسان معا طقوس الرغبة والاشتهاء ، قد تتنامى إلى أذنى سمير تأوهاتهما وتشنجاتهما ، يظن أنه فى حلم ، عندما يفيق إلى نفسه يعاتبها :

* بنادى عليكى ما بتعبرنيشى ………………

تقاطعه :

* أكيد فى الحلم
* أنا كنت شيفك معديه من هنا ومعاكى واحد ……………
* أوهام ياسمير ……………….. روح نام ……………..

لم يعد يدرى إن كان يعيش فى الخيال أم فى الحقيقة ، تداخلا معا فى مخيلته . كانت قد هربت معظم أمواله للخارج بموجب التوكيل العام دون أن يدرى ، أخذت تضارب بها فى البورصة ، تجيد التعامل فيها كما تجيد اللعب فى موائد القمار بطرق خبيثة غادرة ، شهيتها مفتوحة دائما لجمع المزيد من الأموال ، مازالت لها علاقات تجارية متميزة مع شيرين وأخيها هانى ، زوجها سمير غائب عن كل شىء ، أحيانا يفيق مضطرا لزوم أعمال قهرية وحتمية بمجلس الشعب أو غيره ، يسأله دائما :

* إنت فين ؟ كل ماأدور عليكى مالأكيشى …………….
* بتسأل ليه ؟ ………. عايز إيه ؟
* انتى زوجتى …………….

تتطلع إليه بقرف وامتعاض وتتركه وحيدا فى صمت ، جعلته يفكر فى أحواله ، ساعده على ذلك مكالمات هاتفية من الممرضة ألهبت تفكيره . كانت تتابع أحواله فى الخفاء :

* ياسيادة النائب فوق لنفسك …………. كنت عامل عفيف عليه و ……….

آخرون من أصدقائه لفتوا انتباهه بكلمات كلها تصب فى علاقة حاتم بزوجته إيفون بطريق غير مباشر . معارضون أخذوا يلمحون عنه بطرق ملتوية ، ربما يكون من أبناء دائرته أو مستثمرين منافسين له ، أخذت تلوكه الألسنة :

* مش عارفين مين فيهم الراجل

كان ذلك سببا مباشرا لعودته إلى نفسه ، أخذ يفكر فى معاهدة الزواج وبنودها السرية والعصمة وما آلت إليه أحواله ، يشعر بضآلته ، تأخذه كرامته ، يفيق إلى نفسه لبضعة أيام ، سرعان ماتنهار عزيمته ، ينتكس ، يرتد نحو الخمر والثمالة والتيه ، زوجته إيفون واثقة تماما بأنه لن يعود إلى ماكان عليه ، سيظل تائها ثملا تابعا يدور فى فلكها ، ينجح أخيرا زوجها سمير فى الإقلاع عن الخمر ، شريط حياته يمر أمامه دون توقف ، انزعجت إيفون حينما وجدته بالشركة أمامها ، أخذ يفتش فى مستندات الشركة وصفقاتها ، اكتشف مؤخرا أن حاتم عاطف أصبح شريكا معه ، سأل زوجته بدهشة واستنكار :

* حاتم شريك معنا بالشركة ؟ !

فى تواصل وبكلمات متلاحقة وكأنها معدة وجاهزة :

* أعمل إيه ………….. ماانت سايب الحمل كله فوق دماغى لوحدى وعايش حياتك مع الخمر والنسوان و……………….

ابتلع إهانته فى صمت ، عزم على أن لايعود إلى غيابه مرة أخرى مهما كانت الأسباب ، سيتحدى نفسه ، عاود حساباته بالشركة مرة أخرى أخذ يدقق فيها ، فاجأه أن الشركة حققت مكاسب ضخمة فى غيابه ، على الفور جال بخاطره تصفية حسابه مع الشريك حاتم المفروض عليه ، اتجه إلى البنك لمعرفة رصيده ، دارت برأسه أفكار مباغتة :

* من قبل طرده حاتم الصعلوك من شركة والده و………… و …………..

أصبح يطارده كالأشباح ، لن يهدأ له بال حتى يطرده من شركته وربما الحياة كلها . فوجىء بأن إيفون سحبت معظم أرصدته وهو فى حالة غياب ، كاد قلبه يتوقف ، تحامل على نفسه ، قصد إيفون والغضب يأكله من داخله ، يفكر فى قتلها إن لم ترد له أمواله ، تعبه وشقاه ضاع فى لحظة من غيابه . لم تكن متواجدة بالفيلا كعادتها ، قصد صديقه هانى ليخلصه من تلك الورطة ، لم ينس أنها حبه الأول و………….. كانت العلاقة شبه مقطوعة بينه وبين هانى ، تعجب لزيارته المفاجئة ، سأله مباغتا :

* أكيد جاى تعمل معايا صفقة كبيرة …………………….. ،

تراجع سمير عما فى رأسه ، خاب أمله فيما كان يفكر فيه ، حاول تبرير زيارته له :

* بصراحة أنا مقصر فى حقك ياهانى وأتيت لزيارتك للاطمئان عليك و………….
* شعور طيب منك ياصديقى ونحن أهل قبل كل شىء ……………

ظن سمير أن مفاتحة صديقه هانى سيكون سخفا وعبثا لامعنى له فى هذا الوقت ، سيمهد له فيما بعد ، عاد إلى بيته مقهورا ، الإحباط يسيطر عليه ، لم تأت إيفون إلى البيت بعد تذكر فى تلك اللحظة أن غيابها لم يكن للمرة الأولى ، عندما قابلها فى اليوم التالى سألها وهو يكتم غيظه :

* لايوجد بالبنك إلا مبلغ بسيط !
* سحبتها وأودعدتها فى أمريكا خشية أن يستولوا عليها

تظاهر بعدم اللامبالاة ، انفعاله ليس فى صالحه ، يفكر فى إسترداد أمواله فى هدوء وصمت ، بدأ العمل كمستثمر فى شركته بما تبقى له من أموال فى الخفاء ، يفكر فى الاستعانة بزوجته سميحة ، ستقف بجانبه ، يتمنى أن يعيدها إلى عصمته مرة أخرى ، سيعوضها عن حرمانها بعد استرداد امواله من إيفون ، أخذ يتابع تحركاتها فى الخفاء ، عيونه أكدت له أن حاتم هو عدوه اللدود ، لم يعد هناك احتمال آخر ، إحساسه كزوج مخدوع يزيد من كآبته وحزنه ، هذا الشعور لم يخامره من قبل ، مايزيد الطين بلة هو أن يكون هذا الولد حاتم غريمه ، إيفون هى الأخرى تخشى أن يعود إلى وعيه مرة أخرى ، لو أفاق سينغص عليها حياتها ويهددها بالخطر ، تظن أن عودته إلى الخمر والغياب أمر ميسور وسهل ، مجرد سهرة معه وحده و …………….. ستنهى الأمر برمته ، قررت أن تعطيه نفسها لليلة او ليلتين ، العلاقة بينهما كزوجين مشلولة ، تذكرت أن عيد ميلادها على الأبواب . كانت مفاجأة لسمير عندما دعته للاحتفال معها بعيد ميلادها وحدهما . ظن أن هناك أمور خفية وراء هذه الدعوة المباغتة ، مازال قلبه متعلقا بها ، وافقها بعد صمت وتفكير ، لمعت فى رأسه أفكار شيطانية :

* من السهل الخلاص منها وهى ثملة …………… الأمر يحتاج إلى تخطيط محكم …….. سيكون هو نفسه عيد وفاتها …………. ربما يكون حاتم من ضمن المدعوين ، سيناله ما ينالها ……………

تشكك فى الأمر متراجعا مرة أخرى . يظن أنه لايستطيع استرداد أمواله بهذه الطريقة ، قد يكون أوصت بها للكلاب أو لأعمال خيرية أو عدوها اللدود نفسه ، أخيرا تراجع عما فى رأسه عن تلك الأفكار ، اعتذر لها مؤخرا عن عدم حضوره تلك الحفلة لأسباب قهرية خارجة عن إرادته ، سيفكر فى طريقة أخرى مأمونة ومضمونة العواقب ، خشيت إيفون أن يكون قد اكتشف اللعبة ، انتابتها بعض الشكوك بالفشل فى مهمتها ، ستقضى ليلتها مع حبيبها حاتم وتفكر فيما بعد فى طرق جديدة ، هيأت نفسها لقضاء ليلة مجنونة ، جالت بخاطرها أفكار سوداء لأول مرة ، تخشى أن يفيق حاتم من لذة متعتها هو الآخر بعد ما يتقدم بها العمر ، ستفقد نضارتها ، فارق السن بينهما شاسع ، ستفقد بريق أنوثتها وروعتها ، ربما يدير ظهره تجاهها ، سيتمرد عليها ، قد يصبح له حرية الاختيار ، ربما يستعيد إرادته المسلوبة ، لن يدور فى فلكها . طردت تلك الأفكار المدمرة من خيالها ، احتست الخمر ، أخذت تستمتع بحبيبها حاتم ملقية توجساتها خلف ظهرها ، بعد أن قطع الليل شوطا غافلها سمير مقتحما الفيلا ، فاجأته آهاتها  وتشنجاتها المغلفة باللذة والمتعة وهو مسمر أمام باب حجرة نومها ، فكر فى الإستعانة بالشرطة والضغط عليها حتى تكون سيفا قاطعا لتسهيل استرداد أمواله السليبة منها ، بعد صمت وتفكير تراجع عما فى رأسه خشية الفضيحة و………….. وأشياء كثيرة ، أحس بضآلته ، لم يعد قادرا على التفكير فى أى شىء ، آهاتها المجنونة تغمد فى صدره ، فى التو تذكر عندما كان يمارس المتعة واللذة مع شيرين أمه وزوجها عاطف وحيدا يصارع الموت داخل حجرته المظلمة ، ذكريات ومآس تمر مسرعة عبر ذاكرته دون توقف ، ربما لو تخلص من عدوه اللدود لعادت إليه حبيبته إيفون بكل كيانها و …………… ، تفكيره هداه إلى أن يلفق له تهمة ، المصيبة أنه لاينتمى إلى جماعات دينية ليسهل عليه الأمر إنه علمانى و……… ، الأفكار المتصارعة تجرى به بعيدا دون توقف ، أخيرا وجد نفسه يدير المفتاح الذى استنسخه مؤخرا فى كالون باب حجرة نومها ، مرق محازرا ، تطلعت إليه بإزدراء  دون أن تغير من وضعها ، أكملت استمتاعها مع عشيقها الذى تجاهل سمير تماما. أخذ يتطلع إليهما فى ذهول وحيرة ، غير مستوعب لما يدور حوله ، شعور بالمهانة والإذلال يسيطر عليه ، تسمر كالمشلول أمامهما ، الكلمات ماتت فوق شفتيه ، بعد أن فرغت من استمتاعها صرخت فى وجهه :

* ياحيوان ………………

ظن أنه ارتكب فاحشة كبيرة ولن تغفر له ، الأمور مقلوبة فى رأسه ، كان يتوقع أنها ستخر مغشية عليها بمجرد أن يقع نظره عليها وهى فى حالة تلبس وعرى كامل . أدار ظهره لهما فى صمت هاربا من نظراتهم الشرسة ، يجر ساقيه فى تخاذل قاصدا فيلا بيت الزوجية ، مهدود القوى ، خاصمه النوم ، جال بخاطره أن يستعين بكأس أو كأسين من الخمر تنسيه همومه ، قفز كالملدوغ ، فضل أن يتناول قرصا مهدئا اعتاد استعامله مؤخرا ، وهو يفتش عن مكان العلبة اصطدمت يده بعوازل لمنع الحمل ، غريبة الشكل ، لايدرى من يستعملها ، أعادها إلى مكانها فى هدوء وصمت ، تذكر فجأة أنه لم يضاجع زوجته إيفون منذ شهور فائتة ، اكتشف أنه قد خٌدع خلال سنوات ماضية ، سرقت منه طفله الذى كان يحلم به ، أخذ يقلب الأمر فى رأسه ، عاجز عن اتخاذ قرار حاسم وفاصل ، يظن أن قلبه اللعين تآمر معها عليه ، أيقظه من أفكاره وقع أقدامها وهى تمر بالصالة ، لم تلتفت إليه ، تابعها بعينين مستكينتين ، مالبثت أن دلفت حجرة عشقها . كانت بمفردها ، لم تكن ثملة ، أحس أنها كفرس جامح فشل فى ترويضه ، يتمنى أن تصفح عنه وتعيده إلى أحضانها .

العصمة فى يدها ( 29 )

ماحدث بين إيفون وسمير مؤخرا ربما كان بمثابة إعلان شرعى عن فسخ علاقتهما معا ، حاتم قد يكون أصبح زوجها الشرعى ، تصطحبه معها فى كل مكان على مرأى ومسمع من سمير سواء فى الشركة أو حتى إلى غرفة العشق والهيام ، لم يعد يهمها إن كان ثملا أو فى حالة فواق ، ربما رضخ لسطوتها وقهرها ، أو يفكر فى أمر ما ، اهتدى أخيرا إلى مداهمة حجرة العشق والغرام الخاصة بإيفون لعله يجد دليلا يعيد إليه أمواله أو يخلصه من عصمتها . كانت إيفون وحاتم يقضيان معا وقتا ممتعا بقريتها السياحية الخاصة ، سمير يتابع أخبارها فى الخفاء . كان موفقا لاقتحامه غرفتها فى هذ الوقت بالذات ، لم تكن غرفة بل كانت أشبة بشقة صغيرة داخل الفيلا ، بدأ التفتيش فى دولاب ملابسها ، فاجأته قمصان نوم و………….. تستخدمها لحاتم اثناء لحظات العشق المجنونة ، سرعان مااستباح قدسية المكان حتى بما فيه دورة المياه ، فى النهاية حصل على غنائم كثيرة منها مبلغ كبير من المال بالدولارات ، مجوهرات خاصة بها و …………….. وأشياء أخرى لم يكن يتوقع وجودها فى هذا الوكر ، فتح هذا الأمر شهيته للبحث فى أرجاء الفيلا ، وجد صورة من قسيمة الزواج والمعاهدة وحسابات لصفقات بينها وبين حاتم ، يظن أن الاصطدام معها حتمى ولكن يجب أن يكون مستعدا لتلك اللحظة ، جبروتها ممتد وطاغى ، إن لم يجهز عليها فى لحظة خاطفة من غيابها سترتد عليه بكل عنفوانها وترديه قتيلا ، وحش كاسر حينما يثور يحرق كل ما حوله ، ظن أن تقليم أظافر حاتم سيحد من دفاعاتها القوية ، لو اختفى من أمامها سيتمكن من السيطرة على قلبها ، سيتحرر من استعمار حاتم لها ، ربما تعود إليه صاغرة . سمير لفق له تهمة محكمة البنيان مستخدما كل نفوذه وجبروته ، قد تؤدى إلى إعدامه ، لم تكن فى الحسبان :

* حاتم عاطف يتزعم جماعة من عبدة الشياطين وممارسة الدعارة وتعاطى الهيروين والكوكاين و………….. و……………

فقدت أمه شيرين صوابها ، تاهت ، لم تعرف ملابسات مايدور حولها ، غرقت فى أفكارها ، ظل ابنها حاتم مسجونا على ذمة القضية خمسة عشر يوما ، بعد البحث والتنقيب أدركت أن طليقها سمير وراء تلك اللعبة ، لم تكن تدرى أنه سرق منه إيفون ، تم تجديد حبسه عدة مرات ، فشلت كل توسلاتها ودموعها مع سمير للعفو عنه ، فى كل مرة يردد :

* أنا مليش دخل فى الموضوع ده ………….. الظاهر انك متعرفيش حاجة عن ابنك …………..

تلك الكلمات جعلتها تعيد حساباتها من جديد ، تذكرت أن ابنها حاتم لم يدخن سيجارة واحدة طوال حياته فكيف يكون مدمنا للهيروين و …………. ، أيقنت فى النهاية أنها تصفية حسابات قديمة بينه وبين سمير طليقها ، ابنه وائل من شيرين الذى يدين بالولاء لأخيه حاتم ، تنصل لوالده واستنكر الأمر برمته ، هاجم والده ، انتهى الحوار الساخن بينهما بالسب والنعت بألفاظ نابية لم يكن يتوقعها منه ، لن تؤثر تلك المهاترات على سمير كما يظن ، يكفى أنه أرهب إيفون ، قضية حاتم مجرد كارت إنذار موجه لها حتى تدرك أنه قادر عليها مهما كان نفوذها وسيطرتها ، تستمد قوتها من قوته ، شيرين طليقته لجأت إلى صديقتها إيفون ، لم تكن تدرى أى شىء عن المعركة المشتعلة بينها وبين سمير ، فاجأتها بابتسامة عريضة مؤكدة لها :

* اطمئنى ابنك حاتم سيطلق سراحه غدا وبدون كفالة و ………….

تجمدت شيرين فى مكانها من هول المفاجأة ، اغرورقت عيناها بدموع الفرحة ، أدركت فى التو مدى سلطان إيفون  ونفوذهاالمطلق ، أخذا يتبادلان أطراف الحديث معا ، تركزت حول سمير وتلفيقه التهمة الخطيرة لابنها حاتم ومن قبل الصفقة التى أراد بها تدميره لولا وقوف إيفون بجانبه . بعد أن تم الإفراج عن حاتم وعودته لحياته الطبيعية أيقن سمير أن إيفون هزمته فى عقر داره وفى قلب منطقة نفوذه ، قصد بلدته هربا أو ربما يود أن يعيد تفكيره من جديد ، لم يزرها منذ زمن بعيد ، أدرك أن معالمها تغيرت كثيرا عما قبل ، شٌيدت أبراج سكنية متعددة فى قلب الأراضى الزراعية ، الفوضى والعشوائيات سادت فى مختلف المجالات ، إحساس بالغربة يطارده ، لم تعد قريته أو مدينته التى عرفها من قبل ، تقابل بالصدفة مع صديقه راشد ، لم يعره انتباها ، أعطاه ظهره موليا ، بأسى قصد سمير طليقته سميحة . عندما مرق بيتها أحس أنها تغيرت فى شكلها كثيرا ، بعد أن تحدثا وتحاور معها أيقن أن أفكارها قد تغيرت هى الأخرى أو ربما هو الذى تغير دون أن يشعر ، عرض عليها إعادتها إلى عصمته مرة أخرى ، صمتت دون إبداء رأى ، لم تكن متحمسة للعودة إليه ، ربما تعودت على حياتها الجديدة بدونه ، أحست بالغربة نحوه على الرغم من ذلك تمنى نفسها أن يكون بجوارها بحق ولكنها لن تقبل أن تعيش معه على الهامش ، قالت له بعد صمت وتفكير :

* سأفكر فى الأمر
* الأمر لايحتاج لتفكير ……… إننى فى حاجة إليك ………..

توسلاته لها جعلت قلبها يرق نحوه :

* ليس عندى مانع ولكن لاتلعب بى مرة أخرى
* سأعوضك عما فات

أحس سمير أنه دق أول مسمار فى نعش إيفون ، يظن أنها غافلة عنه وعن تصرفاته . كانت ترصد كل تحركاته فى الخفاء ، عيونها مفتوحة عليه ، بمجرد عودته إلى القاهرة كانت قد عرفت كل التفصيلات . هو الآخر كان يتابع كل تحركاتها وخاصة مع عدوه اللدود حاتم ، تغدق عليه الأموال الطائلة ، تحافظ على مظهره ، دائما ملابسه واحتياجاته كلها تأتى بها من الخارج ، فحص دورى مستمر للاطمئنان على صحته ……………. عن طريق أطباء أجانب ، طائرة خاصة تقله معها هنا وهناك ، ربما اندمجت مشاعرهما وأفكارهما معا ، لن تصطدم معه بعد أن روضته لحسابها ، أمه ستبارك تلك الزيجة ، نفوذ وهيمنة إيفون يغطى على أى سلبية من سلبياتها ، زوجها سمير يود أن يضع نهاية لتك العلاقة المشينة ، افتضح أمره ، ليس بالزوج أو العشيق أو ………….. الألسن تلوكه فى كل مكان ، ربما تقذف فى وجهه كلمات السخرية والإزدراء مباشرة ، عاجز عن مواجهتها :

* معرص …………. إزاى يسمح لنفسه إن مراته تخونه قدام عينيه ……..
* ياجماعة العصمة فى إيدها ……….. وعامل معاها معاهدة زواج سرية و ……..
* مسكاه من رقبته ………….. كل فلوسه معاها …………..

سمير فاض به الكيل ، يخشى أن تجره إيفون إلى معركة غير مستعد لها . كان قد جهز نفسه مؤخرا لعمل صفقة كبيرة بأمريكا ، تم تأجيل سفره بسبب أعياد الميلاد ، إيفون تتابع كل تحركاته ، تعرف كل شىء عن تلك الصفقة ، يمكن أن تستخدم نفوذها لوضع عراقيل أمامه ، تود إذلاله كزوج قبل أن تبدأ المعركة الفاصلة بينهما ، غيرت المفتاح بعد اقتحامه لها من قبل دون أن يدرى ، فوجىء بها تمرق من باب الفيلا متأبطة عشيقها حاتم ، قهقهاتها المجلجلة كادت تصم أذنيه ، تطلع إليهما مشدوها ، أحس أنها تستدرجه أو تنصب له كمين ،ضبط جماحه بعد تذكر صفقته الضخمة التى يعول عليها أملا كبيرا التى لم تتم بعد ، ستعيد توازنه ، ربما تجعله قادرا على مواجهتها بعد ذلك . يخشى الاصطدام بإيفون . ظل يتابعها فى صمت وهى تمرق من باب حجرة العشق مع حاتم ، دقات قلبه تتسارع ، بخطوات مهزومة تسلل ناحية الحجرة ، يشعر بالخجل ، يتصبب عرقا

أفكاره المتلاطمة تغرقه فى بحور العجز والتيه ، دون أن يدرى تسمر أمام باب العشق ، غير قادر على اقتحامه بعدما بدلت مفتاحه مؤخرا. فجأة نهض بهستيريا تجاه المطبخ ، خطف منه سكين ، يظن أنه يصلح لتلك المهمة ، نصله لامع ، ظل ينتظر فتحها باب حجرة العشق ليطعنها خلسة فى قلبها ، أخفى السكين بين ملابسه فى انتظار اللحظة المناسبة ، تشنجات إيفون تغمد فى صدره ، لايملك دفعها ، يحترق من الداخل ، الإحباط كاد يشله ، بعد أن أطفات إيفون ظمأها وارتوت  من عشيقها فتحت باب الحجرة بثقة واطمئنان ، انفجرت فى ضحكاتها الهستيرية حينما وقع نظرها على زوجها سمير ، لاحقها بكلمات مرتعشة خفيضة :

* إنتى بتخونينى قدام عنيه و ………….. ومش أول مرة ……….. أنا لحد الوقتى جوزك و …………

بعد أن أطلقت ضحكة ساخرة هزته من الداخل :

* بخونك ؟ ! ……….. أنا بنفذ معاهدة الزواج اللى بينى وبينك و …………..

كلماتها أصابته إصابة مباشرة ، قواه تنهار ، دارت رأسه دورات سريعة ، على الفور تذكر أنه قد خانها من قبل عشرات المرات على مرأى ومسمع منها ، ارتبطت خيانته لها فى مخيلته بمعاهدة الزواج وبنودها السرية و………… ، أخذ يلعن تلك المعاهدة وما جلبته له من مصائب و……….. ، يشعر بالتعاسة ، يظن هو الذى سجن نفسه بمحض إرادته ، سينقض تلك الاتفاقية ويتحرر منها ولكنه تذكر أن العصمة فى يدها ،أخذت إيفون تتقافز بخطوات مرحة قاصدة الحمام الكبير  ، فكر فى طعنها بسكينه ، الحق والقانون فى صالحه كما يظن ، إنه يدافع عن شرفه وكرامته ، بعد أن حسم تفكيره فى أمر طعن إيفون كانت قد مرقت حمامها . ليس أمامه غير حاتم عشيقها . كان قد انتهى من ارتداء ملابسه ، يتجه خارج الغرفة دون أى اعتبار لوجود سمير ، يفكر فى طعنه من الخلف خشى أن يرتد عليه فيرديه قتيلا ، خصمه شاب قوى ، قطعا لديه وسائل دفاعاته وهجومه الصاعق التى أعدها له فى تلك اللحظة ، بعد أن أحس بعجزه أخذ يتمتم بينه وبين نفسه :

* المجرم الحقيقى هو إيفون ……… لماذا أتمسح فى عشيقها ………….

كان متجها تجاه باب الفيلا دون أدنى اكتراث بخصمه ، ظل يتابعه سمير بنظرات أسى وحسرة حتى اختفى من أمام ناظريه . كانت إيفون ملقاة على ظهرها بالبانيو ، المياه الرقراقة تغطى جسمها الناعم البض ، تضرب برجليها بسعادة بالغة وكأنها تسبح فى بحور اللذة ، تغنى أغنية محببة لنفسها بصوت هامس منعش ، سمير يتابعها من خلف بصاص الباب فى حالة تأهب ، بريق الشهوة يفقده كثيرا من اتزانه وتماسكه ، انتهت من حمامها ، أخفت جسدها بروب أحمر فاقع ، إنه يتذكره جيدا ، أخفى سكينه بين ملابسه عندما همت بالخروج من الحمام ، بكلمات ساخرة حينما وقع نظرها عليه :

* إنت واقف تحرسنى !

كلماتها أفقدته كل ماتبقى من مقاومة وإصرار داخله ، اتجهت نحو حجرة ملابسها ، تبعها سمير لاهثا فى محاولة للحاق بها ككلب يتبع سيده ، دارت ذاكرته دورات سريعة ، توقفت عند بداية زواجه منها حتى تلك اللحظة ، الباب مغلق فى وجهه ، انتهت إيفون من ارتداء ملابسها ، باغتها متسائلا وهى تتجه للصالة وكأنها محصلة أفكاره :

* عايز فلوسى ؟
* الفلوس دى هتكون لابنى
* ابنك من مين ؟!

وهى تشير على بطنها :

* أنا حامل فى الشهر الخامس ………….

كاد يسقط من فوره مغشيا عليه ، بصعوبة تذكر أنه لم يجامعها كزوج منذ أكثر من ستة شهور ، أخرجته من أفكاره وقع خطواتها المنتظمة وهى تتجه نحو باب الفيلا ، فاجأته :

* على فكرة ابنى يشبهنى خالص زى ماشفته فى الأشعة التلفزيونية و ………..

أيقن سمير أن ماتحمله فى بطنها ليس من صلبه ، غالبا ما سيكون ثمرة لقائها مع عدوه حاتم ، تشابكت الأمور فى رأسه ، بصعوبة بالغة استجمع بقايا كلمات يحتفظ بها داخله :

* خلاص ننفصل وترد لى أموالى ………

دون أن تلتفت إليه :

* فى الوقت الذى أحدده
* والطفل الذى ستنجبيه !
* هذا أمر يخصنى

جن جنونه ، جرجر قدماه نحوها بخطوات مضطربة فى محاولة لطعنها بسكينه ، سيرديها قتيلة هى وطفل خطيئتها ويمسح عاره ، لحق بها وهى تكاد تمرق من باب الفيلا ، أحست بخطواته المضطربة خلفها ، توقفت ، استدارت ، وهو يهم برفع سكينه عاليا لطعنها فى ظهرها صوبت نحوه مسدسها المحشو بالرصاص والجاهز لتلك اللحظة تجاه رأسه . كانت تخفيه داخل حقيبتها ، تجمدت يده فى مكانها ، تلبسه الرعب حبات العرق الساخنة غطت وجهه وهى تتطلع إليه بنظرات قرف وامتعاض :

* أنا فى حالة دفاع عن نفسى ويمكننى أن أريحك بطلقة رصاص من مسدسى ولكنك لاتستحقها و ……….

أحس بالمهانة والعجز ، على التو أدارت ظهرها بثقة واطمئنان نحو سيارتها التى فى انتظارها ، عجز لسانه أن يتفوه بكلمة واحدة ، تملكته رعشة مفاجئة ، كادت قدماه تخونه ، هاجمته فكرة مجنونة . كانت تٌلح عليه من قبل ، بصعوبة استجمع ما تبقى له من قوى منهارة ، سيفعلها ويريح نفسه من عذاباته ، على الفور وجه سكينه الحاد نحو صدره ، ارتعشت يده تصبب عرقا ، سقط السكين من يده .

°°°°°°°°°°

صدر للمؤلف:

المسافات المفقوده                 مجموعة قصصيه

محاكمة كلب                     مسرحيه

ثمن الحريه                     مسرحيه للأطفال

الخديعة                         مسرحية للأطفال

الوطن الحبيب                 مسرحية للأطفال

الغول                          مسرحيه

الحمار يعرف كل شيء        مجموعة قصصية

سيسقط البيت                مجموعة قصصية

القلب المسروق              روايه

تحت الطبع

الغائب                         روايه

دموع التماسيح            رواية للأطفال

مذكرات ديك                 رواية للأطفال

عملية إجهاض              مسرحية

للدخان رائحة أخرى       مجموعة قصصية

الجسر                    مسرحية

العصمة فى يدها              رواية

* عضو إتحاد كتاب مصر
* نائب رئيس إتحاد فرع الدقهلية ودمياط
* عضو نادى القصة
* نائب رئيس أتيليه المنصورة
* تليفون 2220509 /050   -   محمول : 0121531511
* العنوان : جمهورية مصر العربية -    المدينة : المنصورة
* صندوق البريد :  964 – الرمز البريدى : 35521
* البريد الإلكترونى  aliawad1947 @yahoo.com
* العنوان بالتفصيل : جمهورية مصر العربية – محافظة الدقهلية – سندوب قسم أول المنصورة – شارع داير الناحية – منزل رقم 2 بجوار مسجد القبابى
* المؤلف : على على على عوض
* ملحوظه  : لدى أعمال لم تنشر بعد يمكنكم قراءتها ونشرها لديكم سواء مجموعة قصصية أو عمل للأطفال أو رواية أو مسرح بغض النظر عن المسابقة وهى أعمال متميزة وجديرة بالإحترام ويمكنكم قراءة بعضها على الفيس بوك والإيميل : au.aliawad.gmail .com
* بالإضافة إلى الدراسات المحتلفة سواء من الدكتور / ابراهيم عوض أو الدكتور مدحت الجيار أو الدكتور عبد الحميد القط أو الأستاذ صبرى قنديل أو الدكتور محمود اسماعيل وغيرهم

Be Sociable, Share!

أضف تعليق

  • April 2014
    M T W T F S S
    « Sep    
     123456
    78910111213
    14151617181920
    21222324252627
    282930  
  • Archives

  • Categories

  • Recent Posts

  • Categories