My marvelous first thumbnail

ولايزال صلاح عبد الصبور حاضراً بشدة في ذاكرة الحداثة الشعرية، وفي وجدان الأمة

شهد الوطن العربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كثيراً من ألوان التحول الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وبلغت حركات الاستقلال في الوطن العربي، والأوطان المحيطة به، في آسيا وأفريقيا، أوجها، وجاء ضياع فلسطين، مأساة عميقة، مست نفس كل عربي، وأثارت صراعاً عسكرياً وسياسياً ممتداً، وحدثت تحولات اقتصادية واجتماعية ضخمة في بعض أرجاء الوطن العربي، باكتشاف مصادر جديدة للثروة، غيرت وجه الحياة في تلك البلاد، وزادت من ارتباط الوطن العربي بمشكلات العالم الحديث وقضاياه، وكان لكل ذلك أثره في الشعر، فبدأ كثير من الشعراء ينفرون من ذاتية الوجدانية المسرفة، وانشغالها بقضايا فردية، لم تعد، بعد أن ظهرت الأوضاع الجديدة، قادرة على التعبير عن حاجة المجتمع وروح العصر، وهكذا، بدأت بواكير الواقعية، تظهر في الشعر والقصة القصيرة والرواية، وامتد التغيير في الشعر إلى بناء القصيدة ولغتها وموسيقاها، فلم يعد الشعراء يقنعون بما أحدثه الوجدانيون في بناء القصيدة العربية من أشكال جديدة، فراحوا يلتمسون شكلاً، يستطيعون أن يقتربوا خلاله، من واقع الحياة اليومي، ويعبرون عن ذلك الواقع بكل تفصيلاته، فظهر الشعر الحر، الذي يتجاوز نظام المقطوعة، متغيرة القوافي، ويعتمد على وحدة التفعيلة، ولا يقصد قصداً إلى القافية، بل يوفق في ذلك بين طبيعة التجربة والصورة، وما تقتضي من إيقاع، في حين رفض بعض الشعراء، مبدأ “الالتزام” السياسي، الذي كان قد بدأ الواقعيون يناقشونه، ويدعون إليه، وهو التزام الشعراء بالإلحاح على صور الحياة اليومية، أو مشكلاتها السياسية، بينما جمع كثير من الشعراء بين شعر الالتزام، وشعر الوجدان، كالذي نراه عند بدر شاكر السياب، الذي لا يكاد يخلو ديوانه من قصيدة أو أكثر، يحن فيها، حنيناً رومانسياً، إلى مراتع الطفولة. كان أصحاب الالتزام، كما أشار عبد القادر القط في كتابه “الاتجاه الوجداني”، يرون في الشاعر مناضلاً سياسياً واجتماعياً، يشارك بفنه الواقعي في أمور السياسة والمجتمع، فاعتنق بعض هؤلاء الشعراء الفكر اليساري، وآمنوا بالاشتراكية التي رأوا فيها الخلاص، على حين ظل الرومانسيون يصورونه إنساناً مرهف الحس، قلق الوجدان، يأسى لما يشهد في المجتمع، من مفاسد ومظالم، ويعذبه شعور دائم بالغربة، في حياة جهمة، مليئة بالمرارة والضياع، ولذا، تعد تلك الفترة، التي ظهر فيها رواد الشعر الحر، فترة فاصلة بين مرحلتين كبيرتين في الشعر العربي، ومن رواد هذه المرحلة: صلاح عبد الصبور، وبدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وأحمد عبد المعطي حجازي، وآخرون، ولكن المتلقي لشعرهم، يرى حزناً صريحاً ملتاعاً يغلفه، على أن بعض رواد الشعر الجديد، قد انتهوا بهذا الحزن الصريح الملتاع، إلى حزن آخر، شجي رقيق، ينداح في النفس الرومانسية، فيشيع فيها أسىً ضبابياً، لا يدرك الشاعر كنهه، ولا دواعيه، كذلك الحزن الذي نصادفه عند كثير من الشعراء الغربيين، مثل إليوت وغيره، ومن النماذج البديعة التي صورت هذا اللون من الحزن، قصيدة لصلاح عبد الصبور بعنوان: “الشيء الحزين”، يقول في مقاطعها: “هناك شيء في نفوسنا حزين..قد يختفي ولا يبين..لكنه مكنون..شيء غريب غامض حنون! لعله التذكار! تذكار يوم تافه بلا قرار..أو ليلة قد ضمها النسيان في إزار..لعله الندم! فأنت لو دفنت جثة بأرض..لأورقت جذورها وأينعت ثمار ثقيلة القدم! لعله الأسى..”، يلاحظ في المقاطع السابقة إيقاعاً خافتاً، يلائم ذلك الشيء الحزين الحنون، وفي ذلك يقول القط: إن الشاعر قد أخذ نفسه، منذ بداية حياته الشعرية، بأن يحرر شعره من التوتر الدائم، محاولاً أن يقترب من طبيعة الحياة اليومية، في جرأة على استخدام ألفاظ وعبارات، جرى العرف على وصفها بأنها غير شعرية، كقوله مثلاً في قصيدة له بعنوان: “الحزن”: “يا صاحبي إني حزين..طلع الصباح فما ابتسمت ولم ينر وجهي الصباح..وخرجت من جوف المدينة أطلب الرزق المتاح..وغمست في ماء القناعة خبز أيامي الكفاف..ورجعت بعد الظهر..في جيبي قروش..فشربت شاياً في الطريق..ورتقت نعلي”، لقد ظل الشاعر في هذه المرحلة مشدوداً بين الماضي والحاضر، فإن التحول الحضاري والمدني السريع الذي طرأ على بعض أرجاء الوطن العربي، قد زاد من إحساس الشاعر بألم الانسلاخ عن ماضيه، وزاد من ارتباطه بهذا الماضي، وحنينه إليه، حنيناً رومانسياً، وكثيراً ما يتخذ من الغربة المؤقتة التي تفرضها ضرورات الحياة عليه، وسيلة للتعبير عن هذا الانسلاخ، في صورة حنين إلى المواطن الأولى، في نقائها وفطرتها، وقد عبر عن هذا الإحساس، طائفة من رواد الشعر الحر المعاصرين لصلاح عبد الصبور، الذي وصف نفسه في تلك المرحلة بقوله: “أنا إنسان يضنيني الفكر، ويعروني الخوف، أنا إنسان يظمأ للعدل، ويقعدني ضيق الخطو”، وكان من هؤلاء الشعراء ممن التفت إلى مظاهر حياة المدينة، فوجدها تناقض ما ألفه في القرية، من فطرة نقية، وصلات إنسانية، وراعه منها كيف يفقد الفرد وجوده، وكيف يوضع الناس في قوالب من حياة يومية نمطية، فنجد ذلك عند عبد المعطي حجازي، في قصيدة: “مقتل صبي”، و”سلة ليمون”، على أن صلاح عبد الصبور قد أحب المدينة، مع إدراكه لكل ما تجلبه إلى النفس من شقاء، مرتبطاً بها ارتباطاً، يمتزج فيه السخط بالرضى، كالذي نراه في بعض قصائده، ومنها قصيدة: “أغنية للقاهرة”، يقول في بعض مقاطعها: “وحين رأيت من خلال ظلمة المطار..نورك يا مدينتي عرفت أنني غًللت..إلى الشوارع المسفلتة..إلى الميادين التي تموت في وقدتها..خضرة أيامي..وأن ما قدر لي يا جرحي النامي..لقاك كلما اغتربت عنك..بروحي الظامي..أهواك يا مدينتي الهوى الذي يشرق بالبكاء..إذا ارتوت برؤية المحبوب عيناه”. ويعد الليل، بظلامه وهمومه، عند صلاح عبد الصبور، محور الكثير من قصائده، فنراه يعبر عن ذلك الإحساس في قصيدته: “رحلة ليل”، يقول: “الليل يا صديقتي ينفضني بلا ضمير..ويطلق الظنون في فراشي الصغير..ويثقل الفؤاد بالسواد..ورحلة الضياع في بحر الحداد..فحين يقبل المساء يقفر الطريق..والظلام محنة الغريب”. وهكذا، تنتهي مرحلة عند عبد الصبور، لتبدأ في الستينيات مرحلة التحول والنضج الحقيقي، وقد انعكس ذلك في بعض دواوينه، ففي ديوانه: “أحلام الفارس القديم”، 1964، تبدو الرغبة في العودة إلى الطبيعة والفطرة، والفرار من أثقال الحياة ووطأة الناس، في صورة أمنيات معهودة، متأثراً ببعض صور الشعر الأوروبي، يقول: “لو أننا كنا كغصني شجرة..الشمس أرضعت عروقنا معاَ..والفجر روّانا ندى معاَ..ثم اصطبغنا خضرة مزدهرة..حين استطلنا فاعتنقنا أذرعا..لو أننا كنا جناحي نورس رقيق..وناعم لا يبرح المضيق..محلق على ذؤابات السفن..يبشر الملاح بالوصول”، وحين ظهر ديوانه: “أقول لكم”، 1960، قال عنه النقاد: إنه أشبه بجنازة تودع الشعر الجديد، ومن أجمل قصائد هذا الديوان، قصيدة: “الظل والصليب”، فحين نقرأ هذه القصيدة، نخرج بشعور غامض، يتحرك في نفوسنا، ويشبه رجاء النقاش هذا الشعور، باللحظة الأولى التي تذوب فيها ثلوج الشتاء المتراكمة، أمام أول لمسة من دفء الشمس، فهي ثلوج تتكسر، ويتباعد بعضها عن بعض، وتسمح لخيوط مائية قصيرة تسير بينها، فمن القراءة الأولى لهذه القصيدة، ندرك أن الشاعر يحاول اقتحام عالم الفلسفة، ليخلق من قصيدته عملاً فنياً، مرتكزاً على أفكار عميقة، فهي تعبر عن فكرة إنسانية، وهي “وحشة الإنسان ووحدته في العالم”، فالإنسان يولد، ويجرب شتى التجارب، مثل الحب والمعرفة واللذة والألم، وفي لحظة من اللحظات، يكتشف أن الحياة محزنة، وخالية من المعنى، وقد اهتم الأدب العالمي، اهتماماً كبيراً، بهذه التجربة الإنسانية، وكانت وحياً لكثير من الأعمال الأدبية المعروفة، مثل: “دون كيشوت”، و”فاوست”، وبطل قصيدة عبد الصبور، مثل أبطال هذه الروايات، فهو يحس بسطحية الحياة، وعدم عمقها، فيتجه بمشاعره إلى الثورة عليها، وإعلان إفلاسها، وكأنه يقول: لابد من عالم جديد، وبطل “الظل والصليب”، ليس بطلاً إيجابياً، فالبطل الإيجابي، هو البطل الذي لا يخطيء، ولا يعرف الشر ولا اليأس، ونقيض البطل الإيجابي، ليس البطل السلبي، ولكنه البطل الذي يعيش في صراع نفسي، وبطل قصيدة “الظل والصليب”، هو إنسان يصارع نفسه، ويصارع عالمه الخارجي، ويحس بالتناقض، ويجرب، ويحلم، ويفشل، وتبدأ القصيدة بهذا البيت: “هذا زمان السأم..”، ويذكرنا مطلع القصيدة، بمقطع من قصيدت تي إس إليوت: “الأرض الخراب”، حين يصف الشاعر الإنجليزي مدينته لندن: “إنها مدينة الوهم”، ويذكرنا أيضاً بتلك الصرخة التي أعلنها “هاملت” في مسرحية شكسبير: “ما أشد ما تبدو لي عادات هذه الدنيا مضنية، عنيفة، تافهة، لا نفع منها”، ذلك أن هاملت خاض تجربة الحياة القاسية، في شتى أشكالها، والرموز الهامة في قصيدة الظل والصليب هي: “ملاح السفينة”، و”الظل”، و”الصليب”، يقول: “ملاحنا هوى إلى قاع السفين واستكان..وجاش بالبكاء بلا دمع..بلا لسان..ملاحنا مات قبيل الموت حين ودع الصحاب..والأحباب والزمان والمكان..عادت إلى قمقمها حياته..وانكشفت أعضاؤه ومال..ومد جسمه على خط الزوال”، فالملاح هو المعرفة البشرية اليقينية، غير أن الملاح يفشل في هذه المحاولة، حيث تعترضه جبال الملح، يقول: “هذي جبال الملح والقصدير..فكل مركب بجنبها تدور..تحطمها الصخور”، فالملاح يشير هنا إلى المعضلات الإنسانية الغامضة، والتي يرمز إليها بجبال الملح والقصدير، لقد مات الملاح قبل أن يصل إلى غايته، ويعود الشاعر إلى السخرية من الملاح: “ملاح هذا العصر سيد البحار..لأنه يعيش دون أن يريق نقطة من دم..لأنه يموت قبل أن يصارع التيار”، فالفكر والمعرفة، لا يصارعان، وبهذا، تعجز المعرفة عن إعطاء معنى للحياة، أما “الظل”، فهو “ذات الإنسان ونفسه”، يقول: “ومن يعش بظله يمشي إلى الصليب في نهاية الطريق..يصلبه حزنه تسمل عيناه بلا بريق”، فجزء من الأزمة التي يعيشها الإنسان، هو أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش مع نفسه بصدق، أما “الصليب”، فهو الفكرة الكبرى التي يؤمن بها الإنسان، ويعيش من أجلها، فطريق الفكرة الكبيرة، محفوف بالحزن: “تصلبني يا شجرة الصفصاف لو حملت ظلي فوق كتفي وانطلقت..وانكسرت أو انتصرت”، فالصليب ينتظره، إذا حمل ظله، أو بمعنى آخر، إذا عرف نفسه، بصدق وقوة، وهكذا، يجد الشاعر كل شيء خالياً من المعنى، لقد مات الملاح قبل أن يلمس الجبل، قبل أن يصل إلى القمة التي يجب أن يصل إليها الفكر الطموح والقلب الشجاع، قلب مليء بالأحلام، وحلمه العظم، تغيير الواقع: “لا عمق للألم..لأنه كالزيت فوق صفحة السأم..لا طعم للندم..لأنهم لا يحملون الوزر إلا لحظة ويهبط السأم”، فهو يرسم في هذه الصورة الفنية الرائعة، نموذجاً للإنسان الذي لا يعرف الندم، والندم عملية نفسية تطهر الإنسان، وتدفعه إلى الوصول  لما هو أسمى وأرقى، والشاعر هنا، يحن إلى حكم الفطرة الإنسانية، التي تميز بوضوح، بين المواقف المختلفة، إنهم يبررون كل شيء، ويتدرج موقف التبرير السريع، حتى يؤدي في النهاية إلى خواء الحياة، وتفريغها من كل معنى جميل، يقول: “حين أتاني الموت لم يجد لدي ما يميته وعدت دون موت..أنا الذي أحيا بلا أبعاد..أنا الذي أحيا بلا آماد..أنا الذي أحيا بلا أمجاد..أنا الذي أحيا بلا ظل..بلا صليب”، فهذه الرؤية التي تمثلها القصيدة، وغيرها من قصائد أخرى، رؤية إيجابية وأخلاقية، تتمرد على واقع مكروه، وتنشر واقعاً أجمل. ولد صلاح عبد الصبور في 3 مايو عام 1931، بمدينة الزقازيق، التحق بكلية الاداب جامعة القاهرة قسم اللغة العربية عام 1947، تتلمذ على يد الشيخ أمين الخولي ، كتب الشعر في سن مبكرة، فعرف أن معركته هي الشعر، تخرج عام 1951، تنوعت مصادر ثقافته التي استقى منها لإبداعه، فمن شعر الصعاليك، إلى شعر الحكمة، مروراً  بأفكار أعلام الصوفية العرب، مثل الحلاج وبشر الحافي، اللذين استخدمهما، كأقنعة لأفكاره، في بعض القصائد والمسرحيات، كما استفاد من الشعراء الرمزيين في الغرب، أمثال: بودلير، وريلكه، ومن الشعر الفلسفي الإنجليزي عند ييتس، وكيتس، وتي إس إليوت، كما استفاد من كنوز الفلسفة الهندية، أثناء عمله بها، كمستشار ثقافي لبلاده، من أشهر دواوينه: “الناس في بلادي، 1957، وهو الديوان الأول له، والديوان الأول في الشعر الحر، أو شعر التفعيلة، وكان بمثابة ثورة على الشعر التقليدي، استخدم فيه المفردات اليومية الشائعة، وثنائيات السخرية والمأساة، وامتزج فيه الحس السياسي والفلسفي، بموقف اجتماعي انتقادي واضح، ثم ديوان: “أقول لكم” 1960، و”أحلام الفارس القديم”، 1964، و”تأملات في زمن جريح”، 1970، و”شجر الليل”، 1973، و”الإبحار في الذاكرة، 1977، بالإضافة لإسهاماته في المسرح الشعري بخمس مسرحيات، وكتاباته النثرية في النقد والأدب، وفي 13 أغسطس عام1981، رحل عبد الصبور عن عالمنا متأثراً بأزمة قلبية حادة..!

Be Sociable, Share!

أضف تعليق

  • October 2014
    M T W T F S S
    « Sep    
     12345
    6789101112
    13141516171819
    20212223242526
    2728293031  
  • Archives

  • Categories

  • Recent Posts

  • Categories