My marvelous first thumbnail

هذه قصة شاعر عاشق، روى قصته، من خلال أشعاره، فجاءت كل كلمة فيها، تنبض بالصدق، لأن أشعاره مرآة لقلبه، انعكس عليها ما حمله ذلك القلب، من أعباء زمان ثري بالأحداث الثقال، ما يفوق قدرته واحتماله، فهو شاهد عيان، على عصر من الغناء والطرب، على مدى تسعة وثمانين عاماً، وهو الشاعر الغنائي، الذي قدم أشعاره للناس، فروت تلك الأشعار، ملحمة حياة، أو حياة ملحمية غنائية، من يقرأها، يجد نفسه أمام شاعر عاشق، أخلص في عشقه كما أخلص لشعره، فعاش بهما ولهما، حتى أضحت حياته عطاء متصلاً على المستويين: الفني والإنساني، وقد استطاع، في الوقت نفسه، أن يثبت وجوده، بين صفوة الشعراء، فمن يريد أن يصدر حكماً فنياً على الشاعر أحمد رامي، عليه أن يجمع أوصاله المتفرقة أولاً، تلك الأوصال التي وزعت على قصائده، فصحى وعامية، ولا يقرأ هذه الأوصال فرادى، إنما يقرأها مجتمعة، وبعدها، يستطيع أن يصدر حكمه، وبالتأكيد سوف يأتي هذا الحكم، موضوعياً، صائباً، عادلاً، إلى حد بعيد، ولكن بغير ذلك، فسيظلمه كثيرون؛ يقول الكاتب يحيى حقي: “أعتقد أن رامي يغبن كثيراً، إذا اقتصر الأدباء على تقدير قصائده، كقطع فرادى، وأغفلوا إدراك أنها أوصال، تفرقت فيها نفس عجيبة، حساسة الشعور، مملوءة بالعواطف، وشتى الألوان، نفس نابضة، متيقظة للفن، مهما خفي نداؤها، وبينما هي تنهل من الحب، وتنتعش ارتواءً، إذ هي تنقبض، لأسىً عميق، يبعثه فيها عدم استقرار روح رقيقة، وحيرتها في هذا العالم، تبحث فيه، دائبة، عمن يفهم معها ما تفهمه هي، ولا يمكن التعبير عنه، يقتلها شكها، فلا تجني لذة، إلا في غفلة من نفسها، يغبن رامي، إذا أغفل الأدباء ذلك، ولم يلمسوا أن هذه الأوصال المتفرقة، ليست في حاجة، إلا إلى من ينتظمها في سلك، ويؤلف بين أجزائها، ويداخل بعضها في بعض، حتى تزول زواياها، فإذا بها تنطق شيئاً”. تلك هي حقيقة رامي، التي يجب أن يعرفها كل من أراد أن يقطع رحلة بين أروقة أشعاره، ونزهة داخل هذه النفس الشاعرة، كما تعود هو أن يفعل، من خلال نصوصه الأدبية؛ فقد كان يرتحل بها، في أعماق نفسه الذاخرة بكنوز المعاني، فيستبطن ذاته، ويكشف عن مكنون أسرارها، منذ أن بدأ حياته، محققاً مقولة الشاعر الإنجليزي: ويليام بطلر ييتس: “إنما نبدأ ممارسة الحياة، حين نتصورها في صورة مأساة”، وإن كان رامي قد قام بعملية كشف لأغوار نفسه، مستبطناً ذاته، من خلال نصوصه الأدبية، فصحى وعامية، فتعد دراسة أشعاره، كشفاً لهذا الكشف، من خلال سياحة بين أروقة النصوص، أخذت مجراها في الوجدان، لشاعر الوجدان، وأتذكر في هذا المجال، شاعراً كان يحبه رامي كثيراً، وكان يقتدي به في سلوكه الشعري إلى حد كبير، هو الشاعر الرومانسي الفرنسي، “ألفريد دي موسييه”، فكل شاعر أو أديب، حتى وإن لم يكتب في الوطن قصيدة واحدة، أوعملاً واحداً، لابد أن يكون شديد الصلة بوطنه، شديد العشق له، بل تذوب ذاته في ذات الوطن، فهو يحب ويكره من خلاله، لقد انفعل دي موسييه بأحداث الثورة الفرنسية، وبالنهاية المأساوية التي وصل إليها نابليون بونابرت، منفيا وحيداً في جزيرة سانت هيلانة، فألف كتابه: “اعترافات فتى العصر”، الذي أعده النقاد والمؤرخون، خير مرجع، يوضح لنا تأثير تلك الأحداث، على نفوس الأدباء الناشئين، في النصف الأول من القرن التاسع عشر. وقد صور دي موسييه في بعض فقرات الكتاب، تصويراً دقيقاً، لتلك الحالة النفسية التي خلفتها أحداث فرنسا الجسام، منذ أواخر القرن الثامن عشر، وعن تلك الحالة، ظهر الأدب الرومانتيكي، الذي تأثر به، فيما بعد، شعراؤنا وكتابنا العرب، ومن أروع قصائده: “ليلة أكتوبر”، التي تجري على شكل حوار بينه وبين ربة الشعر، حول تجربة حقيقية عاشها الشاعر، وقاسى منها آلاماً مرة في حب عاثر، هو حبه للكاتبة الفرنسية الشهيرة: جورج صاند، التي سافر معها إلى مدينة البندقية بإيطاليا، حيث سقط مريضا، وعاده طبيب إيطالي، وقعت صاند في حبه، وهجرت الشاعر المريض، وفي القصيدة، يحكي لربة الشعر قصته وقصة الخيانة، ولكن ربة الشعر تدعوه للتسامح، فيسعد بكلامها، ويدعوها لترديد أغنية العشق الخالد: “والآن ربتي المشرقة الجمال..هيا ينا إلى غرامنا، أسمعيني من أنغامك السارة، كما سبق أن سمعت منك والحياة في بدئها..ها هو العشب المعطر ينتفض لقرب الصباح..فتعالي نوقظه حبيبة قلبي ولنذهب نجني زهرة الحديقة”، وربة الشعر والفنون عند رامي، هي أم كلثوم، التي بوحيها كتب أروع أعماله، فهي معشوقته الأسطورية التي يقول لها: “تعالي نفنِ نفسينا غرامــا/ونخلد بين آلهة الفنـــون/أرتل فيك أشعاري وأصغي/إلى ترجيعك العذب الحنون”، وترد عليه الحبيبة بقولها: “وهل تزن الأمانة في ودادي/وتوقن من هواي ومن شجوني؟”، ويرد عليها قائلاً: “وهل تجدين صباً مستهاماً/يحبك للهوى والشعر دوني/شاعر كل أمانيه التغني بالغرام/ يعشق الحب ويهوى الهجر فيه والخصام”، وبالرغم من اختلاف التجربة الشعرية بين الشاعرين، ذلك لأنه ليس من الممكن أن تتشابه تجربتان على الإطلاق، حتى ولو كانا لشاعر واحد، لكن ستظل المأساة الإنسانية واحدة، عند كل البشر، وعبر كل العصور.
لقد كانت أم كلثوم بالنسبة لرامي، بمثابة الرحم، الذي يستمد منه فنه الأسطوري، كما كان هو بالنسبة لها، أيضاً، ذلك الرحم نفسه، الذي تستمد منه قوتها الغامضة، لقد أحب كل منهما مصر، وشاركاها أحداثها على طريقتهما، لقد شاركت أم كلثوم في تخطيطات مجلس الثورة، من دون أن تدري؛ حيث ظل رجال الثورة، يعقدون اجتماعاتهم، لأكثر من سنة، سراً، ليلة أول خميس من كل شهر، لاطمئنانهم، إلى أن الجميع منصرفون لسماعها، ولم ينس رجال الثورة لها ذلك، فقالوا لها، بعد أن منعت أغانيها من الإذاعة، ظناً منهم أنها من مخلفات العهد البائد، وذلك لصلتها بالقصر الملكي: “ستكون مكانتك أعظم وأعظم، لقد كنتِ صوت مصر، وستجعلك الثورة، صوت كل العرب، في مواجهة العالم بأسره، وسوف ترين”، وقد كان، لقد كانت بالنسبة للعالم العربي، الاسم الآخر لمصر، أما رامي، فكان يترقب، هو لا يعرف إلا أن يحب، فأحب مصر من خلال أم كلثوم، وكانت هي وسيلته للتعبير عن هذا الحب: “لا تبخلوا بمائها على ظمي/وأطعموا من خيرها كل فم”، وظل رامي في هذا الثقب الأسود، حيث التعامل مع المعبودة، هو المهم، وقد يصرف ليلته، لا بل عمره، طوعاً، في سماع هذا الصوت، يدير المذياع، ليسمع صوتها، مردداً لقصة العشق الأبدية: “ذكريات عبرت أفق خيالي/بارقاً يلمع في جنح اليالي/كيف أنساها وقلبي/لم يزل يسكن جنبي/إنها قصة حبي”، فهو يرى في ذلك الصوت، كما يقول: “النسغ المقيم، تلك اللذة المحرمة، التي ربما شربنا كأسها حتى الثمالة”. غنت أم كلثوم لرامي آخر أغنياته: “يامسهرني”، واللحن كان للشيخ سيد مكاوي، وغنت لبيرم آخر أغنياته: “القلب يعشق كل جميل”، واللحن كان للسنباطي، وانتهى مشوارها الفني والإنساني، قالت: إنها “نقطة ختام جيدة”، وفي جنازتها، يتقابل رامي مع محمد عبد الوهاب، صديق العمر، ويجد نفسه يردد مع الخيام: “إن تفصل القطرة عن بحرها، ففي مداه منتهى أمرها” كان كل منهما للآخر، بمثابة قطرة من البحر، ثم يتبادلان الأدوار، فرثاها في آخر قصيدة كتبها في حياته، ثم توقف عن نظم الشعر بعدها: “ما جال في خاطري أني سأرثيها/بعد الذي صغت من أشهى معانيها/صحبتها من ضحى عمري/أدوف أحلى معاني الحب وأهديها”، والدوف هو الخلط للدواء، وهو عمل أيضاً تقوم به شغالة النحل، عندما تخلط العسل بالشمع واللعاب، لإعداد غذاء الملكة، عاش رامي بعدها ست سنوات، عاش على صوتها، من خلال أسطواناتها الأولى، التي كانت تغنيها، منذ أكثر من أربعين سنة، لن ينسى صوتها في بداياته، هذا الصوت الذي أسره، وغير حياته بكاملها، منذ أن تقابل معها على مسرح الأزبكية للمرة الأولى، وسمعها تتغنى بقصيدته: “سري وسرك”، والتي تقول أبياتها: “الصب تفضحه عيونه/وتنم عن وجد شؤونه/إنا تكتمنا الهوى/والداء أكتمه دفينه”، فنزل عن عرش الفصحى، إكراماً لهذا الصوت الذي عشقه، منذ سمعه لأول مرة، وقدم لها أول أغنية عامية: “خايف يكون حبك ليا شفقة عليا”، وتوالت بعدها أغنياته لها: “جنة نعيمي في هواكي/ما احب في الدنيا سواكي”، “ان كنت اسامح وانسى الأسية”، وغيرهاكثير. لقد أحب رامي في أم كلثوم ذكاءها، وسرعة لمحها، وتجاوبها السريع مع الكلمة الشاعرة والمعنى البكر، ومقدرتها الفائقة على أن تحمّل صوتها، ما يموج به قلب الشاعر من خواطر ومشاعر، حتى سمى هذا الصوت: “رنة قيثارة السماء”، أما هي: “فهي قُمرية تغنت على الفرع/ولما تهم بالطيران/ثم أنّتْ ولم تكد تعرف الدمع/متى فيضه من الأجفان” فارتبط نبع الشعر عند رامي بنبع الحب، كالبحر يمطره السحاب، وكان دائم الحرص على امتلاء معين الشعر والحب، وينتابه القلق إذا نضب نبع الشعر، أو عزّت عليه القوافي: “بنات الشعر ما ألهاكِ عني/وماذا نفّر الأشعار مني”، ويقول: “إني لأخشى أن تموت عواطفي/ويجف هذا النبع من أشعاري”، أما سر عبقرية رامي في الأغنية العامية، فلأنه دخل إليها من باب الشعر، فمزج كلماته بالطبيعة، شأن الرومانسيين، واستخدم معاني الشعر في تصوير أدق العواطف، فملأه بالصور النابضة، والمعاني الرقيقة الهفهافة، والأطياف الحالمة، واللهفة المحترقة، مع مسحة شفيفة من الأسى والشجى، لأنه يؤمن، كألفريد دي موسييه، “بأن المرء طفل معلمه الألم، يقول: “عينيّ فيها الدموع..والجو ساكن وصافي..والقلب بين الضلوع..حيران على خل وافي”، لقد أحب رامي أم كلثوم دون أن يطلب ثمناً لحبه، لأنه أحب فيها شعره: “أحبك لا بل أعبد الشعر والهوى/جمعتها معنى يشوق خيالي/هويتك لم أطلب مساجلة الهوى/فأسمى الهوى ما كان غير سجال”. ولد أحمد رامي في 9 أغسطس عام 1892، بحي الناصرية بالسيدة زينب بالقاهرة، والنغم ملء أذنيه؛ فقد ولد في مندرة لا تخلو من عازف أو مغنٍ من أصدقاء والده هواة الموسيقى، وأخذت الأنغام مسراها إلى مهد الغلام الوليد، وبهذا، امتزج تكوينه بالغناء والطرب، وعندما تجاوز سنوات الطفولة الأولى، اصطحبه والده معه في سفره إلى جزيرة “طاشيوز”، إحدى جزر بحر إيجه، حيث كان والده يعمل طبيباً بالجيش المصري هناك، حينما كانت تلك الجزيرة تابعة للحكم التركي، قضى بها عامين، وتلك هي سنوات التفتح في أخيلة الطفولة، وهكذا تفتح خيال الشاعر على غابات اللوز والنقل والفاكهة والبحر والموج والشاطيء، ثم عاد رامي من هذه الجنة، ليلتحق بالمدرسة في القاهرة، فيسكن ببيت يقع في حضن المقابر، بحي الإمام الشافعي، فاستوحشت نفسه، وانطوت على هم وحزن عميقين، فاكتسب عادة التأمل والسكون والحزن، وهي أشياء تعمق رؤية الشاعر،عاد رامي من الجنة إلى اليباب، ليسكن بحي الحنفي، ومن خلال نافذة في غرفته، كانت تطل على تخوم مسجد الحنفي، يقف ليستمع طيلة الليل إلى مجامع المتصوفة، يتلون أورادهم، ويرددون ابتهالاتهم واستغاثاتهم في نغم جميل، حتى امتزج شعره بالنغم الصوفي، أصدر رامي أول ديوان له عام 1917، بعنوان: ديوان رامي، ثم توالت دواوينه حتى بلغت ستة دواوين، ضمنها أعماله الكاملة، تحمل الاسم نفسه، كما أدخل فن المونولوج على الغناء المصري لأول مرة، فخلق لغة جديدة في الغناء، وكان أشهر مونولوجاته لأم كلثوم: “ان كنت اسامح وانسى الأسية”، و”النوم يداعب عيون حبيبي”، ولم تقتصر عبقرية رامي على التأليف ونظم الشعر فحسب، بل شارك في النهضة المسرحية عن طريق نقل روائع الغرب إلى اللغة العربية، فراح يترجم لنا روائع الأدب العالمي، وبخاصة روائع المسرح، وقد شاهدها الجمهور تمثل على المسرح العربي في أول نشأته عام1924، قدم رامي للسينيما ثلاثين فيلماً غنائياً، وترجم الكثير من الأدب العالمي، كما ترجم رباعيات الخيام شعراً عن الفارسية مباشرة لأول مرة، عمل أميناً لدار الكتب المصرية، ووضع بها ما يسمى “بفهرست رامي”. وهكذا حولت أم كلثوم اتجاه مسار رامي الشعري، فتحدى من أجلها العالم، وتحول من شاعر فصحى إلى زجال وكاتب أغاني، قرباناً لهذا الصوت الأسطوري. هذه قصة شاعر، انتقل من مروج النرجس في جزيرة يونانية، إلى حياة القبور، إلى مجامع المتصوف، ثم إلى معاشرة  الخيام تحت أضواء باريس، ثم إلى جنة أم كلثوم، وتوفي رامي في 4 يونيو1981، ونحن نردد معه قصته الخالده: “”كيف أنسى ذكرياتي/وهي أحلام حياتي/إنها صورة أيامي/على مرآة ذاتي/عشت فيها بيقيني/وهي قرب ووصال/ثم عاشت في ظنوني وهي وهم وخيال/ثم تبقى لي على مر السنين/ وهي لي ماض من العمر وآت”

°°°°
د. فاتن حسين كاتبة وناقدة من مصر

خاص فوبيا

Be Sociable, Share!

تعليق واحد على هذا الموضوع”

  1. احمد زرزور

    صديقتى الرومانسية الدكتورة فاتن : هاانت تمنحيننا فرصة للحلم من جديد ، فرصة لنمو الورود والفراشات والاقمار ولحظات الحب الحلوة من خلال عشقك لرامى ، الذى لو عاش حتى الان لعشقك انت ايضا
    سيدتى : اتمنى لو واصلت ابحارك مع الشعراء وملهماتهم عبر التاريخ ن لنتعرف على روعة الحب الملهم .. وطوال المقال وانا أشعر بانفاس العاشق وكبرياء المعشوقة وبينهما جمال وطن عشقه ابناؤه الرائعون .
    تحية لك ولروح رامى وام كلثوم وقادة الثورة الرائدة

أضف تعليق

  • August 2014
    M T W T F S S
    « May    
     123
    45678910
    11121314151617
    18192021222324
    25262728293031
  • Archives

  • Categories

  • Recent Posts

  • Categories