My marvelous first thumbnail
يوسف إدريس

هذا الفرفور الأسطورة..!

يحاول هذا الجزء من الدراسة، أن تبحث في المرتكزات الأساسية لفن القصة القصيرة عند يوسف إدريس، بغية الوصول لفهم عميق للمغزى العام لكثير من قصصه، استناداً لمنهج نقدي يحاول أن يحيط بأبعاد التجربة الإبداعية المترامية، من خلال رؤية شاملة لعالم القصة القصيرة عند يوسف إدريس، منذ “أرخص ليالي”1954، وحتى أعماله الأخيرة “العتب على النظر”1987، وذلك للتعرف على مدى تأثير يوسف إدريس على فن القصة القصيرة بمفهومها المصري، ومعرفة دوره في تحويل مسارها التاريخي، حتى أخذت صورتها التي نراها عليها الآن، ولذا، رأيت أنه من الأجدى البدء من نشأة القصة القصيرة بمصر، وتتبع تطورها قبل يوسف إدريس، إلى أن وصلت إليه، فأخذت شكلاً جديداً، مع التعرف على المكونات الثقافية ليوسف إدريس، ووعيه الفكري، وانتماءاته السياسية، وتحولاته الأدبية، ومدى تأثير كل من الكتابة الصحفية، وممارسة الطب على إبداعاته، هذا بالإضافة لمؤثرات أخرى خارجية، كتأثره بعشرات الكتاب الأوروبيين أمثال: ستراندبرج، وإدجار آلان بو، وكافكا، وآرنست هيمنجواي، وتينيسي ويليامز، وتشيكوف، ومكسيم جوركي، وشتاينبيك، وحتى مقالات شارلوك هولمز، وذلك لإضاءة العديد من رؤى العالم القصصي عنده، إضاءة تصل لحد الكشف أحياناً .

من المعروف أنه منذ صدور مجموعة يوسف إدريس القصصية الأولى عام 1954، وهي “أرخص ليالي”، أعد يوسف إدريس الرائد لهذا النوع من المبدعين، الذين وصلوا إلى دائرة الشهرة مع يوليو1952، في مجال القصة القصيرة، ولكنه من المدهش أن إنتاجه لم يسترع ما يستحقه من انتباه النقاد المصريين آنذاك، فكل ما كتبوه يشحب إلى حد التفاهة، بالمقارنة لحجم النقد المخصص لأعماله المسرحية، وقد أشار يوسف إدريس بنفسه لذلك بمرارة، في حديث صحفي له، حيث رأى أن أكثر تحليلات قصصه القصيرة عمقاً، لم يكتبها كاتب مصري، بل كتبها “ساسون سوميخ”، الباحث الإسرائيلي الذي اختار وقدم مجموعة دنيا يوسف إدريس بعنوان: “ألغام جديدة يفجرها يوسف إدريس”، تل أبيب19761، كما أنه لم تظهر دراسة أكاديمية في مصر تعالج القصة القصيرة بشكل جاد حتى نهاية الأربعينيات من القرن الماضي، ويعزي “النساج” ذلك إلى أن من كانوا يحكمون الذوق الأدبي في تلك الفترة، رأوا أن القصر الشديد للأقصوصة، وملمحها الصحفي، يجعلان من المشكوك فيه انتماءها لتيار الأدب الجاد، وذلك استناداً إلى معيار الطول، ولكن يوسف إدريس كان يعتقد بأنه من الضروري أن ترفع القصة القصيرة في مواجهة الخواص الأرقى في الرواية2.

يوسف إدريس وسيرة حياة من خلال قصصه:

ولد يوسف إدريس في 19مايو1927، في قرية “البيروم”، بمحافظة الشرقية، ووالده إدريس علي، ينتمي إلى الطبقة المتوسطة الريفية، مارس العديد من الوظائف، وقد ظل لفترة يعمل مقاولاً في حفر الترع بوزارة الري، حصل يوسف إدريس على بكالوريوس الطب عام1947، وفي عام1951، تخصص في الطب النفسي، عمل طبيباً بالقصر العيني بالقاهرة في الفترة من1951-1960، حاول ممارسة الطب النفسي عام1956، وعمل مفتشاً للصحة ثم محرراً في جريدة الجمهورية عام1960، ومن هنا، بدأت رحلته في التفرغ للعمل الصحفي والإبداع الأدبي، فعمل كاتباً بجريدة الأهرام عام1971، وحتى1982. كان والد يوسف إدريس كثير التنقل، بحكم عمله الذي كان يتطلب الترحال، فكان متخصصاً في استصلاح الأراضي، بالإضافة لحفر الترع، وقد تأثر يوسف إدريس بتنقل والده الذي عاش بعيداً في المدينة، وأرسل ابنه ليعيش مع جدته في “البيروم”، وقد كان عمره خمس سنوات كان الصبي يسير عدة أميال كل يوم على أقدامه إلى أقرب مدرسة ابتدائية في “فاقوس”، لم تكن طفولته سعيدة، فقد كان الطفل الوحيد وسط البالغين، وكانت تتم معاملته دائماً كواحد منهم، وكانوا ينتظرون منه أن يتصرف كشخص مسؤول، وكان العقاب ينتظره إذا ما تصرف بغير ذلك، وتحكي قصة “آخر الدنيا”، المنشورة عام1960، كيف تكثفت الوحدة والإحساس بالحرمان في قلبه، فازداد تعلقاً بأبيه الذي كان لديه عدة بنات من ثلاث زوجات سابقات، ولكن أبناءه ماتوا في المهد، وعندما تزوج إدريس من أم يوسف، مات ابنهما الأول، وسقط الثاني، وهو يوسف، صريع مرض قوي، ولكنه شفي، ثم أعقب فترة نقاهة يوسف، مولد ستة أبناء آخرين وبنتين، وبسبب مرض أم يوسف، عهد به أبوه إلى جارة مسيحية ترضعه، ولم تبد أمه نحوه حناناً، حيث كان موقفها منه موقف المتحفظ البارد، ويرى يوسف إدريس أن موقف أمه تجاهه كان مسؤولاً، إلى حد كبير، عن خجل اقترابه من النساء بعد ذلك في حياته3، كما كانت علاقته بجدته خالية من الإحساس الدافيء، فقد كانت تسلخه بلسانها السليط، ولكن تم تعويض معاملتها الخشنة له إلى حد ما، بموهبتها في حكي القصص، فقد اعتاد أن يستمع بشغف شديد إلى قصصها المدهشة، وحكايات الجنيات المخزونة في ذاكرتها، فكانت تلك الخبرة، كما قال يوسف إدريس، هي التي أججت اهتمامه بالحكايات، كما منحته احتفالات الموالد والأولياء، مثيراً إضافياً لخياله. كان يوسف إدريس مجتهداً في المدرسة، وبعد الانتهاء من المدرسة الابتدائية، تنقل من مدرسة ثانوية إلى أخرى، في دمياط والزقازيق والمنصورة وطنطا، وفي دمياط أقام مع شخص أكبر منه، هو العم عبد السلام، فقد كان في الستين من عمره تقريباً، وتنامت بينهما صداقة، وسرعان ما اكتشف يوسف إدريس أنه معين لا ينضب من الحكايات الرائعة من ألف ليلة وليلة، والحكايات الشعبية، من مثل أبي زيد الهلالي وسيف بن ذي يزن، وهكذا تركت العلاقة مع عبد السلام أثراً لا يمحى على يوسف إدريس4، وفي المرحلة الجامعية، انطوى على كراهية عميقة للاحتلال البريطاني والملك والحكومة، فقذف بنفسه، في حماس الشباب، إلى عالم العمليات السرية والممارسات النضالية، ففي فبراير1946، شارك طلاب كلية الطب في اضطرابات ضد الانجليز، وحينما واجهت قوات البوليس المتظاهرين على كوبري عباس، أصيب يوسف إدريس في رأسه، إثر ضربه بإحدى الهراوات، ثم انتخب سكرتيراً لاتحاد طلاب الكلية، ثم انضم إلى منظمة سرية باسم: “اللجنة التنفيذية للكفاح المسلح”، ونال تدريباً مع مقاتلي حرب العصابات عام1951، وعندما كانت المعركة على أشدها في منطقة القناة، شارك في جمع الأموال لشراء السلاح، وهكذا أسلمه نضاله أثناء الجامعة إلى السجن مرتين، ففي عام1949، سجن لمدة شهرين، ثم سجن مرة أخرى لمدة ثلاثة أشهر عام1952، كانت اللجنة التي انتمى إليها يوسف إدريس تتحرك في محيط سياسي من الجماعات الماركسية، ورفاق من الطريق اليساريين، وقد أسر إدريس مناخ السرية المحيط بالحزب الشيوعي، والهيبة التي كان يتمتع بها آنذاك، ومن خلال عضويته في اللجنة التنفيذية، اكتسب الثقة في الماركسية، ثم دفعت به مشاركته في مجلة “الكاتب”، التي كان يحررها يوسف حلمي عام1951، إلى الفلك الماركسي، وقد كان كثير من كتابها أعضاء في الحزب الشيوعي، ومن هنا، بدأت العلاقات الأولى ليوسف مع “حدتو”، وفي 23يوليو1952، كان يوسف إدريس يجري أول عملية جراحية بعد تخرجه، عندما همس مسؤول التخدير في أذنه أن الجيش خلع الملك واستولى على السلطة، فترك العملية إلى زميل له، وجرى إلى خارج المستشفى، ولكن سرعان ما ساءت العلاقات بين مجلس قيادة الثورة والشيوعيين، بعد شهر عسل قصير، فبدأت الشرارة الأولى من مصانع النسيج في كفر الدوار، في أغسطس1952، واعتقاداً من الحكومة بأن الحزب الشيوعي قد حرض على الاضطرابات، وبعد عقد محاكمة صورية، ومحكمة عسكرية، وإصدار أحكام جائرة منها الإعدام لبعض أعضاء الحزب الشيوعي، حدث ارتباك لدى اليساريين الذين أيدوا انقلاب يوليو، مفترضين أنهم يمثلون حركة وطنية تقدمية5، وفي سبتمبر1952، انضم يوسف إدريس إلى هيئة تحرير مجلة “التحرير” اليسارية، التي كان يرأسها أحمد حمروش، ولكن انطلاقته الأدبية جاءت مع عام1953، عندما عين محرراً في جريدة “المصري”، واعتبرت قصة “نظرة”، التي نشرت بها، انجازاً لكاتب واعد، وبعد ذلك، تتالت قصصه الأخرى، وأصبح مسؤولاً عن القسم الأدبي بمجلة روز اليوسف، وفي أثناء نشاطه الأدبي، واصل يوسف إدريس ممارسة الطب، ففتح عيادة في “بولاق”، ثم تم تعيينه في وظائف حكومية مختلفة، فعمل كمستشار طبي للإدارة المحلية المسؤولة عن إصدار شهادات طبية لأصحاب المحلات، فاستغل منصبه في مساعدة المعتقلين السياسيين على الهرب من سجن روض الفرج، وفي وزارة الأشغال العامة، كان مسؤولاً عن الخدمات الطبية في ورش الوزارة وقسم الكناسين ببولاق، ثم عين مفتشاً للصحة في مناطق مختلفة من القاهرة، كالسيدة زينب والدرب الحمر والأزهر وهليوبوليس وحلوان، ولم ينقطع اهتمام يوسف بالسياسة، وبرغم عدم انتمائه للدائرة الداخلية من “حدتو”، إلا أنه كان عضواً بالقسم السياسي للمنظمة، وفي عام1954، بعد ظهور الصراع المكتوم بين الرئيس محمد نجيب، وأعضاء مجلس قيادة الثورة على السطح، تم عزل محمد نجيب، وكان قائد ائتلاف من الإخوان المسلمين والوفديين واليساريين، فحدث اضطراب في الجبهة الوطنية الديمقراطية، على أمل إجبار مجلس قيادة الثورة على إعادة الأحزاب السياسية وحرية الصحافة، وهنا قرر عبد الناصر أن يوجه ضربته الشاملة لمعسكر المعارضة، فبدأ باليساريين، وفي31مايو، وصل عدد المعتقلين إلى252 شيوعياً6، ثم جاء دور يوسف إدريس عام1954، عندما توجه باللوم إلى عبد الناصر في تفاوضه على مستقبل القاعدة البريطانية في قاعدة القناة، والذي افتقر إلى النص على الانسحاب الكامل والفوري، فقبض عليه وأودع السجن عاماً كاملاً، حتى عام1955، وبعد خروجه من السجن، قطع علاقته “بحدتو”، وكان نجم عبد الناصر في صعود، في مصر والعالم العربي، لأسباب مختلفة، منها كيفية معالجته لأزمة السويس، وسرعان ما توافق يوسف إدريس مع خط عبد الناصر، فأصبح أحد المدافعين عنه بحماس.

ظهور أول مجموعة قصصية ليوسف إدريس:

نشرت المجموعة القصصية الأولى ليوسف إدريس “أرخص ليالي” عام1954، فسجلت اسمه كأحد كتاب القصة الرئيسيين في مصر، ولكنه لم يقصر نفسه على القصة القصيرة وحدها، ففي عام1956، نشر رواية قصيرة بعنوان: “قصة حب”، وفي مايو1957، قدم نفسه للمرة الأولى كمسرحي، بمسرحيتين من فصل واحد، هما: “ملك القطن”، و”جمهورية فرحات”، وكانت الأخيرة معالجة مسرحية لقصة قصيرة بنفس الاسم، ثم مسرحية “اللحظة الحرجة”، وهي مسرحية مستوحاة من أزمة السويس، وقد فشلت هذه الأخيرة، وكان اسمها الأصلي: “الباب”، في أن تترك انطباعاً ذا بال، وبين عامي:1956،1957، عندما بدأ ينشر قصصه في جريدة الجمهورية، تعرف على الرئيس السابق أنور السادات، الذي كان رئيس تحرير الجريدة آنذاك، وعندما علم السادات أن مسؤوليات يوسف إدريس كمفتش صحة، لم تكن تترك له ما يزيد عن ساعات قليلة في المساء للكتابة، رتب له وظيفة بلا عمل في وزارة الإرشاد القومي. كان كل من الاتحاد القومي والاتحاد الاشتراكي، هما التنظيم السياسي الوحيد في مصر، وقد أسسا بهدف الترويج لسياسة عبد الناصر، وتأمين سيطرة مجلس قيادة الثورة على البلد، وقد اشترط عبد الناصر وقت تأسيسها، فرض حظر العضوية على الأشخاص الذين كانوا يمارسون أعمالاً سياسية نشطه في ظل النظام القديم، وبرغم ذلك، قدم إدريس إلى السادات برنامج عمل للاتحاد، يسمح بدخول الوفديين والشيوعيين والإخوان، وقد أيد السادات وجهة نظره، وعلى ذلك، رتب يوسف إدريس حديثاً مع السادات للنشر في الأهرام، أبرز من خلاله مفهومه عن الشكل الجديد للاتحاد، فأثار ذلك سخط عبد الناصر، وأبلغ السادات أن هذا التصور غير مقبول، وحذره من التعويل على يوسف إدريس، ووصفه بأنه عدو الثورة، وترتب على ذلك فصل يوسف إدريس من كل من وزارة الإرشاد ووزارة الصحة والأهرام في وقت واحد، وشنت حملة اعتقالات في يناير1959، تم القبض فيها على كتاب مشهورين، مثل عبد الرحمن الشرقاوي، ولويس عوض، بينما ظل يوسف إدريس آمناً، لأن السلطات اعتبرته شخصاً فردياً غير ضار، وهكذا، واصل يوسف إدريس نشر مجموعاته القصصية في الستينيات، وشارك في النهضة المسرحية بمسرحيتي: “الفرافير”، و”المهزلة الأرضية”، نشرت الأولى عام1964، والثانية عام1966، وقد حققت الأولى نجاحاً كبيراً في القاهرة، وأثارت جدل النقاد منذ العرض الأول، واعتبر جزء كبير منهم أنها معادية للاشتراكية، الأمر الذي أجبر يوسف إدريس على الخروج عن صمته فوراً، والدفاع عن نفسه، وهو الذي كان دائماً يرفض شرح أعماله والدفاع عنها، أما “المهزلة الأرضية”، فكانت مرتبطة بالفكر المجرد ومحملة بالرمزية، ولذا، فشلت في جذب انتباه المشاهدين، وفي عام1969، ظهرت “المخططين”، ولم يتم إخراجها لمضمونها السياسي، أما أعماله القصصية التي كتبها في فترة الستينيات، فقد ظلت فيها أفكار جديدة، وإشارات رمزية، واختفت منها واقعية الخمسينيات المباشرة البسيطة نسبياً، فهي تتناول الأزمة الداخلية للإنسان في عالم مشوش وعبثي، وبعد طرده من وزارة الصحة، أعاد فتح عيادته في “بولاق” بصورة متقطعة، ولكنه هجر الطب نهائياً عام19677، وفي العام نفسه، تم تعيينه مشرفاً على قسم الدراما، وانتخب في يونيو1971 سكرتيراً لنقابة الصحفيين.

يوسف إدريس بعد هزيمة 1967:

أضافت أزمة انهيار الجيش المصري في حرب الأيام الستة ضد إسرائيل في1967 محنة جديدة إلى محن يوسف إدريس الشخصية، فبدأ يتحرر من سحر ثورة عبد الناصر، التي رآها فشلت في تحقيق هدفها الرئيسي، وهو إعادة تثقيف الشعب المصري، ثم بدأ يصطدم بصور متكررة بالقائمين على السلطة، فبعد أن منعت مسرحية “المخططين”، عام1969، أعيد طرده من الأهرام بسبب قصة قصيرة ينشرها فيه بعنوان: “الخدعة”، وهي هجائية لاذعة للبطانة المحيطة بعبد الناصر، وفي 1973، فصل من الاتحاد الاشتراكي، ومن نقابة الصحفيين، ولكن مقالاته بالأهرام لم تفشل في إثارة الاهتمام العام، وفي سنة1970، أصاب الركود إنتاجه الأدبي، فنشر مجموعة قصصية واحدة هي: “بيت من لحم”، وكتب مسرحية واحدة هي: “الجنس الثالث”، ويعترف بأنه عاجز عن الكتابة الأدبية طالما المرافق العامة في القاهرة تنهار تحت ضغط الانفجار السكاني، والفوضى متفشية، وطالما الأمور كذلك، فإنه يعتقد بأن المقال الصحفي هو الاستجابة الملائمة، ولكنه استعاد مكانته بعد حرب أكتوبر1973، وبدأ التفكير بجدية في الكتابة، باعتبارها وسيلة رزق مستديمة، وذلك بعد اقتناعه بأنه لا يمتلك المزاج القومي للعمل الطبي، وأنه في أفضل الأحوال، لا يعدو أن يكون طبيباً عادياً، إلا أن يوسف ظل ينظر إلى الأدب، كحرفة غير لائقة، بل عيب لرجل العلم، ولكن عندما تعرف على اثنين من طلبة الطب، وقد تحولا لكاتبين وصحفيين، وأصبحا فيما بعد من ذوي الشهرة، وهما: صلاح حافظ، ومصطفى محمود، اندهش، ثم رأى صديقاً آخر ذا عقلية متوثبة، وهو محمد يسري، يهجر الطب ويتفرغ للقصة القصيرة، فقهر ذلك تردداته، ومن خلال مساهماته في مجلة “القصة”، تعرف على رئيس تحريرها، الطبيب والشاعر إبراهيم ناجي، الذي استطاع أن يمحو من ذهن يوسف إدريس تماماً دونية الأدب بالنسبة للعلم، وذلك لتأثيره القوي عليه، وفي ذلك قال إدريس: “إن الدكتور ناجي جعلني أدرك أن مصيري هو أن أكون كاتباً”8، فعكف يوسف إدريس على تحسين أسلوبه، وقد كشفت قصة “5ساعات”، التي نشرها في مجلة “التحرير”، أن تقنية القصة القصيرة كانت في قبضته تماماً منذ عام1952، وعندما انسحب إلى قريته بعد هزيمة67، غير قادر على احتمال قيود حياة المدينة، على أمل أن يهديء وجوده وسط الناس من ألمه العضلي، اقتحم عليه عزلته صديقه الكاتب السوفيتي المغمور “ناجبين”، الذي استطاع أن ينقل ليوسف إدريس رأيه في أن الكاتب يجب أن يكتسب عادة الكتابة اليومية، مهما كانت الظروف، وفي1976، عندما تعلق بالصحافة وترك الأدب، وضح أن سبب ذلك هو أن كتابة القصة القصيرة جهد ضائع، طالما أن المصريين مازالوا يعانون من “الأنيميا الثقافية وسوء التغذية الروحية”، وأضاف أنه لابد أن يكون نبع روح الشعب “ممتلئاً حتى المنتصف على الأقل، بالماء، ليمكن للقصة القصيرة أن تطفو عليه، مثلما يطفو الزيت على الماء، ولكن النبع، في هذه اللحظة، جاف تماماً”9، وعقب أكتوبر1973، تبدلت أوضاع الصحفيين اليسار، فبعضهم من أجبروا على الصمت، وبعضهم من نقلوا من مواقعهم التي كانوا يشغلونها في وسائل الإعلام، وبعضهم منعوا من النشر في مصر، فبحثوا عن ملاذ خارج البلاد، ولكن يوسف إدريس بذل جهده ليكيف نفسه مع التيار المتقلب، لأنه رفض آنذاك، فكرة المنفى الاختياري، وقد واجه الهاربين بقوله: “لو أن العقاد أقام في الجزائر، وطه حسين في الكويت، والمازني في قطر، وشوقي في السعودية، إذن لما تحققت النهضة المصرية”10.

الملامح الفكرية لأعمال يوسف إدريس الإبداعية:

تعد قصة “5ساعات”، أولى قصص يوسف إدريس الناجحة، فقد تجلى فيها، بصورة مكثفة، العديد من خصائص كتابة القصة القصيرة عنده في المرحلة اللاحقة، والتي شهدت إصدارات اجتماعية وسياسية، مع اختفاء الصبغة الرومانسية وإثراء التفاصيل الواقعية والبنية المتوازنة واللغة السلسة المتدفقة. تتميز هذه القصة بدرجة عالية من الإحكام، وينشأ توترها من تضاد قضبين مختلفين: العالم العقلاني للمستشفى، والعنف الهائج خارج جدرانها، كما تدعم بنيتها تلك الحدود الصارمة المفروضة على الزمان والمكان، مع التغيير البارع للإيقاع على المستوى الأسلوبي، تروى القصة بضمير المتكلم على نحو مباشر، فهي تبدأ بوصف حجرة قديمة في المستشفى، تجري بها الأعمال الروتينية العادية بهدوء، وهو انطباع يؤكده استخدام الجمل الطويلة نسبياً، والربط بين أجزاء الجمل بتكرار كلمة “كل شيء”، ولكن ينقطع انسياب الجمل فجأة بجملتين متفجرتين، تشيعان الإحساس بكارثة وشيكة: “وفجأة دق جرس الإسعاف..دق في قصر مرتفع مبتور”، ثم تحل من جديد برهة سكون مخادع، “ولا يقطع ذلك الصمت الذي يخفي الحقيقة المروعة غير صرير عجلات النقالة في الممر، وتأتي اللمحة الأولى من الحقيقة الخفية والتي أعلن الجرس عن اقتحامها الوشيك، عندما يندفع رجل الإسعاف إلى الحجرة صائحاً: “حالة ضرب نار يا بيه! واحد ضابط اغتالوه في الروضة”، ويستمر التناقض الدرامي في إشاعة الحياة في القصة، فقد أعقب وصول عبد القادر إلى المستشفى، فترة من التأمل والحوار، إلى أن يكتشف الراوي ثلاثة ثقوب في ظهر الرجل، أحدثتها الرصاصات، ويبدأ البحث المحموم عن دم، وحينما ينهض الراوي من مقعده، يكتشف المرتبة والملاءات وقد غرقت في الدماء، وآنئذ، يدرك أن أجل عبد القادر انتهى، وتعلن جملة: “بدأ النزيف”، المرحلة الأخيرة من العذاب، “ويموت عبد القادر، بينما الراوي اليائس يجاهد عبثاً في دفع القدر المحتوم”. ولا ترجع أهمية “5ساعات” إلى ما تنطوي عليه من إرهاص بظهور يوسف إدريس، ككاتب قصة قدير فحسب، بل إلى كونها التعبير الأول عن اهتمامه بالسياسة، ذلك الاهتمام الذي يتجلى بوضوح في معظم أعماله اللاحقة، فقد كان داعية بلا كلل للأفكار الاشتراكية، وتعامل مع البروليتاريا الريفية والمدينية، باعتبارها منبع كل ما هو مصري صميم، ولذلك تنتمي كل الشخصيات الرئيسية لقصصه الأولى في معظمها، إلى الطبقات الدنيا من المجتمع المصري، فركزت على حياة المسحوقين، وذلك في إطار محاولة لتمصير القصة القصيرة، كما واصلت محاولاته لتمصير الشخصيات والموضوعات والشكل واللغة اكتمالها أمام الجمهور، وذلك من خلال المسرح، فقد أثار تقديم مسرحيته الجريئة: “الفرافير”، عام1964 ضجة كبيرة، واكتسب يوسف إدريس، بفضلها، مكانة وطنية عالية، باعتباره مبدع أساليب التعبير المصرية الصحيحة، وقبل عرض المسرحية، قدم يوسف إدريس مفهومه عن مسرح مصري، معتمداً على معرفته الوثيقة بحياة القرية، فقدم شخصية “فرفور”، باعتباره إحدى شخصيات المسرح الشعبي، ووصفها بأنها شخصية مصرية حاضرة البديهة، تتفجر حيوية، قادرة على تسلية الجمهور بسخرياتها اللاذعة الخاطفة، ولأنه ينطوي على حقد، فهو يفضل التنفيس عن مشاعره بالمزاح البريء، ولكنه ينطوي، في الوقت نفسه، على طبيعة فلسفية وحكمة فطرية، توازن بعده التهريجي، ويوضح يوسف إدريس أن المتفرجين يكتشفون الفرفورية الكامنة لديهم خلال أداء الممثل، ومن هنا، يتم التفاعل بين الممثل والجمهور. وقد ظلت “الفرافير” لفترة موضوع مناقشة حادة على صفحات الجرائد، ولكنها تشير على أية حال إلى وطنية يوسف إدريس الممتزجة بخلفية ريفية، فكان التمصير أمراً لا مفر منه في كل مجال، سواء المسرح أم القصة أم الرواية، وأصبح الإنسان المسحوق هو البطل لجميع أعماله، ولذا، تدور ما يقرب من ثلث قصص يوسف إدريس المنشورة في الفترة ما بين1953، 1961، في مناطق ريفية، وتصور كفاح الفلاحين الفقراء المستميت من أجل البقاء، ونرى ذلك في “المرجيحة”1952، و”أرخص ليالي”1953، و”المأتم”، وتحكي المرجيحة قصة عبد اللطيف ذلك الفلاح الذي يعاني من سرطان المثانة بسبب البلهارسيا، قنع بالنقود القليلة التي تأتيه من مرجيحة أقامها لأطفال القرية خلال أيام العيد، ولكن يشاء سوء الحظ، أن ترتطم المرجيحة، ذات يوم، برأس ابن العمدة، فيلقى بعبد اللطيف في السجن، حيث يموت بعد فترة وجيزة، ولكنه يظل متشبثاً، حتى اللحظة الأخيرة، بأمل أن يحقق ابنه ما فشل هو في تحقيقه. أما قصة “أرخص ليالي”، والتي أعطى اسمها لأول مجموعة قصصية له، فتدور حول محاولة فلاح فقير يدعى عبد الكريم، قضاء سهرته دون أن يتكبد أي نقود، وفي سخطه على ظروفه البائسة، يعود إلى البيت كما اعتاد، ليمارس متعته الوحيدة، فيشق طريقه في الظلام، متخطياً أبنائه المتناثرين على الأرض، إلى سرير زوجته القائم على سطح الفرن، ليوقظها، ونتيجة لعدم إدراكه للعلاقة السببية بين الاتصال الجنسي والإنجاب، يصبح مولد طفل جديد بعد عدة شهور، مفاجأة غير سارة بالنسبة له، وتستمر عجلة الفقر والجهل المخيفة في الدوران. وتقدم قصة “المأتم”، والتي نشرت للمرة الأولى في مجموعة “أرخص ليالي”، وصفاً ساخراً لنزاع حانوتي وشيخ القرية، على الثمن الذي يتقاضاه الشيخ للصلاة على روح أحد المواليد. ولا ينصب التركيز في هذه القصص على الذروة ولحظة التنوير، بل هي أقرب إلى الرسم التخطيطي لمقطع عرضي ثابت في الواقع الاجتماعي، ليتطور ببطء في التقاء الخطوط في اتجاه نهاية، توضح، بصورة ختامية، الأفكار المتضمنة في الجزء السابق من القصة، أما الشخصيات في هذه القصص، فهم أفراد معزولون يحاولون الصمود في وجه المصاعب الوبيلة، فلا يواجههم في النهاية غير أسوأها، فهي شخصيات تحيا في مجتمع أناني، قاس، يحل فيه المكر محل المشاعر، ولا تمثل العلاقات الأسرية سوى أدنى درجات الحماية العارية، وتتهاوى أحلامهم بالمستقبل السعيد، وتتقلص متعتهم لتصبح في حدود كوب شاي بين الحين والحين، أو تدخين (الجوزة)، أو القليل من الحشيش أو الأفيون، وبعض المداعبات الخشنة مع الزوجات، ورغم أن هذه الشخصيات البائسة تفشل في الحفاظ على وضعها في أدنى مستويات المجتمع، إلا أن مجتمع القرية، ككيان كامل، يظل قادراً على تحقيق مكاسب لافتة، ففي قصة “الهجانة”1953، تلحق بعض الخسائر الطفيفة بقرية أحد كبار الملاك، ويصل ثلاثة من الهجانة لإرهاب القرية المجاورة، ويلزم الأهالي المذعورون بيوتهم، وتتوقف مظاهر الحياة، ولكن حينما تصل الممارسات الوحشية للهجانة إلى حد يفوق الاحتمال، يتحد الناس فجأة، وينجحون في طردهم، ويستمر كفاح القرية في قصة “الطابور”، التي تقدم محاولات عبثية يبذلها مالك الأرض التركي، للسيطرة على سوق للفلاحين، فتجد السلطات نفسها في مواجهة مع مقاومة عنيدة، وينتهي الصراع الطبقي بانتصار أهل القرية الفقراء، وتنتشر النغمة الاشتراكية في مجموعة “جمهورية فرحات”، ففي قصة “1/4حوض”، يصور حياة البطالة التي تعيشها الطبقة العليا، مستمتعة بوقتها على حياة الفقراء، أما “جمهورية فرحات”، وهي آخر قصة كتبها يوسف إدريس قبل اعتقاله لأسباب سياسية، تتميز بالجمع بين المعالجة التصويرية للفكرة، كما في قصة “المأتم”، والتوجه الأيديولوجي المتمثل في قصة “الطابور”، والمكان هو أحد أقسام البوليس، ووسط المساجين المقيدين والمحتجزين من المتسولين والمتشردين والزوجات المتعرضات للضرب، يجلس فرحات، الصول المنهك، يروي حكايات مختلفة لأحد المساجين السياسيين الشبان، تقطعها أحداث مضحكة تجري أمامه، وينطلق خيال الصول بتشجيع من “الأفندي” الذي نسي محنته، إلى أن ينتبه فرحات فجأة إلى ما يحيط به من خراب، عندئذ يغمغم ساخراً من الأحلام: “يا شيخ فضك أهو كلام انت بتصدق!”وتظهر قصص أخرى ليوسف إدريس تكشف عن نغمة جديدة لديه، ففي قصص مثل “أبو الهول”، و”داوود”، و”ليلة صيف”، تحكي تخلي الطرفة السابقة مكانها، للغة أكثر شخصية وشاعرية، ويصادف القاريء فقرات شاعرية تتغنى بجمال الريف المصري، وهو جمال يتبدى في الليل بالذات، ففي قصة “في الليل”1954، تتقابل جماعة من الفلاحين المهزولين، بعد يوم من العناء في الحقول، وبينما يدخنون (الجوزة)، ويستمعون إلى النكات السخيفة من “فرفور” القرية، وهو أفقر رجل فيها، وبينما تنعش برودة المساء أجسادهم المنهكة، يصادفنا وصف جميل لليل، يقول: “وما كان الليل جميلاً لما فيه من سكون أونجوم، وإنما كان جميلاً لأنه ليس فيه عمل ولأن فيه راحة وجلوساً، ولأنهم يستطيعون فيه الحديث إذا جلسوا واستراحوا، أنهم بشر مثل سائر البشر”11، وتدور قصة “الناس”1957، حول شجرة “الطرفة” المباركة، التي يجتمع عندها مرضى العيون في الفجر، لتلقى بركتها المفترضة، باستقطار ندى أوراقها في عيونهم، ويصبح تقديس الشجرة شوكة في جنب بعض طلاب الجامعة، ولكن عندما يتم إثبات أن الأوراق تحتوي على مادة شافية علمياً، يبتعد عنها الفلاحون، وتفقد الشجرة جاذبيتها، انطلاقاً من شكوكهم المتأصلة في الحداثة والسلطة معاً.

وتحتل القيم المتضادة لمفهومي القرية والمدينة مكانة هامة في قصص يوسف إدريس المكتوبة في الخمسينيات، والتي ينعكس فيها الاختلاف الكبير بين القرية والمدينة، في التطور المادي والاتجاهات العقلية، مثل قصة “المكنة”، و”النداهة”، و”الحادث”، و”الأمنية”، و”أحمد المجلس البلدي”، و”على أسيوط”، و”حادث شرف”، و”الشيخ”، و”طبلية من السماء”، و”تحويد العروسة”، حيث يظهر في كل تلك القصص المحرمات والمعتقدات البدائية ذات الصبغة الدينية، وهي مرحلة لاحقة عن مرحلة قصص “أرخص ليالي”، و”رهان”، و”المرجيحة”، و”شغلانة”، والتي يظهر فيها الفقر والظلم الاجتماعي لأهل القرية. ومع نهاية الخمسينيات، وأوائل الستينيات، شهد نهج يوسف إدريس في كتابة القصة القصيرة، تغييراً كبيراً، فنرى التصوير الواقعي البسيط للطبقات الدنيا في المجتمع الريفي وفي حواري القاهرة يتلاشى، ويظهر نمط للقصة أكثر تعقيداً، وتدريجياً، أصبحت المواقف والشخصيات أكثر عمومية وشمولية، إلى أن قارب نثره الشعر في تجريده ورمزيته، ففي قصة “حلاوة الروح” المنشورة عام1970، نرى جواً من التشاؤم، وينغمس أبطال القصة في الاستبطان والاحتدام، ويحل التمثيل الرمزي للموضوعات الأخلاقية والسياسية، محل الوصف الخارجي، كما كشفت قصص من أمثال “الشيخ شيخة”، و”طبلية من السماء”، و”شيخوخة بدون جنون”، عن عدم الالتزام الصارم بالتصوير الواقعي، وعن الميل إلى الغريب من الأحداث، كتلك العلاقة الغريبة بين مسخين بشريين بلا جنس محدد في “الشيخ شيخة”، والشخصية المشوهة للشيخ علي بطل “طبلية من السماء”، الذي يهدد بإنزال اللعنة الإلهية على قريته، بالخروج عن دينة، والفانتازيا في قصة “شيخوخة بلا جنون”، ففي هذه القصة الطريفة، يقوم مفتش الصحة بالكشف على جثة عم محمد، أحد صبيان الحانوتي، وفي الطريق إلى الجثة، يتذكر مفتش الصحة كيف كان يصطحبه عم محمد إلى بيت الميت، وكيف كان يجاهد لقلب الجثة لمفتش الصحة كي يفحصها، وها هو دور عم محمد، فقد أصبح جثة، وعندما بدأ الصبيان بقلب جثته على وجهها لمفتش الصحة، يرى المفتش كأنه يتحرك ويقول جملته المعهودة الني كان يقولها عند قلب كل جثة: “اوعى يا جدع جاك تربة تلمك، أنا آهه، اتفضل يا بك أنا اللي أقلب نفسي”، وبالإضافة إلى اقتحام الفانتازيا لنسيج القصص الواقعية، فهناك تزايد ملحوظ للنبرة الأخلاقية على نحو ما تكشف قصص مثل: “على أسيوط”1957، و”أحمد المجلس البلدي”1960، و”صاحب مصر”1965، بحيث يترابط المغزى والشخصيات في هذه القصص الثلاث، فهي تصور مشردين يتسمون بالمرح والحساسية المرهفة، ورغم فقرهم، ينبذون نعم الحضارة الحديثة، بعد احتكاكهم العابر بها، تتعرض قصة “على أسيوط” للاستبداد الذي يمارسه أطباء إحدى مستشفيات القاهرة، على فلاح فقير يبحث عن علاج لقدمه العرجاء، وفي قصة “أحمد المجلس البلدي”، نرى شخصية قروي مفعم بالحيوة ولكنه فقير ومعوق جسدياً، ولكن اهتمام المؤلف هنا لا ينصب على الظلم الاجتماعي والفوارق الطبقية، بقدر ما ينصب على الأمر المرفوض أخلاقياً، والمدمر للنفس الفردية، وهو حين يخرج أحمد الفقير ذو العاهة عن حالة البساطة السعيدة، عندما تركب له ساق صناعية، فيرفض مساعدة أهل القرية في إصلاح الكوبري، كما كان يفعل من قبل، ويتحول إلى رجل متجهم ضيق الصدر، ولكنه مع نهاية القصة، يستعيد براءته بعد أن خلع ساقه الصناعية، وعاد لعكازه الخشبي، وتعود إليه حيويته، ويعود لحب الناس، وتنتهي القصة بهذه العبارة الساخرة، حين يُسأل عن ساقه الصناعية: “في داهية..دا كأن الواحد كانت رجله مقطوعة!”، وقد تكررت شخصية أحمد في شخصية البرعي في قصة: “المنية”، نفس نمط البطل المضاد الذي يصطدم بالعالم الحضري الحديث، وفي قصة “صاحب مصر”، يقدم يوسف إدريس آراءه بطريقة أقل تماسكاً، تقع أحداث القصة في “غُرزة”، توجد في مفترق طريقين صحراويين، كمظهرين وحيدين للحياة الإنسانية، يشترك بطلها عم حسن في العديد من السمات، مع “أحمد المجلس البلدي” كعشقه للحرية وولعه بالحياة وخدمة الناس، حيث لا يتوقع أجراً، ولكن عند ظهور “غُرز” أخرى في المكان، يظهر التنافس، فيلملم عم حسن أشياءه ويرحل على عربة كارو عابرة لمصير مجهول، لو نظرنا لهذه القصص، نجد أنها توصل رسالة أخلاقية، تقول إن ثمن الامتيازات المادية المتحققة عن طريق السلوك الأناني، هو خسارة دفء وعفوية الحياة الطبيعية الاجتماعية، بينما يكون مكسب الإيثار هو راحة الضمير، فالمتسلقون هم “الذين يسيرون بساق مقطوعة”، وقد استعاد يوسف إدريس تيمة أحمد المجلس البلدي في قصة “لغة الأي أي”1964، وهي تروي قصة دخول مريض بسرطان المثانة إلى مكتب “الحديدي”، خبير الكيمياء العضوية، ولسوء الحظ، يعلم الحديدي أن الجسد الواهن المحتضر أمامه، هو “فهمي” الصديق الحميم أيام المدرسة الثانوية، حيث افترقا واتخذ كل منهما مساره، ويقرر الحديدي أن يستضيف فهمي في بيته تلك الليلة، بنية عرضه في صباح الغد على أخصائي الأشعة، رغم اعتراض زوجته الأرستقراطية الناعمة، وينام فهمي في المطبخ، ولكن صرخاته لا تنقطع طوال الليل، ويظل الحديدي مستيقظاً، غارقاً في تفكير حول المفارقة بين حياته وحياة فهمي، فمن فيهما الفاشل؟ فهمي الذي لم يكمل تعليمه، رغم تفوقه، لأن أبوه احتاجه في فلاحة الأرض، أم هو الذي كرس طاقاته للوصول إلى هدفه، ويصل الحديدي إلى النتيجة نفسها التي وصل إليها أحمد حين تغير سلوكه بعد تركيب الساق الصناعية، ويكتشف أن الذي فشل هو نفسه وليس فهمي، فقد حكم على نفسه بحياة جافة لا يستطيع الخروج عليها، لا طعم لها، تملؤها الوحدة القاتلة التي تربي في نفس الفرد الخوف من الآخرين، وتدمر النفس، ويتساءل الحديدي، ما نتيجة الجري السريع للوصول إلى القمة؟ ويكتشف أنه هرب سريع من الحياة، فيحمل فهمي على كتفه، ويقرر مغادرة البيت بلا عودة، حيث يستطيع أن يطلق مع فهمي صرخة الألم بحرية، آلام الروح التي كتمها طوال هذه السنين، ويكتشف أنها أكثر إيلاماً من آلام الجسد، والأمر نفسه يتكرر مع قصة “ليلة صيف”، وهي رسالة أراد يوسف إدريس تبليغها من خلال تكرار تيمتها في العديد من القصص بصور مختلفة في تلك الفترة، فمنذ عام1956، حاول يوسف إدريس أن يتخلص مما أسماه بتأثير تشيكوف، فقصتا “أبو الهول”، و”ليلة صيف”، تمثلان تطويراً بنائياً، بالإضافة للتطور النفسي للشخصيات، فنراه يتخلص من السمة السكونية التي اتسمت بها قصصه الأولى، فنرى قصة “مارش الغروب”، تلك التحفة الشعرية التي تميزت بالرمزية الصوتية، بالإضافة إلى الإحكام ودقة الوصف، وتكمن خصوصية هذه القصة في استخدام الوسائل السمعية؛ الصوت الرنان الناتج عن صنج بائع العرقسوس، وندائه الأجش: “يا منعش”، ويعكس إيقاع ونغمة ضربات الصنج والنداءات، المراحل الذهنية المختلفة التي يمر بها، وهو يحاول، رغم برد الشتاء ومقدم الغروب، أن يلفت انتباه المارة المسرعين بلا جدوى، “في البداية كانت دقات الصاجات تخرج صاخبة زاعقة على دفعات كهدير الديك الرومي..وكان ينطق منعش بلهجة لا نعنشة فيها ولا حماس”12، وفي قصة “حادثة شرف”، تحول يوسف إدريس من التصويرية إلى إدراك الاتجاهات العقلية المتأصلة في المجتمع القروي، أما شخصياته، فهي غالباً ما تنتمي إلى النمط المسطح الكاريكاتوري، مما يتلاءم مع البناء الذي يركز على حدث أو موقف اجتماعي معين، ويتم التركيز على الملامح الرثة لهذه الشخصيات، كما ورد في شخصيات قصص “أرخص ليالي”، كوصفه للأعرابي في قصة “رهان”: “كان طويلاً ناشف العود وساقاه التصق جلدهما بالعظام”، كما يؤكد تكراره لشخصيات معينة في بعض القصص التي تتخذ الطابع القروي، على أنها تشكل كلاً متجانساً ينطلق من رؤية خاصة للقرية المصرية، فنجد هذه الرؤية شاملة، نوعاً، ما ففي رواية “الحرام”، المنشورة عام1959، نرى تقابلاً بين بعض شخصياتها وقصص أخرى، فنبوية بائعة البيض اللعوب، تظهر للمرة الأولى في “الهجانة”1953، ولنده حسناء القرية وحبيبها أحمد سلطان، يرتبطان بعلاقة غرامية غير مكتملة، كما فاطمة وغريب في “حادثة شرف”1958، وثمة تشابه قوي بين الأخيرين، وبين محمد الخليع في “ليلة صيف”1956، ويذكّر دميان عبيط القرية، بالشيخ شيخة في قصة “الشيخ”. وليس الجنس في أعمال يوسف إدريس تعبيراً جسدياً عن الحب الروحي أو المتعة الجنسية الخالصة، فالعلاقة الجنسية في هذه الأعمال، غالباً ما تحدث في تضاد مع أرضية عامة، تتخذ موقف التأثيم، متخذة شكل “الحرام” في السياق الريفي، وذلك في الأعمال الأولى، أو شكل الشعور الفردي المخفف بالذنب في السياق المدني في أعمال تالية، كما تم توظيف الجنس في عدد من القصص بصورة رمزية، من أجل توصيل أفكار أخلاقية وسياسية، ويكشف عدد من قصصه، التي نشرت في الستينيات وأوائل السبعينيات، عن درجات عديدة من السلوك الجنسي المنحرف، تصحبها غالباً مشاعر الإحباط العميق، فاختلاس النظر كما في “حالة تلبس”، والاغتصاب كما في “النداهة”، والجنس ذو الطابع الأوروبي الطاغي كما في “دستورك يا سيدة”، والزنا كما في “أكبر الكبائر”، وممارسة الجنس إلى جوار شخص يحتضر كما في “العملية الكبرى”، والاتصال الجنسي بين شيخ وعاهرة كما في “أكان لابد يا ليلى أن تضيئي النور”، وبين زوج الأم وبناتها الثلاث، كما في “بيت من لحم”، كلها نماذج بارزة يتشابه فيها الموضوع الجنسي مع الرسالة الأخلاقية التي تنطوي عليها القصص، كما ظهر ذلك بقوة في قصة “المحطة”، حين يراقب الراوي وجاره، بحسد، محاولة ناجحة لطالب يتقرب إلى فتاة، وينجح في ذلك، في حين يتذكر خجله المؤلم حين كان مثله، والذي أدى به إلى حرمانه من جارته الجميلة. وفي “حالة تلبس”، حين تتغير مشاعر الإثارة، التي حفزتها تدخين طالبة في نفس العميد، إلى إيمان بأنه لا يتم التقدم العلمي والصناعي والحضاري لبلد، إلا إذا تحرر الناس من تقاليد بالية، وأنعموا ببعض الحريات، وهكذا يتم تصوير الليبيدو، كقوة قادرة على إزاحة التحيزات المتأصلة، ففي قصة “الستارة”1960، يركز يوسف إدريس على توازن القوى الحرج بين الجنسين في مصر، حيث يجاهد الرجال لفرض سلطانهم المعترف به اجتماعياً، بينما تحاول النساء الوصول إلى أغراضهن بالحيلة والابتزاز والتهديد، ثم نرى نوعاً من الإحباط الجنسي، أو الكبت والهزيمة، كما في قصة “شيء يجنن”، المنشورة في مجموعة “آخر الدنيا”1961، حين يقوم مأمور السجن بحبس كلبته ريتا، وهي في هالة هياج جنسي، مع فارس، وهو كلب وولف ألماني يمتلكه أحد السجناء، على أمل إنتاج سلالة أرقى، ولكن فارس، بعد نظره إلى الأنثى، يكرس كل جهوده للهرب، وتتكرر محاولات الهرب إلى أن يختفي في المرة الأخيرة، ولا يعود، وفيها يسخر يوسف إدريس من الزواج المرتب الذي لايزال شائعاً في مصر، أو هو احتجاج على الافتقاد العام للحرية. وفي قصة “هذه المرة”، المنشورة في مجموعة “لغة الأي أي”1965يصور كيفية وقوع سجين، بعد سنوات من السجن، في هوة سحيقة، عندما يحس من حديث مع زوجته لمدة عشر دقائق، أنها لم تعد تحبه، وتعيش حياة ماجنة. وفي قصة “مسحوق الهمس”1967، يشعر السجين السياسي بالسعادة، حين ينقلونه إلى زنزانة ملاصقة لسجن النساء، فيحاول، عن طريق “كسرولة”، الاتصال عبر الحائط بالجهة الأخرى، ولكن لا يأتي الرد إلا همهمة أو همساً، ويصور له خيله أنها فتاة رائعة الجمال واسمها فردوس، فيعيش معها قصة حب، يتخللها صلح وخصام وعتاب، إلى آخر تلك التصورات، ولكنه يحبط حين يعرف من الحارس، أن الزنزانة المجاورة تشغلها مجموعة من السجناء المرحلين، وهم يتغيرون باستمرار، ومعظمهم من الرجال، وهنا يجب أن ننظر في ضوء هذه القصة، إلى أزمة يوسف إدريس النفسية والعقلية، بعد حرب الأيام الستة، وقلقه على مصير بلاده، فيحدث تعارض بين الحلم والحقيقة، ويتجسد ذلك التعارض في قصة “هي”، التي يقوم فيها الراوي بمعانقة امرأة شديدة الإغراء، ناعمة الملمس، ولكنه يشعر بساقها خشناً ومليئاً بالشعر كساق العنزة وينتهي بحافر حمار، ويتجسد ذلك المزيج من الجنس والإحباط واليأس في قصة “لأن القيامة تقوم”1965، بطلها صبي صغير، ينام تحت سرير والديه، ولكنه يدرك تدريجياً أن أمه تمارس الدعارة بعد وفاة أبيه، فيغني مع الأولاد في الحارة: “الدبة وقعت في البير وصاحبها واحد خنزير”، فتكتسب الأغنية رمزاً جديداً، وهي قصة ذات مغزى سياسي، فالأم الآثمة، ترمز لانحراف الثورة التي تسمح باستغلالها من قبل الانتهازيين، وهكذا تكثر الموضوعات السياسية في قصص يوسف إدريس، ولكنها مغطاه بغطاء من الرموز، وقد ظهر ذلك جلياً في قصة “معاهدة سيناء”1963، أما في قصة “العملية الكبرى”1969، فليس الرمز السياسي بها واضحاً، ولا يمكن التخمين فيه، بغير الاعتماد على شروح المؤلف، وكذلك قصة “أكان لابد يا ليلى أن تضيئي النور”1970، وقصة “الأورطي”، وهي قصص تعاني من و طأة الرمزية الغامضة، ففي “العملية الكبرى”، يحلل أسباب الهزيمة، ويلقي مسؤولية الكارثة على عاتق عبد الناصر، الذي يمثله الدكتور أدهم، الذي وصل به غروره واستبداده وتعامله المتهور مع الأزمة، إلى إجراء جراحة في العمود الفقري لامرأة تشتكي من ساقها، اعتماداً على تشخيصه فقط، دون انتظار نتائج الكشف الأشعي، فهو شخص مغرور، مشغوف بالعمليات النادرة، أصبح لا يزاول الجراحة لشفاء الآخرين، بقدر ما أصبح يزاولها لفن الجراحة نفسه، ويندم عبد الرؤوف، تلميذه طالب الطب ويمثل يوسف إدريس نفسه، على أنه جعل الدكتور أدهم معبوده، وبعد خمس ساعات من العملية، ينفتق الأورطي وينفجر الدم ويغطي النظارات، فيحاول الدكتور أدهم أن يخيطه، فيهتريء ويتمزق، ويزداد تفجر الدماء حتى يغطي الغرفة بكاملها، وبدأت المريضة تموت، ولكن الدكتور أدهم يلقي باللوم على الخيوط والإبر وأجهزة التكييف، وتكون الخلاصة التي يصل إليها: “آهو كده كده كان الورم حيموتها، يبقى العلم اللي كسب، فمصر كسبت عملية عمرها ما اتعملت..”13، وكذلك قصة “الأورطي”، التي تكشف الوجه الاخر من ظلم الفقراء، فعبد الله البطل الضحية، يستسلم في خنوع لقدره، “كان طيباً ذلك النوع الباهت السلبي من الطيبة مصاباً بفتق مزدوج ويغني في خلوته مواويل عذبة”14، ومع التشابه الواضح بين “العملية الكبرى”، و”الأورطي”، إلا أن هناك اختلافاً حاسماً بينهما، فمع أن عبده يدرك الخطر الذي يتعرض له، إلا أنه يستسلم في خنوع لقاتليه، وهو يمثل الشعب المعدم، ولكن المسؤولية الكاملة تقع في “العملية الكبرى” على عاتق الدكتور أدهم، الذي يمثل قراره غير المبرر بإجراء عملية كبرى دون تشاور أولي مع المريضة، خرقاً فاضحاً للثقة المفترضة بينهما، والتشابه بين جريم.

Be Sociable, Share!

تعليق واحد على هذا الموضوع”

  1. أمال

    مازلت أريق الخطا على رصيف المتابعة..
    أمال

أضف تعليق

  • November 2014
    M T W T F S S
    « Sep    
     12
    3456789
    10111213141516
    17181920212223
    24252627282930
  • Archives

  • Categories

  • Recent Posts

  • Categories