مواضيع وسمت بـ ‘نسرين طرابلسي’

قضية خاسرة

nasreen

admin 12

أرجوك لا تخبر بناتي.. فالضوء لم يدخل من النافذة ذلك المساء، اسأله.. أمي حلفت ألف يمين قالت: “اذهبي وأحضري كرات الصوف سننتهي الليلة والشتاء لايرحم”. لم تكن لدي النية في العودة قبل حلول الظلام. فالعتمةُ يا جار تختصرُ اليوم، وتسرع بي إلى الفراش. أنام على جنب واحد، ولا أجد بي قوة لألكزه ليوقف شخيره المتصل. منذ عشرين عاما وصوت الحافلة القديمة المختبئة بين رئتيه يشاطرني الأحلام، وإذا توقفت أقلق عليه، أمرر يدي أمام أنفه لأتأكد من أنه حي. تنبعث في الليل رائحة جيوبه الأنفية، ويحزنني كثيراً أنه لا يملك المال لإجراء العملية. صار شخيره حنونا مع الأيام، صار صوتاً أليفاً يدل على رجولة ممهورة بالكدح والتعب. اشتريت الصوف في عز الصيف، عندما كانت الأسعار رخيصة بجنون شهي. ولم أجد وقتا باردا لأحيك له كنزة دافئة. كنت أخرج الكرات الزرقاء من الكيس كل مساء وأعيدها لأنَّ وبرها يسبب لي حكّة، فالأكزيما التهمت أصابعي ومعجون الجلي غيرُ ناعمِ على اليدين كما يدّعون. قالت أمي:” صار الجو باردا الآن نباشر الحياكة”. صدقني يا جار لم يكن في نيتي أبدا أن أعود قبل العتمة. فهو يتعب يا خلق الله يتعب كثيرا في عز البرد. وجهدُ امرأتين في الحياكة يجعلنا نتقاسمه وننتهي بسرعة. الصدر لي والظهر لها وذراع لكل واحدة. إنها أمي نعم.. وهي تجيد الحياكة، ستكون محظوظاً إن استطعت رؤيةَ يديها السريعتين وهما تضربان السنانير ببعضها. منذ ستين سنة وهي تحيك الصوف. حاكت الموهير في أيام الرخاء والخيش في الأيام العصيّة، ولم تدعنا نشعر يوماً بالبرد. أمي تحبه أيضاً، لأنني دوما أذكُرُه أمامَها بكل خير، ولا أسمحُ لأحدٍ أن يسيءَ إليه. وماذا تريدُ أمٌ من صهرها سوى أن يكون رحيما بابنتها؟؟ لم يمنعني يوما من زيارتها، بل كان يدفعني دفعا إليها، يشهد الله أنه صاحب دينٍ ومعروف، يتوضأ في اليوم خمسَ مرات، صائمٌ قائم لا يدع فرضا. لا يشبه أبدا رجال هذه الأيام، فالديجيتال لم يدخل بيتنا، وهو يؤكد لي بأنه يخاف على بناته من مساخر التلفزيون. وعندما تحجّبْت طار عقله وقال بأنه أحبني أكثر. أهدى ابنتي الكبرى حجابا وهي ماتزال في الصف الخامس، ودعمتُ قراره أمامها رغم أنها كانت تبكي في غيابه. قلتُ له بيننا:” يارجل مازالت صغيرة “. قال لي: “صغيرة!! إنها تفوقك أنوثة، يجب أن تعتاد من الآن على الستر والحشمة، وإلا سأضطر لغسل عارها بالدم”. لا لا إلا العار والدم.. الرجال تفور دماؤهم للأقاويل يا جار، وعلى الطرقات يشاهدون يومياً أشكالاً وألوانا. لا يمكنني أن ألومَه لأنه يهجس بالعار. فأنا لم أنس بعد كيف عايرني بعد الزواج لأنني قدمت له القهوة أيام الخطوبة بفستان بلا أكمام. كان يمسك يدي من تحت المائدة بحضور والدي، ويتابع حديثه المتزن دون أن يرف له جفن. يرفع ثوبي، يقرص فخذي وأبي في الكرسي المقابل تماما يقطع له صدر الدجاجة المحمّرة. بعد سنة من زواجنا كان عليّ أن أرضخ عرفانا لأنه تغاضى عن صمتي وتزوجني. ماذا كان عليّ أن أفعل؟ أنا لا أعرف حتى الآن ما الذي كان عليّ فعله. قرصةُ زند، قبلةٌ في الهواء، ذراعه مخفية وراء الكنبة ويعبث بشعري بإصبعٍ واحد، كان هذا منتهى الحب، الحب الذي لم أعرف غيرَه سوى الطاعة والهرولة، لم يخطر في بالي أبدا أنه كان امتحانَ شرف. قالت أمي: “تدخل العروس إلى بيتها يا ابنتي وتخبئ تحت الطرحة كيس الغسيل”. كان هذا الهراء كل حياتي. عشرون عاما وأنا أسمع عن مداعبات تدفع بالدم إلى أذني وتصفر برأسي كطنجرة الضغط. النساء يثرثرن كثيراً يا جار، ولا يحلو لهن الحديث إلا عن هذه الأمور. أكاد أعرف ما يحدث في غرف نومهن جميعا بالتفصيل، ولكنني لا أعرف ما يحدث في غرفة نومي. أغمض عيني على الكون الأبعد وأغيب في العتمة. فكيف سأجيب على سؤاله: “من أين تعلمت هذا؟” أمي قالت: “الرجل يحب زوجته قطة مغمضة.” كان هذا الهراء كل حياتي يا جار.. لم يكن في بالي أبدا أن أعودَ إلى البيت قبل أن يتصل بي ليلا ويقول: جهزي الأولاد سأمر لآخذكم. إنها العادة. يوم الخميس عند أهلي والجمعة عند أهله. ولا فرق بين أولاد الحلال. هنا بيتي وهناك بيتي، وحيث يكون ذِكْرُه تكون عزوتي، وكيفما أدار ظهره ألقي عليه بُردةَ البيعة. “سنباشر بالكنزة من اليوم”، قالت أمي، “اذهبي وأحضري الصوف”. تركت أولادي وعدتُ إلى البيت. كانت حارتنا كحالها دوماً مزروعة بمباخر الألفة، أصل إليها فينشرح صدري، وأدخل الباب مرفوعة الرأس، أتبع أثر رائحتي إلى غرفة الكراكيب، فمنذ عشرين سنة والجدران تتعطرُ بي، والعتمة تحفظني فتبعدُ عثراتِها لأخطو، أمد يدي في الدرج الصغير وأخرج الكيس. عشرون كرةً صوفيةً زرقاء أتراها تكفي لاحتضان ظهره؟ سنرى… سنارتان جديدتان غليظتان لحياكة الضفيرة تكفيان، وأمي عندها سنارتان قديمتان. لا يحدث كثيرا أن أسمع صوتاً غريباً في بيتي، أنت اشهد بالحق ياجار، هل سمعت لنا صوتاً طيلة عشرين عاما؟ فكيف إذا لم يكن هناك أحد؟ نحن لا ندير الأغاني في بيتنا، لأن رجلَ البيت يخاف على عقول البنات من الوسواس. وإذا دندنّا فسراً وبهمسٍ خجول. نحن عائلةٌ مستورة، ألحاننا ضحكات بريئة لثلاث بنات يتكومْنَ في غرفة واحدة، يكتبْنَ فيها الوظائف ويحفظْنَ القرآن والأناشيد. نتجمع حول زوايا وأضلاع مائدة مربعة لنأكل ما فيه النصيب. نطفئ الأنوار باكراً وننام. حتى العصفور الوحيد الذي يتأرجح في سجنه في سقف المطبخ يحترمُ نظامنا وينام. وينفض تغريدَه قبل المنبّه ليوقظنا في الصباح. لا يحدث في بيتنا أكثر من هذا أبداً ياجار. أمي تدعو الله دوما ألاّ يغيّر علينا. فنحن سعداء، وما السعادة سوى أن تعيش وتموت دون أن تنغصَ حياتك فضيحة؟ وكما أحكي لك تماما، اهتديت إلى الصوف والسنانير دون أن أشعل نوراً، لا يمكن أن أتعثر في بيت يحفظ بلاطه مداسي ويتجنبُ أثاثُه الارتطامَ بي. وسمعت صوتاً لم أسمع مثله في حياتي. ربما سمعت عنه لكنني لم أسمعه من قبل. نحن كعصافير الغابة ياجار، نألفُ زئير الأسود ونمرحُ على ظهورها، لكن رصاصةَ صيادٍ واحدة تفزعنا وتطيرُ بالأمان من قلوبنا. أزّ الصوت كرصاصةٍ في أذني، شهقَتْ، نفثتْ، أجفلتني، وقَفْتُ لكنها استمرت تدوّي. مشيتُ في ممرّي وتسندتُ بجدراني وتمهلتُ أمام غرفتي ودفعت بابي… لو رأيتَ ما رأيتُ في بيتك ياجار، كان منسوب الدم ارتفع حتى غطى ركبتيك. أنا ضعيفةٌ ياجار، مجردُ امرأةٍ ضعيفة رأت في بيتها غولاً. غولٌ عارٍ يغطيه الشعر والعرق، تلهث حافلةٌ قديمة في صدره ويعتلي امرأة أخرى. عندها فقط أغمضَتْ العتمةُ عينها عليّ، ورفعَتْ لي يدي المُمْسِكة بالسّـنّارة وأغمدتها في ظهر الغول. عَلِقَت السنارة المعدنية في ظهره وسال خيط رفعٌ من الدم، وتحولت ضحكات المرأة إلى صراخ. نسيني أثاث المنزل وتورّطَتْ بغرابة خطواتي بلاطاتُه فوقَعت. هجم عليّ وانتزعَ حجابي. باغتته العتمةُ بيدي وغرسَتْ في عينه السنارة الأخرى فهي تعرف أنني لا أنكشف على غرباء. أنا لم أصرخ ياجار لأنني لا أحب أن تتلوث حرمة الصمت. أخذا يزمجران كإعلان عن فضيحة. في درجي الأول على يمين المرآة مقص أعرف مكانه دون معونة العتمة، هاجمني فارتطم ذقني بحرف السرير والتفتُّ أصدّه فأربكهُ الظلام وهوى جسده على المقص. يا خسارة يا جار، لو لم يبق الكيس معلقاً بمعصمي لبقي هذا الصوف أزرقَ اللون ولم يكن أحمر من قبل. كنا سنحيك منه كنزةً صوفية ليتدفأ ظهر الغول في هذا البرد، وتتوقفَ الحافلةُ القديمةُ على قارعة رئتية ويهدأ شخيرها في الليل. أتشوّقُ لأعرفَ ما الذي ستقوله أمي الآن… أرجوك لا تخبر بناتي. °°°° سوريا

فبراير0 Posts
مارس0 Posts
أبريل0 Posts
مايو0 Posts
يونيو0 Posts
يوليو0 Posts
أغسطس0 Posts
سبتمبر0 Posts
أكتوبر0 Posts
نوفمبر0 Posts
ديسمبر0 Posts
يناير0 Posts
فبراير0 Posts
مارس0 Posts
يونيو0 Posts
يوليو0 Posts
أغسطس0 Posts
أكتوبر0 Posts
نوفمبر0 Posts
ديسمبر0 Posts
يناير0 Posts
فبراير0 Posts
مارس0 Posts
أبريل0 Posts
يوليو0 Posts
أغسطس0 Posts
سبتمبر0 Posts
أكتوبر0 Posts
نوفمبر0 Posts
ديسمبر0 Posts

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

فوبيا، والتي تعني باللغة الإنكليزية عقدة الخوف اللامنطقي، وهي حالة مرضية يصاب بها الإنسان. ورسالة فوبيا الأدبية، هي لبعض الأنظمة في الشرق الأوسط الذين يخافون الكلمة وقوتها أولا، ولبعض من الكتاب الذين لديهم الخوف من زملائهم الكتّاب والمنكفئين على أنفسهم ثانيا.